شمال شرقي سوريا: كلفة ثقيلة للموسم الزراعي رغم تحسّن الهطولات المطرية
27 يناير 2026
بعد سنوات متتالية من الجفاف والتراجع الحاد في الإنتاج الزراعي، أعادت الأمطار والثلوج الأخيرة بعضًا من الأمل إلى المزارعين في مناطق شمال شرقي سوريا، الذين أنهكتهم الخسائر المتراكمة ودفعتهم الظروف المناخية والاقتصادية إلى تقليص نشاطهم الزراعي في مواسم سابقة. ومع تحسّن الهطولات هذا العام، عادت الحياة تدريجيًا إلى الحقول، في مشهد غاب طويلًا بفعل شح الأمطار وارتفاع التكاليف وصعوبة الاستمرار في الزراعة.
وشهدت مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا خلال الأسابيع الماضية كميات ملحوظة من الأمطار والثلوج، ما انعكس مباشرة على قرارات المزارعين بالعودة إلى زراعة أراضٍ كانت مهجورة، أو توسيع المساحات المزروعة مقارنة بالمواسم السابقة، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الزراعة البعلية.
عودة تدريجية إلى الحقول
مع تحسّن الوضع المطري، بدأت مشاهد الحراثة والبذار تعود إلى القرى والأراضي الزراعية، في وقت يؤكد فيه المزارعون أن قرار العودة لم يكن سهلًا، بل جاء بعد حسابات دقيقة وتجارب قاسية خلال سنوات الجفاف الماضية.
أحمد دوكو، مزارع من ريف القامشلي، يقول لموقع "الترا سوريا": "زرعت هذا العام نحو 70 دونمًا من القمح بعد أن كنت أزرع أقل من 40 دونمًا في الموسم الماضي. لم يكن القرار سهلًا، فكل خطوة محسوبة بين التكاليف والأمل بالموسم".
ويشير أحمد إلى أن الخسائر التي تكبدها المزارعون في السنوات الماضية ما زالت تلقي بظلالها على قراراتهم الحالية، إذ يحاول كثيرون تقليل المخاطر قدر الإمكان، حتى في ظل تحسّن الظروف المناخية.
رهان محفوف بالمخاطر
ورغم أن تحسّن الهطولات شكّل دافعًا رئيسيًا للعودة إلى الزراعة، إلا أن هذا القرار ما زال محفوفًا بالمخاطر. فنجاح الموسم لا يرتبط فقط بكمية الأمطار، بل بسلسلة من العوامل المتداخلة تبدأ من كلفة الإنتاج ولا تنتهي عند تسويق المحصول.
يوضح محمد خليل، مزارع من ريف ديرك، أقصى شمال شرقي سوريا، لـ"الترا سوريا" أن كلفة زراعة الدونم الواحد ارتفعت بشكل ملحوظ هذا الموسم، ويقول: "كلفة الدونم الواحد من القمح تضاعفت مقارنة بالسنوات السابقة، بين أسعار البذار والأسمدة والمحروقات. كثيرون اضطروا للاستدانة أو لتقاسم الأرض مع شركاء لتقليل المخاطر".
غلاء المستلزمات الزراعية
ورغم أن الهطولات الأخيرة كسرت حلقة الجفاف، إلا أن غلاء المستلزمات الزراعية ما زال يشكّل عبئًا ثقيلًا على المزارعين، ويضع الموسم الجديد أمام اختبار اقتصادي لا يقل قسوة عن الاختبار المناخي. المزارعون يؤكدون أن ارتفاع أسعار البذار والأسمدة والمحروقات جعل كلفة الزراعة عبئًا يصعب تحمله دون ضمانات حقيقية عند تسويق المحاصيل.
من جهته؛ يقول خلف عبدالله؛ مزارع أيضًا من ريف القامشلي: لـ"الترا سوريا": "نحن اليوم نزرع أملنا أكثر مما نزرع الأرض نفسها. كل شيء محسوب بدقة، وأي خطأ في الحسابات قد يعني خسارة موسم كامل". ويؤكد: "حتى لو كانت الأمطار جيدة، فإن السوق قد لا يكون منصفًا. الخوف ليس من الجفاف فقط، بل من ألا يغطي سعر المحصول كلفة تعبه".
معادلة الربح والخسارة
وبحسب تقديرات مزارعين، فإن كلفة زراعة الدونم الواحد من القمح هذا الموسم تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات الجفاف، في ظل ارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية. ويشير هؤلاء إلى أن جزءًا كبيرًا من المحصول المتوقع قد يذهب لتغطية التكاليف فقط، ما يجعل هامش الربح محدودًا أو شبه معدوم في حال لم تتحسن أسعار المحاصيل عند التسويق.
وتجعل هذه المعادلة كثيرًا من المزارعين أمام خيارات صعبة، بين الاستمرار في الزراعة رغم المخاطر، أو تقليص المساحات المزروعة تحسبًا لخسائر محتملة.
آمال بانتعاش الأسواق
ورغم التحديات، يعوّل المزارعون على أن يسهم تحسّن الموسم الحالي في إعادة تنشيط الأسواق الزراعية، بعد ركود واضح شهدته خلال السنوات الماضية. ويأملون أن تؤدي زيادة الإنتاج إلى تحسين دخل العائلات الزراعية، وتعويض جزء من الخسائر السابقة، في حال ترافق ذلك مع أسعار عادلة وسياسات تسويق أكثر استقرارًا.
لماذا لا تكفي الأمطار وحدها؟
تكشف تجربة السنوات الماضية أن تحسّن الهطولات المطرية، رغم أهميته، لا يشكّل وحده ضمانة لنجاح الموسم الزراعي في شمال شرقي سوريا. فغياب الدعم الزراعي، وارتفاع كلفة المستلزمات، وتقلب أسعار المحاصيل، وضعف إمكانيات التخزين والتسويق، تجعل المزارعين عرضة للخسارة حتى في المواسم الجيدة مناخيًا.
وبينما منحت الأمطار الأخيرة دفعة نفسية وأملًا بالعودة إلى الحقول، يبقى تحويل هذا الأمل إلى استقرار فعلي مرهونًا بمعالجة التحديات الاقتصادية، لا الاكتفاء بالاعتماد على السماء وحدها.
الكلمات المفتاحية
سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي
يكشف واقع الاقتصاد السوري بعد الحرب اتساع الفقر واعتماد ملايين السكان على المساعدات، وسط تعافٍ بطيء وعقبات تعرقل الاستثمار وإعادة الإعمار
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026