سوريا ومحاذير "الشرعية الثورية"
26 نوفمبر 2025
أخبرني أحد طلابي أنه عاد إلى سوريا بعد "التحرير"، وأنه باشر العمل في إحدى المؤسسات الإعلامية، ليفاجأ بفصله من العمل بعد ثلاث أشهر، بحجة أنه لا يملك ماضيًا ثوريًا.
حكايته حرضت عندي أسئلة كثيرة: هل الشرعية الثورية كافية لإدارة المؤسسات وتوزيع المهام، وهل "الثوار" قادرون لوحدهم على نقل البلد من الدمار إلى الازدهار، وهل كلّ الذين لم يكن لهم ماض ثوري هم "خونة"، ويجب ألا يعطوا فرصة المساهمة في تطوير البلد، أم أن تجربة "الثورة" المريرة أفقدت الثقة بين السوريين، ولابد من بعض الوقت لإعادة بنائها، وهل نملك هامشًا زمنيًا يسمح بذلك، أم أن تشريعات صارمة يجب أن تضبط المرحلة القادمة، كي نتجاوز العقبات الجسام بسلام؟
الشرعية الثورية بين الدستور والتطبيق
إن الشرط الذي يطلب "تاريخًا ثوريًا" (أي خلفية في الثورة أو الانتفاضة ضد نظام سابق، أو الولاء لقيادة ثورية) لشغل المناصب الحكومية الرئيسية ليس شائعًا في الدساتير الحديثة بشكله الصريح، ولكنه كان سمة للأنظمة الثورية في القرن العشرين، خاصة في الدول الشيوعية أو تلك التي نشأت من ثورات ناجحة.
وهذا الشرط غالبًا ما يُفرض عبر قوانين غير مكتوبة أو سياسات حزبية، حيث يُفضل أو يُشترط أن يكون المسؤولون من "الثوار الأوائل" أو أعضاء الحزب الثوري لضمان الولاء والشرعية. في وطننا العربي هناك تجربتان واضحتان لهذه الشرعية: الأولى في مصر، فبعد نجاح ثورة 1952 بقيادة الضباط الأحرار، أصبح القادة العسكريون هم الحاكمون، حيث منحهم تاريخهم الثوري شرعية شعبية، ولكن مع الوقت تحوّل الأمر إلى احتكار للسلطة، مما أدى إلى ركود سياسي واقتصادي لفترات طويلة.
أما التجربة الثانية والأشهر فكانت في الجزائر حيث اعتُبرت "الشرعية الثورية" بعد الاستقلال (1962) أساسًا للحكم. وكان أغلب رؤساء الجزائر حتى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة من "جبهة التحرير الوطني" أو "جيش التحرير" ومع أن ذلك منح رمزية قوية للوحدة الوطنية، إلا أنه أضعف التنافس السياسي، وأخر بناء مؤسسات مدنية فعالة (حكم عبد العزيز بوتفليقة من على كرسي متحرك مما خلق انتقادات واسعة لا لشخصه وتاريخه ولكن لعدم قدرته على القيام بمهامه بالشكل الأنسب).
عالميًا، يعتبر فيديل كاسترو المثال الأشهر، فبعد نجاح الثورة الكوبية (1959) اشترط مع رفيقه جيفارا أن تكون المشاركة الثورية شرطًا للسلطة في الحزب الواحد. وفي الصين تأسس الحزب الشيوعي الصيني على نضال ثوري ضد الاحتلال الياباني والإقطاع، وكان التركيز في عهد ماو تسي تونغ على "الثوار الحقيقيين" من الجيش الأحمر؛ واشترط الدستور الولاء للثورة، وكان غير الثوار يُقصون عن الحكم، لكن التطور الحقيقي بدأ عندما تجاوزت الصين "الشرعية الثورية" إلى "شرعية التنمية" (منذ عهد دنغ شياو بينغ).
ويمكن القول أن تجربة فيتنام كانت الأنضج حيث استطاع قادة الثورة، ضد فرنسا ثم أميركا، بناء الدولة. وبخلاف غيرها، استطاعت تحويل "الشرعية الثورية" إلى "شرعية إنجاز"، فطبّقت إصلاحات اقتصادية (في عهد دوي موي) جعلت البلاد من أسرع الاقتصادات نموًا في آسيا.
هل ساهم هذا الشرط في التطور أم الفشل؟
يملك هذا الشرط تأثيرًا مزدوجًا: ففي البداية، يعزز الشرعية والوحدة، ويسمح بالتفاف الجماهير حول قائد أو مجموعة من القادة، مما يسمح بتحويل رؤى هؤلاء إلى واقع ملموس، ولكنه غالبًا ما كان يؤدي إلى الجمود والفساد طويل الأمد، مما يعيق التطور الاقتصادي والديمقراطي.
ففي الصين على سبيل المثال، ساعد التركيز على الثوار في الخمسينيات بتوحيد البلاد وتطبيق إصلاحات زراعية سريعة (مثل التعاونيات)، مما أدى إلى نمو سكاني وصناعي أولي، كما بنى الثوار جيشًا قويًا، وهذا ساهم في استقلال الصين عن الغرب. ومع ذلك، تحول الأمر لاحقًا إلى ثورة ثقافية (1966-1976) دمرت الاقتصاد، ولم تنج الصين إلا عندما اعتمدت على "شرعية الإنجاز" بدل الشرعية الثورية.
أما في كوبا فقد أنشأ الثوار نظامًا صحيًا وتعليميًا مجانيًا، مما رفع متوسط عمر الفرد المتوقع إلى 79 عامًا (مقارنة بـ72 في الولايات المتحدة). ولكن العقوبات الأميركية حدت من النمو.
وفي فيتنام تنازل الثوار عن السلطة مبكرًا واعتمدوا "شرعية الإنجاز" كما في الصين، ويعود لهم الفضل في توحيد البلاد بعد الحرب، مما ساهم في نمو اقتصادي هائل (7% سنويًا منذ 1990)، مع التحول إلى اقتصاد السوق دون فقدان السيطرة الحزبية.
أما في كوريا الشمالية فقد أدى التركيز الشديد على "التاريخ الثوري" إلى عزلة وديكتاتورية، مع مجاعات (1990) وانهيار اقتصادي. وحولت الوراثة الثورية النظام إلى عبادة شخصية، مما عطل الابتكار.
وفي أنغولا كان الأمر أسوأ، فقد أدى الاحتكار الثوري إلى حرب أهلية (1975-2002) قتلت مليون شخص، وجعل الفساد (النخبة الثورية سرقت الثروة النفطية)، البلاد من أفقر دول أفريقيا رغم مواردها. كذلك أثار هذا الشرط صراعات مع فصائل غير ثورية في اليمن الجنوبي (سابقًا)، مما أدى إلى انهيار اقتصادي وتوحيد قسري في 1990، ثم حرب أهلية مستمرة.
ويمكن القول أن كثيرًا من الأنظمة العربية التي خرجت من ثورات أو انقلابات احتفظت بالشرعية الثورية كشعار دون أن تطور نظامًا مؤسساتيًا ديمقراطيًا، مما جعل الثورة تتحول من وسيلة للتغيير إلى رمز لتبرير استمرار السلطة.
سوريا والدروس العالمية
يمكن القول إن الواقع السوري يختزل العديد من التجارب الثورية في العالم، ففيه الإلهام الشعبي (كالثورة التونسية 2011)، والتدخل الخارجي المعقد (كليبيا 2011 أو أفغانستان 2001)، والانقسامات الطائفية/ الإثنية (كيوغوسلافيا 1990 أو العراق 2003)، وصعود الإسلام السياسي (كإيران 1979 أو مصر 2011-2013)، والفراغ الأمني والانتقام (مثال رواندا 1994)، والتحديات الاقتصادية وإعادة الإعمار (كألمانيا ما بعد 1945 أو لبنان 1990).
ولكن هل شرط "الشرعية الثورية" مناسب لبناء دولة قوية في سوريا؟ إن هذا الشرط خطير جدًا، ويجب الاستفادة من أخطاء الدول الأخرى والتي كان وضعها يشابه الواقع السوري. وفي سوريا أكثر من 80% لم يحملوا السلاح خلال الثورة، واستبعادهم يعني فقدان خبرات مهمة (أطباء، مهندسون، قضاة)، فضلًا عن استبعاد بعض المكونات (الأقليات التي تمثل نحو 30 % من السكان).
"الثورة تبدأ بالشعب، لكن الدولة تبنى بالمؤسسات". إن الشرعية الثورية قد تُسقط الطاغية لكنها لا تبني لوحدها دولة. فالدول القوية تنشأ من الكفاءة لا الانتماء، والمصالحة لا الانتقام، والمؤسسات لا الأفراد، والانتخابات لا السلاح. إن الخيار بيد الحكومة الانتقالية، وبمقدورهم أن يكونوا "أبطال الثورة" و"بناة للدولة"، فالنجاح لا يأتي من الثورة بحد ذاتها، بل من القدرة على تحويل الثورة إلى مشروع دولة حديثة. وإلا فالتاريخ لا يرحم.
الكلمات المفتاحية

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي




