سوريا وقد صارت ملعبًا للآخرين
10 أكتوبر 2025
منذ أن هدأت أصوات المدافع شيئًا ما، بعد التاريخ المفصلي في الثامن من كانون الأول 2024، بدا المشهد السوري كمدينة أنهكتها الحرائق ونجت بأعجوبة من الاحتراق الكامل. غير أنّ الصمت لم يكن صمتَ سلام، بل كان أشبه بوقفةٍ طويلة قبل جولة أخرى من التاريخ.
القوى الكبرى التي اعتادت أن تنسج خيوطها فوق تراب البلاد لم تغادر المسرح، بل غيّرت أقنعتها وأسماء مسارحها. ما جعل السؤال الملح يتردّد في أذهان السوريين: هل انتهى الصراع الإقليمي ـ الدولي على النفوذ في سوريا أم أنه ارتدى حلّة جديدة أشدّ خفاءً وأطول مدى؟
لا يبدو أن الجواب يحمل بشائر نهاية قريبة. فمستقبل سوريا السياسي والجغرافي لا يُرسم فقط في دمشق أو حلب أو الحسكة أو السويداء، بل في عواصم القرار البعيدة، في أنقرة وتل أبيب وواشنطن وموسكو، حيث تُقاس الخرائط بالمسطرة أكثر مما تُحفر في الذاكرة الشعبية.
ليس خافيًا أنّ القوى الكبرى كانت، وما زالت، اليد الخفية، والعلنية في الوقت نفسه، وراء ما تعيشه سوريا اليوم. فالاقتصاد الذي ما زال يترنّح تحت الحصار والعقوبات لم يتكوّن وحده من خراب الداخل، بل من قرارات مدروسة في غرف مغلقة تريد أن تخرج بجزء من "الغلة" في عمليات إعمار سوريا، وهي تعمل من أجل ذلك منذ سقوط النظام، وحسب تقارير صحيفة فإن "الاقتصاد السوري اليوم يتعلق بكل ما تخطط له الدول (العاملة) في سوريا.. سواء على الصعيد اليومي أو على صعيد المستقبل". أما عن السياسة فهي تعاني شللًا كبيرًا لأنها ليست سوى انعكاسٍ لتناقضاتٍ بين اللاعبين الكبار.
أميركا بأطماعها في شمال شرق البلاد، وروسيا التي لن تتنازل عن "حصتها" في الغاز السوري على الساحل، وتركيا وأمنها القومي، وإسرائيل التي تحلم بتنفيذ مخطط ما أسمته بممر داوود الذي سيمر – حسب طموحاتها – في الجنوب السوري الذي تسعى للسيطرة عليه. هذا التشابك يضع مستقبل سوريا الجغرافي والسياسي تحت علامة استفهام كبرى: هل تبقى دولة واحدة بحدودها الراهنة أم تتحول إلى كيانات متجاورة تحكمها توازنات الأمر الواقع؟ روسيا تريد نظامًا مركزيًا يضمن مصالحها الاستراتيجية في المتوسط. أميركا تميل إلى تفكيك النفوذ التركي عبر دعم كيانات محلية في الشرق. تركيا تسعى إلى شريط حدودي آمن يقطع التواصل الكردي.
لم تكتف القوى الكبرى بالسياسة والاقتصاد، بل مدّت خيوطها إلى أرواح السوريين ذاتهم عبر إعلامها الذي يدير الرأي العام، كل بالأسلوب الذي يخدم مصالحه فيؤلب الشعب على بعضه، ومنصات التواصل، التي يُفترض أن تجمع، تحوّلت إلى جبهات حربٍ خفية. كل طرف يرفع شعاراته ويغذّي انقسامًا حادًا في الوعي والوجدان. الإعلام لم يعد ناقلًا للأحداث فحسب، بل صار صانعًا للانقسامات، يفرّق بين الأخ وأخيه، وبين الماضي والمستقبل.
قد يظنّ البعض أن يوم سقوط النظام كان نهاية كل وصاية، لكنّ الواقع يكشف أنّ التحرر الحقيقي لا يكتمل إلا إذا امتلك السوريون قرارهم بأنفسهم. القوى الكبرى لن تغادر طوعًا، ولن تكفّ عن البحث عن مكاسبها، وهذا قانون السياسة الدولية. لكن التحدي الأكبر يكمن في قدرة السوريين على تحويل التعدد الداخلي إلى قوة لا إلى هشاشة، وعلى صياغة مشروع وطني جامع لا يتنازل عن الاستقلال ولا ينغلق على الذات.
سوريا بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 تقف على مفترق طرق. فإما أن تبقى ملعبًا لصراع القوى الكبرى، حيث تتغيّر أشكال التدخل من عسكرية إلى اقتصادية وإعلامية، وإما أن تنجح في صناعة لحظة سيادية جديدة تُخرجها من أسر الخارج.
هل ينتهي الصراع الإقليمي – الدولي على سوريا؟ الأرجح أنه لن ينتهي قريبًا. قد يهدأ صوت الرصاص، وقد تُطوى جبهات، لكن طبيعة موقع سوريا وثرواتها وصلتها بالعقد الإقليمية تجعلها دومًا على مائدة التنافس. لكن الصراع يتبدّل: من المواجهة العسكرية إلى الحصار الاقتصادي، ومن القصف المباشر إلى الإعلام الموجّه، ومن احتلال الأرض إلى احتلال العقول.
سوريا اليوم ليست فقط ساحة حرب انتهت أو لم تنتهِ، بل هي مختبر لعصر جديد من النفوذ الدولي. القوى الكبرى، بأقنعتها المختلفة، لم تترك للسوريين سوى هامش ضيق للحلم بوطن حرّ متماسك. قد يطول الانتظار، وقد تتعدد أشكال الصراع، لكن جذوة الأمل تبقى في أن يُعيد السوريون يومًا تعريف سوريا بأنفسهم، لا كما تريده العواصم البعيدة.
الكلمات المفتاحية

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي




