سوق موازية للحوالات الخارجية.. شريان حياة ووقودٌ لاقتصاد الظل
8 ديسمبر 2025
شهد الاقتصاد السوري تحولات جذرية بعد سقوط النظام السابق، مع تخفيف جزئي للعقوبات الدولية وجهود لإعادة التنظيم المالي. رغم ذلك، استمرت مكاتب الصرافة – الرسمية والموازية – في لعب دور حاسم كوسيلة رئيسية لتدفق الحوالات الخارجية من المغتربين، التي تقدر بنحو مليارات الدولارات سنويًا، وتشكل شريان حياة للعديد من الأسر.
أدى خوف الشركات العالمية مثل "ويسترن يونيون" من التعامل مع النظام المصرفي السوري إلى تعزيز دور السوق الموازية، التي توفر سيولة يومية هائلة، لكنها تخلق فجوات في أسعار الصرف ومخاطر اقتصاد الظل، مشابهًا لأزمة لبنان 2019. كما أصدر مصرف سوريا المركزي إجراءات لتنظيم القطاع، مثل توحيد نشرات الصرف وإلزام الشركات بتوفيق أوضاعها، بهدف تقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية.
يُقدر حجم الحوالات بنحو 6-8 ملايين دولار يوميًا في بعض الفترات، ما يدعم الاستهلاك والسيولة، لكنه يعزز المضاربة إذا لم يُدار جيدًا.
سوق بديلة للمصارف الدولية
أصبحت الحوالات الخارجية، التي تشكل نسبة كبيرة من الدخل الوطني، تعتمد بشكل أساسي على مكاتب الصرافة بسبب قيود نظام سويفت والعقوبات السابقة. في 2025، ساهمت زيادة الحوالات بنسبة 30% في بعض الفترات في تحسين السيولة، خاصة مع عودة اللاجئين وتخفيف العقوبات.
توفر السوق الموازية مرونة، لكن فروقات الأسعار (تصل إلى 40% خسائر للمستفيدين أحيانًا) تخلق خسائر وأرباحًا غير عادلة.
أصبحت مكاتب الصرافة في 2025 شريان حياة للاقتصاد السوري، توفر سيولة وتدعم المعيشة، لكنها تحمل مخاطر اقتصاد الظل والمضاربة
يوضح الباحث الاقتصادي، أسامة العبد الله، لموقع "الترا سوريا": "مكاتب الصرافة تحولت إلى سوق بديلة ضرورية بسبب غياب البدائل المصرفية الدولية، وهي توفر سيولة حيوية تدعم الاستهلاك اليومي وتمنع انهيارًا أكبر".
ويضيف "لكن هذا الدور يأتي بثمن باهظ: فجوات الأسعار تخلق خسائر هائلة للمستفيدين، وتعزز اقتصاد الظل الذي يصعب رقابته. في ظل التخفيف الجزئي للعقوبات عام 2025، يجب على الحكومة استغلال هذه الفرصة لتوجيه جزء من الحوالات نحو استثمارات منتجة، مثل سندات مغتربين بعوائد تنافسية، أو ربطها بمشاريع في الطاقة والزراعة".
ولفت في حديثه إلى أنه "من دون شفافية وتنظيم صارم، سيستمر التلاعب، وسيبقى الاقتصاد رهينة للمضاربة"، مضيفًا أن "تجارب دول مثل مصر في جذب المدخرات الخارجية يمكن أن تكون نموذجًا، شريطة تجنب الاحتكار وتعزيز الثقة".
توسّع الشبكات غير الرسمية
رغم إجراءات المصرف المركزي مثل فرض ودائع وإغلاق غير المرخص، يستمر توسّع الشبكات غير الرسمية، ما يعرض المواطنين للاحتيال والتزييف. ويشبه الوضع أزمة لبنان، حيث يؤدي الفرق في الأسعار إلى تآكل الثقة.
أما على المستوى الإيجابي، فقد ساهمت الحوالات في نمو محدود (توقعات البنك الدولي 1% لـ2025)، لكن بدون تنظيم مستدام، يبقى الاقتصاد هشًا. ويقترح لتعزيز الرقابة، إصدار حوافز للقنوات الرسمية، وربط الحوالات باستثمارات منتجة لتحويلها إلى نمو حقيقي.
يؤكد الخبير الاقتصادي، علي شعلة، لـ"الترا سوريا" أن "السوق الموازية أصبحت حتمية في سوريا بسبب العقوبات السابقة وقيود المصارف، وهي توفر سيولة يومية لملايين الدولارات كانت غائبة عن النظام الرسمي".
ويضيف "هذا التحول أنقذ الاقتصاد من الشلل التام، خاصة مع زيادة الحوالات في فترات مثل رمضان والأعياد"، لافتًا إلى أن "الفرق في الأسعار يضر بالمستفيدين بشكل كبير، ويفتح الباب للمضاربة والتزييف".
واعتبر شعلة أن "إجراءات المصرف المركزي مثل توحيد النشرات وفرض التراخيص خطوة إيجابية، لكنها غير كافية إذا لم ترافق بزيادة الإنتاج والصادرات"، مؤكدًا أن "ملاحقة غير المرخص ضرورية، لكن إغلاق السوق الموازية تمامًا سيؤدي إلى فوضى أكبر".
وأشار في حديثه إلى أنه "يجب فرض رسوم ترخيص معقولة وتوسيع الشبكات الرسمية لامتصاص السيولة، مع حوافز للصرافين للانتقال إلى القنوات الشرعية، لتجنب تكرار أخطاء الماضي وتحويل هذا السوق إلى أداة تنموية حقيقية".
في 2025، أصبحت مكاتب الصرافة شريان حياة للاقتصاد السوري، توفر سيولة وتدعم المعيشة، لكنها تحمل مخاطر اقتصاد الظل والمضاربة. مع إجراءات التنظيم الجديدة وتخفيف العقوبات، تلوح فرصة لتحويل هذا السوق البديل إلى نموذج مستدام يعتمد على الشفافية والاستثمار. النجاح يتطلب توازنًا دقيقًا بين الرقابة والمرونة، لتحويل تحدي الحوالات إلى قوة دافعة للتعافي، وتجنب تكرار أزمات الجيران.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


