"شيفرون" ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي
2 يناير 2026
في خطوة تتقاطع فيها الجغرافيا مع خطوط الطاقة الدولية، يبرز حضور شركة "شيفرون" الأميركية بوصفه إشارة تتجاوز الاستثمار الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وجيوسياسية أوسع، فالاهتمام المتزايد بالساحل السوري بما يمتلكه من موقع استراتيجي وإمكانات طاقوية غير مستثمرة، تعيده إلى واجهة حسابات الشركات الكبرى وصنّاع القرار في شرق المتوسط، في سياق تحوّلات إقليمية تعيد ترتيب أولويات الطاقة والنفوذ.
عقدة الطاقة
تُظهر تجارب ما بعد النزاعات أن الاستثمارات الكبرى، ولا سيما في قطاع الطاقة، لا تتحرك بمعزل عن غطاء سياسي وحسابات استراتيجية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الاجتماع الذي عُقد في 2 كانون الأول/ديسمبر في دمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك ومسؤولين في شركة "شيفرون" بوصفه اجتماعًا تقنيًا فقط، بل كإشارة أولية إلى مسار تفكيك تدريجي للعزلة، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية كبوابة لإعادة التموضع الدولي.
يرى الخبير والمستشار المصرفي، عامر شهدا، أن دخول شركة "شيفرون" إلى السوق السوري يجسد أهمية كبيرة في تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية استراتيجية، وينسحب ذلك على حل حزمة من المشكلات المالية والنقدية والاجتماعية، إضافة إلى ما يمنحه من وزن سياسي غير مباشر. وأشار إلى أن "شيفرون" هي شركة عالمية متعددة الجنسيات يعمل فيها 45 ألف موظف، غالبيتهم في الولايات المتحدة، تتمتع بحصة سوقية كبيرة على مستوى العالم من حيث إدارة عقود توزيع النفط والغاز وحفر الآبار وعمليات التكرير، تبلغ قيمتها السوقية 350 مليار دولار، ويقدّر العائد السنوي لاستثماراتها نحو 20%. وبالتالي، فإن الشركة بإمكانها تقديم الكثير لسوريا على صعيد تعزيز أمن الطاقة والنمو الاقتصادي والابتكار، بالإضافة إلى توفير طاقة موثوقة منخفضة الكربون وبأسعار معتدلة.
فيما يعتقد الباحث في قضايا الاقتصاد الكلي والمجتمعي، عبد العظيم المغربل، أن دخول "شيفرون" حتى لو بدأ كمباحثات هو إشارة "اعتماد" للسوق بأن قطاع الطاقة السوري أصبح قابلًا للتعامل مع شركة غربية كبرى، ما يرفع التوقعات حول عودة التمويل والخدمات التقنية. وأضاف أن التركيز على الساحل السوري يأتي من بوابة الاستكشاف البحري واحتمالات الغاز التي تعدّ أقل تعقيدًا من ملفات الحقول البرية شرقًا، التي تتداخل فيها السيطرة والأمن وسلاسل الإمداد، كما أنه يوفر ارتكازًا لوجستيًا (مرافئ وخدمات بحرية)، ويسمح ببناء بنية تحتية للطاقة يمكن أن تترجم سريعًا إلى تحسين كهرباء وصناعة إذا توفرت الشروط.
الساحل السوري: الموقع والفرصة
يؤكد الخبير شهدا أن الوجهة الأساسية للشركة هي الساحل السوري لوجود أربع بلوكات من النفط والغاز، إذ إن الشركة ستقوم بداية بعمليات استكشاف، في ظل المعلومات عن وجود بلوك مشترك بين سوريا ولبنان وإسرائيل وآخر بين سوريا وقبرص. وتتمثّل النقطة الأهم في اختيار الساحل، باعتباره عقدة المرور لخطوط الغاز والنفط بما يرتبط بالبعد الجيوسياسي، إضافة إلى وجود مجموعة من خطوط نقل الطاقة الأخرى (خط كركوك بين العراق وسوريا، الخط الموجود على بئر حيان في سوريا، إضافة إلى خط الغاز القطري) التي يرتبط تصديرها بالموانئ السورية. بالتالي، فإن هذه الخطوط تحتاج إلى إدارة احترافية، ويمكن للشركة أن تقوم بإدارتها من خلال إدارة عقدة الأنابيب والإشراف على تصدير الغاز الوارد منه، إذ إن سوريا تعد معبرًا أساسيًا لخطوط نقل الغاز والنفط ومنطقة جغرافية ذات بعد استراتيجي؛ وعليه، لا بد من وجود تفاهمات لتنظيم المشاريع المستقبلية التي تمتد في المنظور القريب وليس البعيد.
ويضيف شهدا أن أهم استراتيجيات الشركة تكمن في تعزيز أمن الطاقة، والذي سينعكس إيجابًا على الوضع الاقتصادي السوري، وبالتالي هذا يمكن من تسريع عجلة التعافي الاقتصادي عن طريق استثماراتها التي لا ترتبط بقطاع الطاقة فقط بل تمتد إلى قطاعات أخرى، إضافة إلى تحقيق النمو الاقتصادي، خاصة في قطاعات الزراعة والسياحة التي يعتمد عليها الساحل بشكل أساسي وشهدت تراجعًا خلال 14 عامًا الماضية.
ولفت شهدا إلى أن دخول "شيفرون" يأتي لتعويض هذه الخسارات ولتأمين فرص العمل لأبناء الساحل والقيام بمشاريع بنى تحتية، إذ إن 40% من العمالة ستكون من قبل الشركة، ما يوفر بالتالي آلاف فرص العمل ويخفض مستويات البطالة ويرفع الطلب الكلي على الاستهلاك، وهذا يدفع لضرورة تأمين البنى التحتية والخدمات لهم، إضافة إلى إقامة مشاريع لإنشاء مجمعات سكنية للعمال، وهذا يتطلب عمالة كبيرة على المستوى المهني والتقني والطاقوي.
كما تركز شيفرون على دعم الابتكار، إذ تمتلك مدارس وثانويات مهنية خاصة، تشمل كل ما يتعلق بقطاعات النفط والطاقة من إدارة وربط الأنابيب وتصدير النفط والآبار والمصافي والتكرير، وهذا يعني وجود حاضنة ثقافية مهنية يمكن تقديمها، إضافة إلى تبني الابتكارات التي تفتح آفاقًا علمية أمام الساحل السوري، وقدرة الشركة على توفير طاقة منخفضة الكربون، فسوريا لغاية اليوم ليس لديها رصيد كربوني.
ورأى شهدا أن التوسع بإنشاء مصافي للتكرير وتسييل الغاز يزيد من ضغط الانبعاثات الكربونية ويرفع رصيد سوريا الكربوني، بما يحقق موارد بمئات ملايين الدولارات، من خلال بيع الرصيد الكربوني لسوريا عن طريق منصة الكربون العالمية خاصة بعد حضور سوريا مؤتمر (COP30).
في المقابل، لفت الباحث المغربل إلى أن أي تقدم فعلي نحو الاستكشاف والتطوير قد ينعكس عبر زيادة توفير الغاز للكهرباء، وتخفيض كلفة الطاقة على المصانع والخدمات، وهذا أحد أسرع مسارات التعافي الواقعي في سوريا. وأضاف أن وجود شركة بحجم "شيفرون" يخلق "تأثير قاطرة"، بمعنى يجذب شركات خدمات ومقاولين وتمويلات مرافقة، ويقلل علاوة المخاطر لأن المستثمرين يميلون للاسترشاد بخطوة لاعب كبير. أما سياسيًا، فإن ملف الطاقة في شرق المتوسط مرتبط بالنفوذ الإقليمي، لذلك نجاح المشروع يتطلب غطاءً سياسيًا واستقرارًا لقواعد اللعبة، وإلا بقيت الاستثمارات رهينة الإشارات السياسية، لا الجدوى الاقتصادية فقط.
حسابات العبور وتحدياتها
يؤكد الخبير عامر شهدا أن استثمار سوريا لموقعها الجغرافي بإمكانية عبور خطوط نقل الطاقة العالمية يدفع بالضرورة نحو إيجاد استقرار سياسي وأمني، بالتالي حرص الدول الشريكة على عمليات الضخ ومد الأنابيب والحرص على استقرار الأمن، ما يجعل البلاد تمتلك ورقة ضغط سياسية من خلال النفط والغاز، نظرًا لارتباط الاقتصاد بالسياسة، وبالنظر لأهمية شركة "شيفرون" في الأسواق المالية الدولية، سينعكس ذلك إيجابًا من خلال ذكر اسم سوريا في الأسواق المالية العالمية.
واعتبر شهدا أن ذلك سيدفع باتجاه إمكانية اندماج البلاد بشكل أكبر مع النظام المالي العالمي، ورفع تصنيفها الائتماني السيادي، وفتح آفاق المراسلات المصرفية وتشجيع المصارف على تمويل التجارة الخارجية السورية، فضلًا عن الحصول على تمويلات ائتمانية طويلة الأجل، فالانعكاس على المستوى النقدي سيكون إيجابيًا، في حال تم إيجاد الإدارة السورية الصحيحة، وفي نسج شبكة علاقات سليمة مع المؤسسات والأسواق المالية العالمية.
ويضيف شهدا أن أهم التحديات التي ستواجه الشركة غياب الكوادر المؤهلة والقادرة على العمل ضمن هذا الحجم من الشركات، لا سيما فيما يخص عمليات ضخ الغاز والنفط لناقلات النفط، وهو ما يتطلب مهارات مهنية خاصة بريًا وبحريًا، لذلك يتم الاستفادة من مدارس الشركة ومعاهدها المهنية وتوقيع اتفاقيات شراكة مع الجامعات والمعاهد في الساحل لإنشاء كادر مهني للعمل، وبالتالي انعدام المخاطر في هذا الجانب، نظرًا لأن الشركة ملتزمة بتحقيق أمنها الذاتي بما يخلق استقرارًا اجتماعيًا وأمنيًا في الساحل.
أما على مستوى البيئة التشريعية والاقتصادية، فإن العقود الدولية تخضع للقانون الدولي وليس للقانون المحلي، وهذا يتبع لشروط العقد ومرجعية الفصل ومرجعية العقد والقضاء، ويمكن الرجوع لغرفة التجارة الدولية والاحتكام لأعراف التجارة العالمية وقانون العقود العالمي، في ظل أهمية ارتباطات الشركة وعلاقاتها. كما أن إلغاء "قانون قيصر" يُسهّل عمليات التحويل وبناء العلاقات مع المصارف السورية، وباعتبار أن أسواقها خارجية، فإن المخاطر معدومة على اعتبار أن أسواق التصريف خارجية، إلا في حال وجود تسويق داخلي، وهذا يستلزم بناء تشريعات جديدة من خلال مجلس تشريعي.
من جانبه، يختم الباحث عبد العظيم المغربل، حديثه مشيرًا إلى أن أكبر التحديات تتعلق بمخاطر السمعة والتأمين والتمويل البحري، وهذه عوامل قد تؤخر المشروع أو ترفع كلفته حتى قبل بدء الحفر. أما تشغيليًا، فتبرز تحديات البيانات الجيولوجية والخدمات البحرية والبنية التحتية، وحاجة لهيكل تعاقدي واضح لتقاسم الإنتاج والضرائب وحماية المستثمر وتسوية النزاعات، والحل يكون عبر إطار تشريعي شفاف وحديث، وعقود معيارية قابلة للتحكيم، نافذة واحدة للتراخيص، وضمانات مدفوعات وتحويلات ضمن قنوات ممتثلة، مع إدارة بيئية ومجتمعية تقلل الاحتكاكات.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


