صرخة من وسط الصقيع: خيام قديمة ودعم محدود يفاقمان قسوة شتاء نازحي الحسكة
22 يناير 2026
تحت سماء رمادية لا تعد بالكثير من الدفء، وفي قلب السهول الفسيحة التي تميّز الجزيرة السورية، يخوض آلاف النازحين في مخيمي "الطلائع" و"توينة"، قرب مدينة الحسكة شرقي سوريا، معركة بقاء يومية في مواجهة واحدة من أقسى موجات البرد التي تضرب المنطقة هذا العام.
هنا، حيث تلامس درجات الحرارة حدود الصفر ليلًا، لا تفصل النازح عن الصقيع سوى طبقة رقيقة من القماش المهترئ، في ظل أزمة وقود خانقة وتراجع حاد في الدعم الإنساني الدولي.
مخيم توينة.. خيام تغرق في الطين وأجساد ينهشها البرد
على بعد نحو 12 كيلومترًا شمال غربي الحسكة، يمتد مخيم "توينة"، الذي يضم آلاف العائلات النازحة منذ سنوات. المشهد هناك يختصر مأساة السوريين؛ صفوف متراصة من الخيام المغطاة بقطع النايلون المهترئة، وطرقات تحولت إلى برك من الطين اللزج الذي يعيق حركة الأطفال وكبار السن.
تقول خديجة العلاوي (40 عامًا)، نازحة في المخيم منذ سبع سنوات، لـ"الترا سوريا"، وهي تشير بمرارة إلى زوايا خيمتها: "أقضي الليل ساهرة وأنا أراقب قطرات الماء التي تتسرب من سقف الخيمة المتشقق. البرد هذا العام لا يرحم، إنه برد قارس". وأضافت: "أطفالي ينامون وهم يرتدون كل ما نملك من ملابس، ومع ذلك تستمر أطرافهم في الارتجاف. لم يتم تبديل خيمتنا منذ وصولنا، وكل ما نفعله هو وضع رقع من النايلون فوق الثقوب، لكنها لا تصمد أمام الرياح القوية".
الأزمة الأكبر في مخيم توينة تكمن في نقص وقود التدفئة. ففي ظل الارتفاع المحلي في أسعار المحروقات، لم تعد المخصصات التي توزعها "الإدارة الذاتية" كافية. تضيف صالحة، وهي أم لأربع بنات يسكنّ في خيمة مجاورة، لـ"الترا سوريا": "في العام الماضي كانوا يوزعون لنا كمية قليلة من المازوت، كانت تكفينا لأربع ساعات يوميًا فقط. هذا العام، البرد بدأ مبكرًا والمساعدات أبطأ من أي وقت مضى. نضطر أحيانًا لحرق البلاستيك أو الثياب القديمة لندفئ الخيمة لعدة دقائق قبل النوم، رغم أن الدخان يقتل صدور الأطفال".
مخيم الطلائع.. نسيان خلف جدران القماش
ليس بعيدًا عن "توينة"، يواجه نازحو مخيم "الطلائع" ظروفًا لا تقل قسوة. المخيم الذي أُنشئ لاستيعاب النازحين من مناطق رأس العين وريفها، تحوّل اليوم إلى ما يشبه منطقة منسية. هنا، تبرز مشكلة العزل الحراري كأكبر تحدٍ يواجه السكان.
يتحدث "أبو محمد"، وهو أحد قاطني المخيم، عن معاناة كبار السن: "والدي المسن يعاني من الربو، ومع كل موجة برد، تزداد حالته سوءًا. الرطوبة هنا تملأ كل شيء؛ الفراش، الملابس، وحتى الخبز". وأضاف لـ"الترا سوريا": "نحن نعيش في وسط الفراغ، والمنظمات الدولية غائبة بشكل شبه كامل. نسمع عن مساعدات تصل إلى المنطقة، لكننا لا نرى منها في الطلائع إلا القليل".
وتؤكد إحصاءات ميدانية أن أغلب الخيام في مخيم "الطلائع" قد تجاوزت عمرها الافتراضي، حيث تعرضت لعوامل الجو لعدة مواسم متتالية دون صيانة أو استبدال، ما يجعلها عرضة للانهيار تحت ضغط الرياح أو تراكم الثلوج المحتملة في ذروة شهر كانون الثاني الجاري.
الواقع الصحي.. أطفال في مهب أمراض الجهاز التنفسي
مع انخفاض درجات الحرارة إلى أربع درجات مئوية ليلًا (وتوقعات بوصولها إلى -3 في الأيام القادمة)، بدأت النقاط الطبية المحدودة في المخيمين باستقبال أعداد متزايدة من الحالات المرضية. يشير الأطباء الميدانيون إلى انتشار واسع لأمراض الجهاز التنفسي، والنزلات الصدرية، والأمراض الجلدية الناتجة عن الرطوبة وقلة النظافة بسبب شح المياه الساخنة.
في غياب وسائل التدفئة الآمنة، يلجأ الكثيرون إلى وسائل بدائية تسبب حالات اختناق جزئي أو ضيق تنفس حاد، خاصة بين الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم خمس سنوات. يقول أحد الممرضين في نقطة طبية داخل المخيم لـ"الترا سوريا": "المشكلة ليست في تشخيص المرض، بل في الوقاية منه. كيف نطلب من أم أن تحمي طفلها من الرشح وهي تعيش في خيمة لا تمنع الريح؟ الدواء وحده لا يكفي إذا لم يتوفر الدفء".
تحديات إنسانية وتجاهل دولي
تتزامن موجة البرد الحالية مع تراجع كبير في التمويل الدولي للملف الإنساني السوري. ورغم وجود مبادرات محلية تحت شعار "سوريا بدون مخيمات بحلول نهاية 2026"، إلا أن الواقع على الأرض في ريف الحسكة لا يزال بعيدًا عن هذا الطموح.
فالعوائق الإنسانية تزداد تعقيدًا بسبب انخفاض المساعدات الأممية، ما يجعل المخيمات تعتمد على موارد محدودة جدًا، وأزمة الطاقة الناتجة عن النقص الحاد في الكهرباء والوقود، إضافة إلى تدهور البنية التحتية، حيث تزيد الحمامات المشتركة وشبكات الصرف الصحي المكشوفة من معاناة النساء والفتيات بشكل خاص في هذا الطقس القارس.
صرخة من وسط الصقيع
بينما ينشغل العالم بأزمات سياسية واقتصادية كبرى، يبقى نازحو مخيمات الحسكة يواجهون قدرهم بصدور عارية. المعاناة في مخيمي "الطلائع" و"توينة" ليست مجرد نقص في المواد، بل هي أزمة كرامة إنسانية مستمرة منذ سنوات.
تختم خديجة العلاوي حديثها لـ"الترا سوريا" قائلةً: "ما نحلم به ليس قصورًا، بل غرفة إسمنتية وسقف يمنع المطر، ومدفأة تجعل أطفالي ينامون دون أن يصرخوا من شدة البرد. هل هذا كثير علينا؟".
وهكذا في النهاية، يبقى السؤال معلقًا فوق تلك السهول الباردة، بانتظار استجابة قد تأتي أو لا تأتي، بينما يستعد النازحون لليلة أخرى من "حرب البقاء" ضد الشتاء.
الكلمات المفتاحية
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
بين قدم أسطول الشحن السوري وارتفاع التكاليف.. جدل حول قرار منع الشاحنات الأجنبية
بين قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وأسطول الشحن السوري القديم تتصاعد أزمة المناقلة على الحدود، مع مطالب بإلغاء القرار وتحديث الشاحنات، وسط تحذيرات من ارتفاع الأسعار
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026