ultracheck
سياسة

سوريا والتحولات الأميركية.. مكاسب الشراكة وكلفة التفويض

20 يوليو 2026
الرئيسان السوري أحمد الشرع ونظيره الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماعهما في أنقرة على هامش قمة الناتو
الشرع ونظيره الأميركي ترامب خلال اجتماعهما في أنقرة على هامش قمة الناتو (Getty/ الترا سوريا)
عزيز موسى
عزيز موسى باحث وكاتب صحافي سوري

على هامش "قمة الناتو" في أنقرة، عقد الرئيسان الشرع وترامب لقاءً ثنائيًا حمل العديد من الدلالات من حيث المكان والتوقيت، فما جرى تناوله من ملفات يتجاوز لغة الشرعية إلى لغة الأدوار؛ إذ شكّل هذا اللقاء إشارة إلى انتقال سوريا من موقع الملف الذي يُدار عبر خطاب الشرعية إلى موقع الفاعل الذي يُستثمر في معادلة النفوذ الإقليمي المتجددة.

وتبدو دمشق، من زاوية الحسابات الأميركية وحسابات "حلف الناتو"، نقطة ارتكاز محتملة في إدارة التوازن بين معسكرين دوليين متنافسين، مع ميل واضح نحو استمالتها إلى المعسكر الغربي، إضافة إلى موقعها المحتمل في ملفي خطوط الطاقة والربط الإقليمي. وتُطرح في هذا السياق أيضًا ملفات تتعلق بأدوار أمنية جديدة عبر شبكة شراكات محلية وإقليمية.

سوريا: ساحة أم طرف؟

تحولت "قمة الناتو" في أنقرة إلى مختبر لفهم نمط جديد من إدارة النفوذ الأميركي في الإقليم، قوامه الانتقال من الانتشار العسكري المباشر إلى آليات ضبط غير مرئية تُفعّل عند الحاجة فقط.

وسوريا، في هذا السياق، لم تعد مجرد ملف أمني يُدار من الخارج، بل تحولت إلى مساحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء، بما يجعل موقعها الجغرافي والسياسي عاملًا فاعلًا في إعادة تشكيل موازين القوة، لا مجرد ساحة تُطبّق عليها هذه الموازين. غير أن هذا الدور الوظيفي الجديد يحمل في طياته إشكالية جوهرية تتعلق بحدود الفارق بين الشراكة الفعلية والتفويض بالأعباء الأمنية من دون مقابل بنيوي مضمون.

يرى الباحث في الدراسات السياسية الدكتور عامر محمد أن حضور سوريا في القمة يمثّل محطة تُعاد فيها صياغة موازين القوى الإقليمية بأدوات غير مباشرة؛ فالولايات المتحدة لا تسعى إلى فرض حل أمني نهائي في المنطقة، بل إلى ضبط اختلالات القوة المتصاعدة بين الأطراف المتنافسة على موقع القطب الإقليمي، عبر ما يصفه بـ"الموازن الأوتوماتيكي"، أي إيجاد آلية تدخل تصحيحي غير مباشر تُفعّل كلما اقترب طرف من كسر التوازن القائم، من دون أن تتحول واشنطن نفسها إلى قوة منتشرة عسكريًا بشكل مباشر.

لا يبدو أن سوريا تقف عند أحد طرفي الثنائية بين "الشراكة" و"التفويض"، بل في منطقة وسيطة تتحدد ملامحها بمدى قدرة دمشق على الفصل بين الحاجة الآنية إلى الغطاء الدولي والسعي إلى بناء ركائز سيادية مستقلة

ويضيف أن هذه المقاربة ليست جديدة من حيث المبدأ، لكنها تكتسب في الحالة السورية بُعدًا مختلفًا، لأن دمشق ليست طرفًا خارجيًا في المعادلة، بل مساحة تتقاطع فوقها مصالح متعددة، بحيث يظل الدور السوري مرتبطًا بحسابات القوى الكبرى أكثر من كونه فعلًا مستقلًا.

في المقابل، يطرح الكاتب السياسي سامر أسعد قراءة مختلفة لهذا المسار؛ فبينما يُقدّم التقارب الأمني بوصفه فرصة لتوسيع هوامش الدور السوري وحدوده، يرى أن العلاقة بين "الشراكة" و"النفوذ" في هذا النوع من الترتيبات غالبًا ما تكون أقل مما تبدو عليه في الخطاب الرسمي. فحين تُبنى العلاقة على تفويض طرف يواجه عملية بناء الدولة بتحمّل أعباء أمنية إقليمية، من دون امتلاك أدوات الضغط الموازية أو بدائل استراتيجية حقيقية، فإن الهوامش الممنوحة تبقى تكتيكية وقابلة للتراجع في أي لحظة، لا مكاسب بنيوية راسخة.

إضافة إلى ذلك، فإن التجارب الإقليمية السابقة لنمط "الحليف الأمني من خارج الحلف" تُظهر أن الأعباء الأمنية غالبًا ما تتضخم بمرور الوقت، بينما يبقى المقابل السياسي والاقتصادي رهينة لتقلبات الإدارات المتعاقبة في واشنطن، وليس التزامًا مؤسسيًا ثابتًا.

وبالتالي، تبرز هنا المسافة الفعلية بين "الشراكة" و"التفويض"، باعتبار أنها لا تُحسم بالنيات المعلنة، بل بمدى قدرة دمشق على تحويل الأدوار الوظيفية المؤقتة إلى مكتسبات مؤسسية قابلة للصمود بعد تغير الإدارات في واشنطن.

تقاطع المصالح

يحمل لقاء الرئيسين الشرع وترامب دلالات تتجاوز البعد السياسي وصولًا إلى الدور الأمني، باعتبار سوريا نقطة ارتكاز في معادلة إعادة ترتيب النفوذ؛ إذ تبدو دمشق مرشحة لتولي دور فاعل في التوازن بين المعسكرين الغربي والشرقي، مع ميل نحو استمالتها إلى الأول، إضافة إلى دور محوري في مسألة خطوط الربط والطاقة وضبط الحدود.

في هذا السياق، يؤكد محمد أن اللقاء بين الشرع وترامب يمثل تحولًا سياسيًا حقيقيًا، إذ يعكس انفتاحًا دبلوماسيًا غير مسبوق وإعادة ترتيب فعلية للعلاقات الإقليمية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاهمات حول مستقبل سوريا ومنظومة الأمن في محيطها. ويضيف أن قراءة هذا اللقاء بمعزل عن سياقه الإقليمي الأوسع تُفقده جزءًا كبيرًا من دلالته، إذ إن أنقرة لم تكن مجرد مضيف جغرافي، بل طرفًا فاعلًا في صياغة شروط هذا التقارب والاستثمار فيه.

فيما يلفت أسعد إلى أن ما جرى في أنقرة أقرب إلى الدفع باتجاه ترتيبات أمنية وسياسية قائمة أصلًا بصيغ أقل علنية، لا إلى ولادة مرحلة مستقلة بذاتها؛ فالانفتاح ليس حدثًا طارئًا بقدر ما هو نتيجة متوقعة لتراكم مصالح متبادلة بين دمشق وواشنطن.

أما بخصوص الدور التركي، فتمثّل استضافة تركيا لهذا اللقاء تحديدًا مؤشرًا على أن أنقرة نفسها طرف صاحب مصلحة مباشرة في صياغة شكل العلاقة الأميركية - السورية، بما يخدم حساباتها الخاصة في الملفين الحدودي والأمني، وليست مجرد وسيط يُسهّل تفاهمًا بين طرفين آخرين.

غير أن حضور أنقرة بوصفها طرفًا صاحب مصلحة يكشف أن اللقاء نفسه جزء من معادلة أوسع تتجاوز الثنائية الأميركية - السورية إلى معادلة ثلاثية الأطراف لم تُختبر بعد ملامحها الكاملة.

جدلية المناورة والتبعية

يمثّل الانخراط الأمني المتنامي بين دمشق وواشنطن ثمرة مباشرة لعقيدة أميركية جديدة تقوم على تفويض الأعباء الأمنية للشركاء الإقليميين بدلًا من الانتشار المباشر. وبقدر ما تحمل هذه المقاربة وعدًا اقتصاديًا وسياسيًا ملموسًا لسوريا، من خلال بدء إجراءات إلغاء تصنيفها دولةً راعيةً للإرهاب وإتاحة فرص للاستثمار الاقتصادي، فإنها تحمل أيضًا هشاشة كامنة؛ ذلك أن المكاسب المطروحة تبقى في جوهرها مشروطة ومؤجلة إلى حين اختبارها على أرض الواقع.

يعتقد محمد أن التوجهات الأميركية القائمة على تفويض الشركاء أو الأطراف بأدوار أمنية أوسع، مقابل تقليص الكلفة المباشرة لواشنطن، تفتح أمام دمشق نافذة واقعية لتحصيل مكاسب ملموسة، وإن كانت مشروطة بطبيعتها وغير مضمونة سلفًا. فعلى المستوى الاقتصادي، يسهّل الانخراط الأمني مع واشنطن ودول "الناتو" تدريجيًا مسارات رفع القيود على الاستثمار وإعادة الإعمار، ويمنح دمشق موقعًا أكثر قبولًا في مؤسسات التمويل الدولية.

أما على المستوى السياسي، فإن هذا التقارب يمنح الإدارة السورية هامشًا تفاوضيًا أوسع مع أطراف إقليمية ودولية أخرى، إذ يصبح الغطاء الأميركي عاملًا محسوبًا في أي تفاهمات جانبية، خصوصًا في ملفات ترتيبات الحدود وإعادة الهيكلة العسكرية، إضافة إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة.

إن المكاسب المطروحة تبقى في الغالب مؤجلة أو مشروطة بأداء أمني مُرضٍ لواشنطن أولًا، وليست استحقاقًا تلقائيًا لمجرد المشاركة في القمة

غير أن هذه المكاسب تبقى في جوهرها هوامش تكتيكية لا التزامات بنيوية، فيما يتطلب تحويلها إلى مكتسبات راسخة من دمشق شرطين متلازمين: استقلالية حقيقية في القرار، كي لا تتحول الشراكة الأمنية إلى قناة وحيدة لصياغة السياسة الخارجية، وقدرة على إدارة علاقات متوازنة ومتزامنة مع أطراف دولية وإقليمية متعددة، بما يمنع تحول العلاقة مع واشنطن إلى مرجعية حصرية.

فيما يشير أسعد إلى أن الحديث عن "هامش مناورة" يفترض قدرة نسبية متقاربة على المساومة بين دمشق وواشنطن، وهو تكافؤ غير متحقق في المرحلة الراهنة؛ ذلك أن سوريا تدخل هذه الشراكة من موقع الطرف الأقل قدرة على تحقيق أهدافه، بحكم حاجتها إلى الشرعية الدولية والدعم العسكري والاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، فإن المكاسب المطروحة، وإن كانت واقعية من حيث المبدأ، تبقى في الغالب مؤجلة أو مشروطة بأداء أمني مُرضٍ لواشنطن أولًا، وليست استحقاقًا تلقائيًا لمجرد المشاركة في القمة. كما أن الرهان على "الاستقلالية في القرار" كضمانة كافية لتفادي التبعية يتجاهل واقعًا بنيويًا أكثر تعقيدًا؛ فالتبعية الأمنية لا تنشأ من قرار سياسي واحد، بل تتشكل تراكميًا عبر منظومة تدريب وتسليح ومعلومات استخباراتية ومصالح اقتصادية متشابكة، بحيث تصبح إعادة التوازن لاحقًا أكثر كلفة من بناء التوازن أساسًا.

وهنا يكمن جوهر الإشكال؛ إذ لا يبدو أن سوريا تقف عند أحد طرفي الثنائية بين "الشراكة" و"التفويض"، بل في منطقة وسيطة تتحدد ملامحها بمدى قدرة دمشق على الفصل بين الحاجة الآنية إلى الغطاء الدولي والسعي إلى بناء ركائز سيادية مستقلة. وما لم تُنجز هذه المعادلة الداخلية أولًا، سيظل أي دور إقليمي، مهما بدا واعدًا، رهينة لحسابات لا تملك دمشق فيها إلا هوامش محدودة من التأثير.

الكلمات المفتاحية

عناصر من الجيش السوري يشاركون في عرض عسكري بدمشق في ذكرى إسقاط نظام الأسد

إعادة هيكلة الجيش السوري.. تغييرات قيادية واختبار تفكيك الولاءات الفصائلية

تسعى وزارة الدفاع إلى إعادة توزيع القيادات وبناء هيكل للجيش، فيما يربط محللون نجاح العملية بتغليب المؤسسة على الولاءات السابقة


هاكان فيدان وأسعد الشيباني في أنقرة قبل أيام

العلاقات السورية التركية بعد مجلس التنسيق الأعلى.. الأمن والاقتصاد في الواجهة

يفتح مجلس التنسيق الأعلى مسارًا جديدًا للعلاقات السورية - التركية، وسط رهانات على الأمن والاقتصاد والربط الإقليمي


الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي

هل اقترب حل "قسد" و"الإدارة الذاتية"؟ ملفات عالقة رغم تقدم الاندماج

يتقدم مسار دمج "قسد" والإدارة الذاتية مع دمشق تدريجيًا، بينما تبقي ملفات الأمن والمعابر والتعليم والمهجرين الإعلان الرسمي النهائي معلقًا


لحظة توقيع مذكرتي تفاهم لإعادة تأهيل وإحياء خط نقل النفط كركوك - بانياس

من كركوك إلى بانياس.. هل تستعيد سوريا موقعها على خريطة الطاقة؟

يعيد مشروع كركوك - بانياس سوريا إلى خريطة الطاقة، لكن كلفة التأهيل والعقود والأمن تجعل المكاسب المحتملة رهينة التنفيذ الفعلي

حسام لوقا
عدالة انتقالية

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا

النفط العراقي
مجتمع واقتصاد

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الأمن الداخلي
أخبار

الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق

ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت

العنف الأسري
عدالة انتقالية

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره

الأكثر قراءة

1
أخبار

بعد موجة من الجدل والانتقادات.. مديرية الآثار توضح حقيقة ما يجري في مهرجان "صيف دمشق"


2
أخبار

هيئة العدالة الانتقالية تدعو لتوثيق الانتهاكات المرتبطة بمحمد الشعار


3
أخبار

بعد مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية.. هيئة المنافذ والجمارك تتسلم مواقع تجارية في مرفأ طرطوس


4
أخبار

الهيئة العامة للطيران المدني تتسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي


5
أخبار

الأمن الداخلي يعلن الإطاحة بخلية لتنظيم الدولة في القنيطرة


advert