"صانعة الطبوقة".. بوابة رسام الكاريكاتير نضال خليل إلى التراث السوري
3 يونيو 2026
في وقت ينشغل فيه السوريون بصراعات لا تنتهي، ينأى رسام الكاريكاتير نضال خليل بنفسه عن كل ذلك، منشغلًا بمشروع فني جامع يسعى من خلاله إلى توثيق ما يمكن توثيقه من الذاكرة الشعبية السورية، معتمدًا على بحث وتقصي يدعمان سلسلة بصرية متشعبة تدمج بين الإرث وامتداده، بهدف تعريف السوري الآخر به.
وكانت البداية مع "صانعة الطبوقة"، وهو الاسم المتداول لصانعة أطباق القش في مدينته سلمية. وفقًا لتعبيره، لم يكن اختيارها فاتحة لرسوماته مجرد قرار فني، بل عودة واعية إلى الجذر الأول؛ فالشكل الدائري البسيط المصنوع من القش الملوّن وغيره يبدو بسيطًا للعين، لكنه يمثل عنده معادلًا لوثيقة غير مكتوبة تربط الإنسان بالأرض.
في حديثه لـ"الترا سوريا"، يسترجع خليل ذكرياته عندما كان يراقب والدته وجاراتها في المساء وهن ينسجْنَ القش بخفة وصبر، أو كما يُقال "ديارة الطبوقة".
يقول: "تلك اللحظات المبكرة شكّلت حسي الجمالي؛ فكرة أن الجمال لا يُولد من التعقيد، بل من الصدق، من المواد التي تأتي مباشرة من الأرض، ومن اليد التي تعرف ماذا تفعل دون تنظير. بمعنى أن الطبوقة بأحجامها المختلفة ووظائفها المتنوعة ليست مجرد موضوع للرسم، بل هي استعارة وبنية عميقة للهوية البصرية؛ دائرة تبدأ من الريف السوري لتعيدنا دائمًا إلى سؤال الجذور، والربط بين الفن والذاكرة، وبين المادة والروح".
تحويل ذاكرة المشهد اليومي التراثي والحرفة اليدوية إلى لوحة ليس بالأمر السهل؛ إذ يكمن التحدي الحقيقي في نقلها من وظيفتها الفعلية واليومية البسيطة المرتبطة باليد والوقت، إلى معناها الجمالي والتأملي دون فقدان صدقها.
ومن هنا، فإن هذا التحدي المزدوج (البصري والفكري) يتطلب من خليل، بصفته فنانًا وباحثًا في التراث، "البدء دائمًا من التكوين، وإعادة ترتيب العناصر ومراجعة مفردات البيئة السورية بدقة؛ لأن لكل تفصيل، من الضوء وطريقة الجلوس إلى حركة اليد، دلالة ثقافية لا يمكن تجاهلها. ولأن التراث ذاكرة حية لا تُجمّدها الصور، فإن الرسم يعيد بناء اللحظة عبر تفكيك الحرفة وإعادة تركيبها بصريًا وفلسفيًا (أين توضع اليد؟ كيف يتوزع الضوء؟ ما علاقة الدائرة بالجسد؟)".
ولتحقيق هذه الرؤية، تتوارد بين يديه مجموعة من الاسكتشات الأولية بوصفها مختبرًا حقيقيًا للتفكير، حيث يصفها خليل بأنها المساحة التي "يُختبر فيها التوازن، والواقعية، والهوية البصرية للمشهد، لضمان أن العمل النهائي لا يقف عند حدود النقل، بل يقدم قراءة فنية واعية لجماليات الحرفة وعمقها الثقافي".
بيد أن هناك تحديًا آخر يواجهه الفنان، يتمثل في "مراجعة مفردات التراث السوري التي تمنح المشهد خصوصيته". يوضح: "لا يكفيني أن أرسم امرأة تنسج القش؛ يجب أن تكون امرأة من الريف السوري فعلًا، من بيئة لها رائحة التراب ولون القمح وإيقاع الحياة البطيء. لذلك أعود إلى الذاكرة، وإلى أرشيف بصري طويل، وإلى تفاصيل صغيرة لا يلاحظها إلا من عاش المكان، كطريقة الجلوس، وشكل الثوب، ودرجات الألوان الترابية، وحتى نوعية الضوء في صباحات سلمية وفصولها المختلفة".
تأتي لوحات هذه السلسلة التراثية بقياس 30×40 سم، وهو قياس كبير في عالم الألوان المائية؛ لأن هذه التقنية، كما يشير خليل، "لا تمنح هوامش مناورة كالأكريليك أو الزيتي، بل تتطلب سيطرة عالية جدًا على سلوك الماء واللون، فالورق يتنفس وكل خطأ يترك أثره". وتزداد هذه الصعوبة بالاعتماد على كرتون وألوان متوسطة وعادية لعدم توفر الأنواع الاحترافية المصنوعة من القطن في سوريا، أو لارتفاع ثمنها، مما يفرض عليه العمل بمبدأ "الجود بالموجود".
بناءً على ذلك، يرى أن "فكرة التوسع في القياسات واردة مستقبلاً لكن بحذر؛ فالمسألة ليست استعراض عضلات، بل مدى حاجة المشهد لمساحة أوسع توثق التفاصيل دون خسارة دقة التقنية وصدقها"، مؤكدًا أن هدفه الأساسي "تقديم أسلوب مبتكر وغير تقليدي في المائي، يجمع بين الشفافية، وتماهي الألوان والضوء، وقوة الخط، وجمالية التكوين والتشريح".
أما عن العناصر القادمة من الذاكرة الشعبية السورية بعد لوحتي "صانعة الطبوقة" و"دق الحنطة في الجرن"، فيقول: "الذاكرة الشعبية السورية تفتح أمامي أبوابًا كثيرة. هناك عدد كبير من العناصر التي تختزنها ذاكرتي وقراءاتي، من الحرف الريفية البسيطة إلى العادات اليومية، ومن أدوات الحياة القديمة إلى المهن التي كانت تشكّل إيقاع المجتمع السوري عبر مراحله المختلفة. وهذا التنوع وضعني في ورطة جميلة، فالموضوع لم يعد مجرد مشروع فني، بل بات يحتاج إلى عمل موازٍ من البحث والتقصّي".
ويبدو جليًا أن خليل استفاد من كونه صحفيًا أيضًا، إذ انطلق يبحث ويسأل في تفاصيل السلوكيات والحرف والعادات على امتداد الخارطة السورية، لافتًا إلى أن دوره اليوم هو أن يختار من هذا الإرث ما يمكن تحويله إلى مشهد بصري صادق، يربط الأجيال الجديدة بما اندثر أو كاد يندثر.
وفي السياق ذاته، يبرز تساؤل عن مصير هذا النتاج الفني: هل يطمح لتقديمه في معرض شخصي؟
يجيب خليل: "نعم، أطمح أن تتحوّل هذه السلسلة إلى معرض شخصي. في الحقيقة، هذا حلم يرافقني منذ عقود. رسمت عشرات اللوحات وشاركت في الكثير من المعارض الجماعية، لكن لم أقدّم يومًا معرضًا فردياً مكرّسًا بالكامل للألوان المائية ولتوثيق الذاكرة الشعبية السورية بهذا العمق".
وأضاف: "اليوم أشعر أن المشروع نضج، وأن السلسلة تمتلك روحًا واحدة يمكن أن تُعرض كجسد متكامل. مصير هذه الأعمال بالنسبة لي واضح، أن تتحوّل إلى معرض يقدّم الحرفة والذاكرة والإنسان السوري في مشاهد بصرية صادقة، وأن تكون خطوة أولى نحو مشروع أكبر لتوثيق ما بقي من مهن وعادات تستحق أن تبقى في الوعي العام".
الكلمات المفتاحية
بين الدوبلاج والتمثيل.. أيمن عبد السلام يقرأ تجربة دراما الفورمات من منظور أكاديمي
يكشف الفنان أيمن عبد السلام، في حواره مع "الترا سوريا"، كواليس دراما الفورمات، وتكييف النصوص، وتجربة الأداء، ورؤيته لمستقبل الممثل العربي في الإنتاجات المشتركة
"من يرمي الحجر الأول؟".. تجسيد مسرحي لاعتياد العنف والعدالة المأزومة
يخرج المشاهد من مسرحية "من يرمي الحجر الأول؟" مثقلًا بأسئلة شائكة تتجاوز حدود الخشبة؛ فالعمل لا يمنح الجمهور إجابات مريحة، بل يتركه وحيدًا في مواجهة مرآته الخاصة ومسؤولياته الأخلاقية تجاه العنف الذي يحيط به
تظاهرة "مسرح الغرفة" الثانية وإعادة تشكيل الفرجة البديلة بدمشق
تأتي التظاهرة كخطوة جديدة لإحياء فكرة المسرح المستقل في الأمكنة البديلة، ومحاولة جادة لاستقطاب طاقات مسرحية شابة ترفض الانصياع لقوانين الخشبة الكلاسيكية
الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تدين استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود وتطالب بتحقيق دولي
أدانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في بيان لها اليوم الإثنين، بأشد العبارات تكرار الهجمات التي استهدفت سفنًا بحرية تجارية تضم على متنها بحارة وطواقم سورية
تقرير: شركة "شيفرون" تدرس إعادة تشغيل خط نفط يربط العراق بالساحل السوري
تدرس شركة النفط الأميركية العملاقة "شيفرون" إمكانية إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي قديم يمتد من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس على الساحل السوري
بعد أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب.. كيف برر اتحاد السلة عقوباته؟
لم تكن أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب ضمن سلسلة مباريات "فانيال 4" في دوري سلة المحترفين مجرد لحظة عابرة في ذاكرة المنافسات الرياضية
ارتفاع جديد في درجات الحرارة.. ماذا ينتظر السوريين هذا الأسبوع؟
تشهد سوريا خلال الأيام المقبلة موجة طقس صيفية حارة تبلغ ذروتها يومي الثلاثاء والأربعاء، قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض اعتبارًا من الخميس