ultracheck
مجتمع واقتصاد

صيد الطيور الحرة في الجزيرة السورية... بين الهواية والمهنة والاستغلال

23 أكتوبر 2025
صيد الحر الطائر في الجزيرة
ليست هوايةُ صيد الطيور أو مهنتها بالأمر الجديد (الترا سوريا)
خضر الهويد
خضر الهويد كاتب وصحافي سوري

منذ أكثر من عشرين عامًا، اعتاد عامر العلي الخروج في مواسم صيد الطيور التي تعلمها من والده، ويحرص على تعليم ابنه مهنة الصيد بكل تفاصيلها. يتفقد عامر عدة الصيد التي جُهِّزت ليلًا للمرة الأخيرة قبل الخروج مع ساعات الفجر الأولى إلى سهول الجزيرة السورية، التي لا يقطع امتدادها إلا جبل سنجار في العراق وسلاسل الجبال الممتدة على طول الحدود التركية شمالًا.

رحلة الصيد، التي تمتد حتى ساعات الليل المتأخرة أو تطول أيامًا في ضيافة البادية، تستهوي الصياد الذي تحوّل الصيد عنده إلى هوس، فيرمق كبد السماء بعينيه، وتارةً يلجأ إلى منظاره علّه يقرب البعيد القادم من صوب الجبال النائية أو يجلب "الطرح" المنشود.

ففي حياة الصقّارين، كما هو متعارف على تسميتهم في الجزيرة السورية، يخرج الجميع كل يوم على أمل العودة مساءً بصيد العمر. وعلى الرغم من عمل بعضهم في صيد الطيور لسنين طويلة دون الوصول إلى مبتغاهم، فإنهم يخرجون كل صباح بعزيمة وأمل.

مواسم الصيد

يبدأ موسم صيد الطيور الحرة في سوريا والجزيرة السورية مع بداية الشهر التاسع، أيلول/سبتمبر، ويستمر حتى نهاية كانون الثاني من كل سنة، حيث تُعَدّ هذه الفترة ذروة هجرة الطيور من الشمال البارد إلى الجنوب بحثًا عن الدفء والطعام.

كما أن موسم عودة الطيور، الذي يبدأ في شهر آذار مع بدء تسلّل الدفء إلى مواطنها الأصلية في قمم جبال آسيا وأوروبا، يُعَدّ موسمًا إضافيًا للصيد.

تهاجر هذه الطيور في رحلتي الشتاء والصيف، وتمر في مسارات دقيقة وثابتة، مستفيدةً من التضاريس مثل السواحل والجبال لتحديد مسارها، وتحاول تجنّب المسطحات المائية الواسعة، وتُعَدّ الجزيرة محطةً هامة في رحلة الهجرة.

تُعَدّ الطيورُ الحرة اسمًا متداولًا ومعروفًا عند الصيادين، في إشارةٍ إلى "الطرح" الثمين، الذي قد يصل ثمن الواحد منه إلى 200 ألف دولار لبعض الأصناف. ويُعَدّ الجير الأبيض ذو الأجنحة السوداء أندرَ هذه الطيور وأغلاها ثمنًا، إذ لا تتكرر حالات صيده في المنطقة لسنواتٍ عدة. كما أن الفارسي والسنجاري من الطيور الثمينة، لكنها أقل ثمنًا من الجير الأبيض.

طقوس الصيد

مع ساعات الليل الأخيرة وقدوم الفجر، يستعد صيادو الطيور للانطلاق في رحلة أملٍ جديدة صوب السهول الفسيحة. يبدأ يومهم بتحضير الطُّعم الذي يستخدمونه في الصيد (طيور الحمام والقطا والفِرِّي...).

يقول الصقّار زياد طلال العلي: "نُثبّت الشِّباك على ظهر الحمامة بطريقة تضمن عدم تفلّتها عند الطيران، وعندما يأتي الطير الحرّ وينقضّ على الكشّة نستخدم الحمام المقيّد لاستدراجه، وعند هجوم الطير على الحمامة تُقيّده الشباك المثبّتة عليها".

يُضيف العلي: "بين الحين والآخر، وحتى خارج مواسم الصيد، يجتمع الصيادون بشكل دائم في مجلسٍ أشبه بجلسة التشاور، يناقشون فيه أحوالهم ويحلون المشاكل العالقة من خلال وليمةٍ تُجهَّز على شرفهم في منزل أحد الصيادين، وهو عرفٌ متّبع بينهم".

يُعَدّ تقسيم مناطق الصيد عرفًا أساسيًا يحترمه جميع الصيادين، إذ لا يقترب صياد من منطقة صيدٍ أخرى دون علم صياديها. كما أن إشراك الصيادين المشاركين في طرح الطير وتقاسم ثمنه أثناء بيعه، حسب الجهد المبذول في صيده، يُعَدّ قانونًا أساسيًا في هذه المهنة لا يتجاوزه أحد.

المبيت طقسٌ أساسي في حياة الصيادين. يقول الصياد سعود المرعي: "أحيانًا ننصب خيامنا ونبيت لأيامٍ في البوادي لرصد الطير والتبييت له. والتبييت هو ترك الطائر بعد نزوله إلى الأرض عند الغروب دون إزعاجه، كي لا يهرب في الظلام. وفي هذه الأثناء، يبقى الصيادون على مقربةٍ منه منتظرين شروق الشمس لرمي الطُّعم له".

معاناة الصيادين

بحسب ما أكّد عددٌ من الصيادين لـ"الترا سوريا"، فإن الغُبن الكبير والأسعار المتدنية التي يدفعها التجار والسماسرة للطيور المطروحة تُعَدّ المعاناة الأكبر في حياة الصيادين. فلا يدفع التجار والسماسرة القيمة الحقيقية للطيور، مشيرين إلى أنهم على تواصلٍ مع صيادي الطيور في دول الجوار، حيث يحصل هؤلاء على أسعارٍ مناسبة تتناسب مع نوع الطيور.

ويضيف الصيادون: "لكننا في الجزيرة، ومنذ أيام النظام السابق، نعاني من استغلال التجار والسماسرة، وحتى بعد سقوط النظام استمر هذا الوضع، فهم لا يدفعون أكثر من نصف ثمن الطير، وأحيانًا أقل من ذلك بكثير".

لا تكاد تخلو رحلات الصيد من مخاطر الحيوانات البرية المفترسة؛ فالذئاب والخنازير البرية تعترض طريق الصيادين بشكلٍ دائم.

يقول الصياد سعود المرعي: "لا تخلو المتعة الكبيرة للصيد من بعض المخاطر، فبعض الصيادين تعرّضوا أكثر من مرة لهجوم الذئاب والخنازير البرية التي تنزل من الجبال التركية المجاورة، بالإضافة إلى الأفاعي والحنش الذي كثيرًا ما نجده في شباك الصيد أو في الخيام التي نُعدّها لإقامتنا المؤقتة (التخييم)".

تحدٍّ آخر يقف في وجه الصيادين، إذ يحتاج الصياد إلى سيارةٍ تتطلّب صيانةً دائمة وتعبئةً بالوقود بشكلٍ يومي، فضلًا عن الأعطال المتكررة الناتجة عن السير في الطرق الترابية لمسافاتٍ طويلة. كما أن تجهيز شباك الصيد وطيور الطُّعم من شواهين وحمامٍ وفِرِّيٍّ وباشقٍ وقطاةٍ وسواها من الطيور الأخرى يفرض تكاليف إضافية على يوميات الصيادين.

تطور أساليب الصيد

ليست هوايةُ صيد الطيور أو مهنتها بالأمر الجديد، لكنها مهنةٌ وطقسٌ متوارثٌ عن الأجداد. ومع كل جيل، حمل فنُّ الصيد تطوّرًا في الأساليب والمعدات تبعًا للتطور التكنولوجي.

سابقًا، كان صيد الطيور يتم على ظهور الخيل، حيث كان الصيادون يخيمون طيلة الموسم ويبيتون خارج منازلهم في أجواء وظروفٍ جويةٍ قاسية. أمّا اليوم، فقد كثرت وسائل الصيد وتنوّعت وتطوّرت، من خلال استخدام السيارات والدراجات النارية ذات الحركة الأسهل في المناطق الوعرة.

يقول الصياد جاسم أبو مهدي: "سابقًا كان أهلُنا يصنعون شباك الصيد من ذيول الخيول، أما اليوم فنحن نستخدم التقنيات الحديثة في الصيد، مثل أجهزة تتبّع طيور الطُّعم وغيرها من تقنيات التتبّع، كـالمناظير الحديثة والليلية، وسواها من الأدوات التي فرضت نفسها على مهنتنا".

في مواسم صيد الطيور ويوميات الصيادين كثيرٌ من التفاصيل الممتعة والجميلة، ومن الأمل ما يشحذ هممهم للاستمرار رغم قلّة التوفيق التي قد تمتد لسنواتٍ دون الحصول على الصيد الثمين. لكنهم مستمرّون في حفظ مهنتهم الممتعة التي ورثوها عن آبائهم، وهم حريصون على توريثها لأبنائهم بكل تفاصيلها وقوانينها.

الكلمات المفتاحية

الأسواق السورية

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026


فيضان نهر العاصي يُثير مخاوف سكان القرى والمخيمات المحيطة به

إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟

بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة


منع الشاحنات الأجنبية

بين قدم أسطول الشحن السوري وارتفاع التكاليف.. جدل حول قرار منع الشاحنات الأجنبية

بين قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وأسطول الشحن السوري القديم تتصاعد أزمة المناقلة على الحدود، مع مطالب بإلغاء القرار وتحديث الشاحنات، وسط تحذيرات من ارتفاع الأسعار


سوريون في ألمانيا يحتفلون بسقوط نظام الأسد (Getty/ الترا سوريا)

من اللجوء إلى العودة: تحولات الشتات السوري

المفارقة الكبرى أن الدافع للعودة في 2026 ليس تحسن المؤشرات الاقتصادية السورية – التي لا تزال تترنح – بل هو أزمة الجدوى في بلاد الاغتراب

انفجار
أخبار

إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام

أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.

فرن حرنة
أخبار

فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"

أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان


الشعلة والشرطة
منوعات

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه

الأسواق السورية
مجتمع واقتصاد

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026

الأكثر قراءة

1
سياسة

سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي


2
عدالة انتقالية

التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام


3
أخبار

الهلالي: الدولة السورية تفتح أبوابها للكوادر الكردية و"الإدارة الذاتية" إلى زوال


4
أخبار

اتفاق سوري–أردني على عبور مشروط للشاحنات وتعزيز التكامل اللوجستي


5
أخبار

تعرّف على موعد عيد الفطر لعام 2026 في سوريا


advert