شتاء جديد يهدّد مخيمات الشمال.. آلاف العائلات بين العراء وغياب المساعدات الإنسانية
25 أكتوبر 2025
خيام ممزقة تقاوم الرياح، وأطفال حفاة يركضون في شوارعها الترابية، وعيون تبحث عن أمل في سماء الخريف الغائمة. هذا هو المشهد اليومي في مخيمات النزوح السورية، حيث تحوّلت الحياة إلى معادلة مستحيلة. فبعد سنوات من النزوح، تجد آلاف العائلات نفسها عالقة في دائرة مفرغة، لا يمكنهم العودة إلى مدنهم وقراهم التي دمرتها الحرب وتخلو من أبسط مقومات الحياة، كما لا يستطيعون الصمود في المخيمات التي تتوقف عنها المساعدات رويدًا رويدًا.
هذه الأزمة الإنسانية الخانقة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكمي لتداخل عوامل عدّة، منها التوقف شبه الكامل للمساعدات الإنسانية، وانعدام تأمين المياه الصالحة للشرب، وانهيار خدمات ترحيل النفايات. ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات منظمات الإغاثة من كارثة جديدة مع اقتراب الشتاء، في مشهد يعيد إلى الأذهان مآسي السنوات الماضية، ولكن بظروف أشد قسوة.
كارثة صحية تلوح في الأفق
بين يدي شيماء الأحمد طفلتها الرضيعة التي لا تجد لها بديلًا عن الحليب الاصطناعي نتيجة تضاعف أسعارها، بينما تتكوم النفايات على بعد أمتار من خيمتها. تقول لموقع "الترا سوريا" وهي تمسح دمعتها: "هنا تتجلى المأساة في تفاصيل صغيرة لكنها قاسية، سلل غذائية لم تصل منذ أشهر، خزانات مياه شبه فارغة، رائحة النفايات المتعفنة تملأ الهواء، أشعر أن كارثة صحية تلوح في الأفق".
هذه ليست قصة شيماء وحدها، بل هي قصة مئات الآلاف من النازحين السوريين الذين علقوا في فخ النسيان مع اقتراب فصل الشتاء، محاصرين بين دمار لا يطاق في مدنهم وواقع لا يحتمل في مخيماتهم بعد تراجع الدعم الدولي.
الشتاء القادم سيكون مأساويًا
لم تستطع النازحة هيام النعيم، من ريف حماة، أن تخفي الخوف الذي بات يتملكها، وهو خوف تغذيه ذكريات شتاء مضى تحوّلت فيه المخيمات إلى مستنقعات من الوحل، وغمرت مياه الأمطار الخيام البالية، في صورة لا تزال ماثلة في أذهان الجميع.
وتصف النعيم الوضع القائم بأنه "أشبه بالحلم السيء"، حيث يُنتظر الجميع أن يُعلن "غدًا" عن وصول المساعدة أو إصلاح البيوت، لكن "هذا الغد تحول إلى أشهر وسنين ونحن مكاننا، كيف نعود إلى قريتنا وبيتنا كوم حجارة، ولا يوجد حتى مستوصف طبي، وكيف نبقى هنا والقمامة تتكوم والأطفال يمرضون".

وتعبر عن تشاؤمها العميق إزاء فصل الشتاء المقبل، قائلة لـ"الترا سوريا": "الشتاء القادم إن كان مثل الفائت سيكون الوضع مأساوي". وتشرح أسباب هذا التشاؤم بأن الخيمة "فيها شقوق، وعند هطول المطر ودخول الماء يتحول المخيم إلى بحيرة".
وما يعمق من هذه المأساة، كما تُظهر المشاهد في أرجاء المخيم، هو انتشار أكوام النفايات التي لم تُرّحل منذ أسابيع، مما خلق بيئة خصبة لتكاثر الحشرات وانتشار الأمراض، فيما تقف الخيام المتآكلة عاجزة عن حماية السكان لا من حر الشمس ولا من هطول الأمطار، في مشهد تكتمل مأساته بقطع المياه لأيام، ما يجعل العائلات مضطرة لشراء المياه من الصهاريج الخاصة بأسعار باهظة لا تقدر عليها، مما يزيد من حدّة المشقّة والمعاناة اليومية.
المعاناة تتجدد كل يوم
ما يزيد الطين بلة، كما يؤكد مسؤولون في المنظمات المحلية، هو انخفاض التمويل الدولي لبرامج الإغاثة في سوريا بشكل حاد، والذي كان يشكل شريان حياة للعديد من المخيمات والمنظمات العاملة على الأرض.
تقول فاتن الرحبي، وهي متطوعة في منظمة إغاثية، لـ"الترا سوريا": "نحاول توزيع ما تيسّر، لكن الاحتياجات أكبر من كل إمكانياتنا. وأضافت: "نحن نعتمد على تبرعات الشتات السوري والمبادرات المحلية، وهي لا تكفي، العالم يظن أن الأزمة السورية انتهت وأصبحت ماضيًا، لكن الحقيقة أن المعاناة تتجدد كل يوم، نحتاج إلى تدخل عاجل قبل أن يحل الشتاء، ويصعب احتواء الكارثة".
وأشارت إلى أن انخفاض التمويل الدولي ضرب البنية التحتية الهشة للعمل الإنساني في شمال سوريا، وترى أنهم أمام عاصفة كاملة، تدهور اقتصادي، شح في التمويل، تزايد في الاحتياجات، و شتاء قاس. بينما لم تعد المخيمات أماكن إقامة مؤقتة، بل تحولت إلى مستوطنات دائمة للفقر واليأس، وهذا أخطر ما في الموضوع.
وتابعت أن سقوط النظام السابق لم يحل المشكلة الجوهرية في إنهاء واقع النزوح والمخيمات، لعدم وجود إطار حقيقي لإعادة الإعمار أو عودة آمنة وكريمة للنازحين.
الجدير بالذكر أن عشرات المنظمات الإنسانية المحلية والدولية العاملة في مناطق شمال غرب سوريا أوقفت منذ بداية العام الحالي عشرات المشاريع التابعة للأمم المتحدة، خاصة التابعة لبرنامج الغذاء العالمي، مما تسبب بفقدان مئات العائلات للمدخول الوحيد للمعيشة وارتفاع مستوى البطالة لديهم.
وبين أنقاض المدن السورية؛ التي لا يستطيعون العودة إليها، وخيام المخيمات التي لم يعودوا يقوون على البقاء فيها، يقف آلاف النازحين السوريين على حافة هاوية إنسانية، أزمة المساعدات المقترنة بشبح الشتاء وتراجع الدعم الدولي، تخلق فصلًا جديدًا من معاناة شعب طالما حلم بالحرية والكرامة.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


