ultracheck
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

14 فبراير 2026
الجزيرة السورية
لقطة جوية تُظهر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الجزيرة السورية (سانا/الترا سوريا)
محمد جفال
محمد جفال صحافي سوري

لسنوات طويلة، ظل "قانون قيصر" بمثابة الحصار المطبق الذي خنق تطلعات السوريين، وشلّ قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية. كان القانون، الذي دخل حيّز التنفيذ في حزيران/يونيو 2020، يمثل الستار الذي حال دون وصول الأدوية وقطع التبديل وتقنيات الطاقة إلى البلاد.

اليوم، وبعد نحو شهرين على توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرارًا نص على إلغاء القانون، عقب مخاض طويل في أروقة الكونغرس، تجد سوريا نفسها أمام مرحلة جديدة من الاختبار الاقتصادي والسياسي، وسط تساؤلات ملحة: هل يمهد رفع العقوبات الطريق لتعافٍ حقيقي، أم أن تبعات سنوات الحرب الطويلة قد تركت جروحًا غائرة في جسد الاقتصاد؟

رؤية من قلب الجزيرة: تفاؤل حذر بانتظار الانفراج

في أسواق الحسكة، وبين حقول القمح الممتدة في ريف القامشلي، وصولًا إلى ضفاف الفرات في دير الزور، لا يشغل حديث الناس سوى خبر واحد: "رفع قانون قيصر". بالنسبة لأهالي الجزيرة السورية، لم يكن هذا القانون مجرد نص تشريعي بعيد، بل كان "شبحًا" يطارد رغيف خبزهم، ويحرمهم من الاستفادة من خيرات أرضهم الغنية بالنفط والقمح.

يرصد هذا التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في المنطقة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على صدور القرار.

المزارعون: "عودة الروح إلى السلة الغذائية"

لطالما اعتبر مزارعو الجزيرة أنفسهم الضحية المباشرة للعقوبات. الحاج محمود، مزارع من ريف الحسكة، يصف الوضع قائلًا لموقع "الترا سوريا": "كانت أرضنا تعطش لأننا لا نجد قطع تبديل للمضخات، وكان القمح يمرض لأن الأسمدة الجيدة ممنوعة من الدخول". وأضاف: "رفع قانون قيصر بالنسبة لنا يعني أننا سنستطيع أخيرًا تحديث آلياتنا من دون خوف من الملاحقة أو دفع أثمان خيالية للمهربين. طموحنا أن تعود الجزيرة سلة غذاء لكل سوري، من القامشلي إلى دمشق، بلا عوائق".

القطاع التجاري: نهاية زمن "العمولات السوداء"

في القامشلي، يرى التجار أن رفع العقوبات سيؤدي إلى كسر حلقات الاحتكار التي نشأت في ظل الحصار. التاجر أبو سمير يوضح وجهة نظره لـ"الترا سوريا": "كنا نعيش في سجن مالي. لكي نستورد بضاعة بسيطة، كان علينا الالتفاف على القوانين عبر وسطاء في دول الجوار، وكان الجميع يأخذ عمولة بحجة المخاطرة". وتابع: "اليوم، نأمل أن تفتح البنوك أبوابها، وأن تنخفض الأسعار بمجرد وصول البضائع مباشرة إلى موانئنا وحدودنا"، واصفًا إزالة القانون بأنها "إزالة لضريبة الخوف التي كنا ندفعها من جيوبنا وجيوب المستهلكين".

الشباب والخريجون: طموح بفرص عمل حقيقية

بالنسبة للشباب في الجزيرة، يمثل رفع العقوبات بصيص أمل في عودة الاستثمارات المعطلة. نسرين، مهندسة زراعية شابة، تقول لـ"الترا سوريا": "لسنوات، كانت الشركات الدولية تخشى الاقتراب من مشاريع إعادة الإعمار أو الطاقة بسبب العقوبات". وتابعت: "اليوم، ننتظر أن نرى معامل تعليب ومصانع نسيج تُبنى بجانب حقول القطن. نريد أن نرى استثمارات حقيقية توفر فرص عمل لآلاف الخريجين الذين لم يجدوا أمامهم سوى الهجرة أو العمل في مهن هامشية".

التحدي الأكبر: "الفساد الداخلي" بعد رحيل قيصر

رغم التفاؤل، لا يخلو حديث الأهالي من مسحة توجس. يلخص أبو أحمد، معلم متقاعد، لـ"الترا سوريا" هذا التخوّف بقوله: "رفعوا قيصر، وهذا جيد جدًا. لكن هل سيصل أثر هذا الرفع إلى مائدتي؟ نحن نخشى أن تبتلع منظومات الفساد والروتين المؤسسي فوائد هذا القرار". وأضاف: "العقوبات كانت حصارًا من الخارج، لكن الفساد هو حصار من الداخل. لكي ننجح فعليًا، يجب أن يتزامن رفع قيصر مع تنظيف المؤسسات من الفاسدين الذين استفادوا من اقتصاد الحرب".

بين مطرقة العقوبات وسندان ظروف الحرب: تشخيص الانهيار

يرى الخبراء أن الانهيار الاقتصادي السوري كان نتيجة تضافر عوامل خارجية قاسية وظروف داخلية فرضتها سنوات الحرب الطويلة، وتتلخص هذه العوامل فيما يلي:

العامل الخارجي: أثر قانون قيصر التدميري

استهدف القانون قطاعات حيوية كالمصارف والطاقة وقطاع البناء، ما أدى إلى عزل سوريا عن النظام المالي العالمي. وبحسب البيانات، تراجع الناتج المحلي الإجمالي السوري من نحو 60 مليار دولار عام 2011 إلى أقل من 12 مليار دولار في عام 2023. هذا التراجع الحاد لم يكن مجرد أرقام، بل تُرجم إلى أزمة سيولة غير مسبوقة وعجز عن تمويل الاستيراد الأساسي، مما جعل حركة التجارة الخارجية شبه مشلولة.

العامل الداخلي: استنزاف الحرب والتشوهات الهيكلية

إلى جانب العقوبات، لعبت ظروف الحرب دورًا محوريًا في تدمير البنية التحتية وخروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمنشآت الصناعية عن الخدمة. يوضح المستشار الاقتصادي السوري، شكري يوسف، في قراءته للمشهد، أن غياب الاستثمارات نتيجة عدم الاستقرار يشكل العائق الأبرز حاليًا. ويشير في حديثه لـ"الترا سوريا" إلى أن البنك المركزي السوري عانى من استنزاف حاد للسيولة، ما حدّ من قدرته على التدخل لضبط الأسعار أو حماية القيمة الشرائية للمواطنين في ظل تضخم عالمي ومحلي متصاعد.

خارطة التعافي: هل تكفي سنتان لترميم ما دمرته 14 عامًا؟

وفقًا للخبير يوسف، فإن سوريا قد تحتاج إلى ما لا يقل عن عامين للبدء بتحقيق تحسن "نسبي" ملموس. هذا التحسن يتمثل في انخفاض محدود في الأسعار وتوفر السلع الأساسية، وهو مشروط بالضرورة بتحسن الظروف العامة وعودة النشاط الاقتصادي بشكل تدريجي.

أما التعافي الحقيقي الشامل، فيبدو طريقًا طويلًا يتطلب جهودًا جبارة. وبحسب يوسف، تبرز التحديات في النقاط التالية:

كلفة إعادة الإعمار الضخمة: تُقدّر بنحو 800 مليار دولار، وهو رقم هائل يتطلب استقرارًا سياسيًا كبيرًا لجذب التدفقات المالية الدولية.

إعادة بناء الثقة الاستثمارية: يحتاج المستثمرون إلى ضمانات أمنية وقانونية واضحة للعودة إلى السوق السورية، خاصة في ظل تقاسم النفوذ وتعدد السلطات في الجغرافيا السورية.

الاستقرار النقدي: إن تحسن قيمة الليرة أمام الدولار مرتبط بعودة الإنتاج والتصدير، وليس فقط برفع العقوبات، ولا سيما بتحسن العامل الأمني الذي يُعد "المدخل الرئيسي" لتحريك عجلة الاقتصاد.

تحدي التعددية والواقع المعيشي

تعيش سوريا اليوم واقعًا جغرافيًا معقدًا، لا سيما بعد دخول القوات الحكومية إلى المناطق التي انسحبت منها "قسد" في شمال شرق سوريا، الأمر الذي يخلق بيئة معقدة أمام أي استثمار طويل الأمد، ويطرح تساؤلات حول كيفية توحيد الجهود الاقتصادية لخدمة المواطن السوري الذي لم يعد يحتمل المزيد من الأعباء المعيشية.

يواجه المواطن اليوم أزمة معيشية تتجلى في عدم انتظام الرواتب وتدني القدرة الشرائية. ورفع "قيصر" يفتح نافذة لتسهيل وصول المواد الأولية وقطع التبديل للمصانع والمنشآت الكهربائية، وهو ما قد يخفف وطأة الأزمة المعيشية إذا ما اقترن بإدارة اقتصادية قادرة على استغلال هذه الانفراجة.

رؤية مستقبلية: نحو اقتصاد بلا قيود

يمنح إلغاء "قانون قيصر" الدولة السورية فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه يضعها أيضًا أمام مسؤولية إعادة بناء الهيكل الاقتصادي المشوه.

المكاسب المتوقعة من رفع العقوبات:

فك العزلة المصرفية: تسهيل التحويلات المالية للمغتربين السوريين، التي تشكل رافدًا أساسيًا لآلاف العائلات.

تنشيط التجارة الإقليمية: إمكانية عودة الاستثمارات العربية والأجنبية في قطاعات الطاقة والبناء، مما يساهم في خلق فرص عمل وتقليل نسب البطالة.

استيراد التكنولوجيا: الحصول على المعدات اللازمة لترميم محطات الكهرباء والمياه، وهو ما سينعكس مباشرة على جودة حياة المواطنين.

الكرة في ملعب الاستقرار

إن رفع العقوبات خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية بمفردها. فالتعافي الحقيقي مرتبط بتحقيق استقرار أمني وسياسي شامل ينهي تداعيات 14 عامًا من الصراع. ويخلص الخبير يوسف في ختام حديثه لـ"الترا سوريا" إلى أن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة علاقة عضوية؛ إذ من دون بيئة آمنة تضمن حقوق المستثمرين وتدفع بعجلة الإنتاج، سيبقى أثر رفع العقوبات محدودًا في النطاق الخدمي والسلعي.

اليوم، ومع رفع قانون قيصر، تتوجه الأنظار إلى الداخل السوري وإلى الأشقاء العرب والمجتمع الدولي: هل ستكون هذه الخطوة بداية لعهد جديد من البناء؟ الطموح الشعبي، خاصة في مناطق الإنتاج كالجزيرة السورية، يتجه نحو مستقبل تُبنى فيه الجسور بدلًا من الجدران، وتعود فيه سوريا لتلعب دورها كحلقة وصل اقتصادية في قلب المنطقة.

الكلمات المفتاحية

كفرنبودة

كفرنبودة بعد الحرب: عودة بطيئة وسط الركام وارتفاع تكاليف الحياة

تعاني بلدة كفرنبودة بريف حماة الشمالي من غلاء الأسعار وغياب الخدمات والركام، ما فاقم من العائدين بعد سنوات من النزوح على أمل استعادة حياتهم الطبيعية


معرة النعمان

موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان

لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة


إدلب

إدلب تستقبل العائدين من الخارج.. أزمات السكن والعمل والخدمات تعيد طرح سؤال الاستقرار

لم تعد صدمة السوريين المغتربين والعائدين إلى إدلب وريفها حالة فردية أو مؤقتة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية متنامية تحمل مخاطر نفسية واجتماعية طويلة الأمد


الاقتصاد السوري

سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي

يكشف واقع الاقتصاد السوري بعد الحرب اتساع الفقر واعتماد ملايين السكان على المساعدات، وسط تعافٍ بطيء وعقبات تعرقل الاستثمار وإعادة الإعمار

الهلال ومحافظة حمص
منوعات

سيدات الهلال في صدارة ذهاب دوري كرة القدم.. وحادثة ميدانية تعيد الجدل حول السلامة الطبية

حسمت سيدات الهلال صدارة ذهاب دوري كرة القدم بعد فوزهن على محافظة حمص، فيما كشفت حادثة طبية عن إهمال تنظيمي رافق المباراة

الوحدة والحرية
منوعات

في ختام ذهاب سلة المحترفين.. الوحدة يتجاوز الحرية والنواعير يتربع على الصدارة

اختتمت مرحلة الذهاب من دوري سلة المحترفين بفوز الوحدة على الحرية، فيما حافظ النواعير على صدارة الترتيب العام


هيئة المفقودين
أخبار

هيئة المفقودين: العثور على موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية

أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين عن استجابتها لبلاغ حول موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية

معرة النعمان
مجتمع واقتصاد

موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان

لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة

الأكثر قراءة

1
أخبار

وسط أزمات متفاقمة.. الاتحاد الأوروبي يقدّم 210 مليون يورو مساعدات إنسانية لسوريا


2
سياسة

بين هدنة هشة وتسوية مؤجلة.. ملف السويداء يختبر صبر السياسة


3
مجتمع واقتصاد

كفرنبودة بعد الحرب: عودة بطيئة وسط الركام وارتفاع تكاليف الحياة


4
أخبار

الأمطار الغزيرة في الحسكة ترفع مخاطر فيضان الخابور وتحذيرات للأحياء القريبة


5
أخبار

"منظمة الصحة العالمية" تخصص تمويلًا طارئًا لدعم الاستجابة الصحية في سوريا


advert