ultracheck
عدالة انتقالية

ضحايا القمع والحرب والصدمات النفسية.. من يكترث لأمرهم؟

25 نوفمبر 2025
سجن صيدنايا
سجن صيدنايا (Getty)
فيصل علوش
فيصل علوشصحافي سوري

"عندما ينظر المرء إلى المشرق العربي.. تنتابه رائحة مزعجة، لا يلبث أن يكتشف أنها رائحة الموت. ذلك أن أبناء هذه المنطقة من العالم لم يعرفوا في تاريخهم الحديث والمعاصر مرحلة يموتون فيها بهذه الأعداد، بهذا التكرار، بهذه الرتابة، وبهذه اللامبالاة. ترتفع الأعلام السود على الشرفات وتتزايد صور الشهداء على الجدران وفي قاعات الاستقبال..".

الكلام السابق كتبه د.غسان سلامة في مقدمة كتابه "المجتمع والدولة في المشرق العربي" الصادر سنة 1999، ومنذ ذلك التاريخ "جرت الكثير من الدماء تحت الجسر وفوقه"، (في تحوير بسيط للمثل الشائع)، وزادت أعداد الضحايا على نحو كبير، يفوق التوقعات في كثير من مدن وبلدات المشرق العربي.

سوريا وحدها كان نصيبها مئات الآلاف من الضحايا، وخصوصًا بعد انتفاضة العام 2011، والقمع الوحشي والدموي الذي واجه به النظام الحاكم المنتفضين وحاضنتهم الاجتماعية، هذا ناهيكم عمّا حصل في بلدان أخرى، مثل العراق ولبنان واليمن وليبيا، فضلًا عن فلسطين.

فعلى مدى أكثر من نصف قرن من الحكم الأسدي، (في عهدي الأب ووريثه)، ووسط حالة سياسية داخلية تنوس بين استخدام أدوات ووسائل الحكم البوليسي المعتادة فقط، في البداية، وانتهاء بشيوع شتى أنواع القتل والخطف والتعذيب والتنكيل المعروفة في الحروب الأهلية، تعرض السوريون إلى مختلف صنوف وأشكال ودرجات الإكراه والقمع وكم الأفواه، بدءًا من التصنيفات الأمنية (مؤيد، محايد، حياد إيجابي، حياد سلبي، معارض)، وتجنيد المخبرين للوشاية بالمعارضين، وما يعقبها من استدعاءات وملاحقات أمنية ضد المشتبه بهم، مرورًا بالاعتقالات المؤقتة أو المديدة وما يتخللها من أساليب تعذيب وبطش وإهانة وإذلال للمعتقلين، وصولًا إلى الاغتيالات والتصفيات الجسدية، ومن ثم الإعدامات وارتكاب المجازر بحق المعتقلين (مجزرة تدمر 1980 مثلًا)، وبحق المدنيين كذلك، في المناطق التي تُصنّف كبيئات اجتماعية حاضنة للمعارضة، والمثال الأبشع على ذلك مجزرة حماة (شباط 1982)، إضافة إلى مجازر جسر الشغور ومناطق أخرى عديدة في حلب وإدلب وريفهما، وذلك في الحقبة الأسدية الأولى، قبل أن يصبح الخطف والإخفاء القسري، والموت تحت التعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، وعشرات المجازر المتنقلة التي استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة  أيضًا؛ (من الأسلحة البدائية، إلى الأسلحة العشوائية المدمرة؛ كالبراميل المتفجرة، أو الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًا)، مفردات متداولة على نحو عادي، وفاجعة معتادة اعتاد الناس على سماعها؛ على رغم أنها لا تميز بين رجل أو طفل أو امرأة، ويمكن أن تحدث وتتكرر كل يوم منذ اندلاع الحراك الشعبي في سوريا عام 2011، سواءً على يد قوات النظام، أم على يد بعض جماعات المعارضة المسلحة المتطرفة التي حاربته، مثل "داعش" وسواها.

صدمات نفسية وآثار كارثية

وعلى مستوى المعتقلين والمختفين والمختطفين وحدهم، فإن هنالك عشرات الألوف على الأقل منهم، الذين اتضح أنّهم قضوا تحت التعذيب، أو بسبب الإهمال وسوء التغذية والرعاية الصحية، أو تمت تصفيتهم في الأفرع الأمنية ومراكز الاعتقال والسجون. ولقد كان عدد الناجين منهم جدّ ضئيل بالمقارنة مع أعدادهم الضخمة. وإذا أضفنا إليهم ضحايا المجازر والقتل العشوائي، فلنا أن نتخيل حجم الصدمات والعقابيل النفسية والاجتماعية والآثار الكارثية التي خلفتها تلك الأهوال والفظاعات والجرائم على الأفراد والجماعات داخل المجتمع السوري، (الذي تحول في ظل الحكم الأسدي إلى مجتمع صدمات وكوارث وحروب واعتقال)، وخصوصًا أنها ارتكبت على مدى سنوات طويلة ممتدة، وهي لا زالت، للأسف، مستمرة بعد 8/12/2024، مع اختلاف المناطق والجماعات التي باتت مستهدفة.

ومن المعروف أنّ الضحايا والمصدومين ينتهون إما إلى حالة من الشلل الاجتماعي والخمول، بسبب فقدان الفعالية والحافز، أو انخفاضهما، ويعيشون في المحصلة في وضع أقرب إلى "عالة على المجتمع"، وإما إلى حالة شبه دائمة من التوتر والتطرف، والنزوع الضمني أو المعلن للثأر والانتقام، فتغلب على أوضاعهم النفسية وتصرفاتهم العصبية الزائدة وافتعال المشاكل لأتفه الأسباب، في ظلّ عدم مقدرتهم على ضبط أعصابهم والسيطرة على ردود فعلهم، مما ينعكس سلبًا على أوضاعهم النفسية والصحية، وعلى علاقاتهم الاجتماعية عمومًا.

مثل هذه الحالات تحتاج إلى جود "مراكز مساعدة وعلاج نفسي"؛ عامة وخاصة، لتقديم ما يمكن من أوجه المساعدة؛ المؤقتة أو الدائمة، للمعتقلين والمختطفين الناجين، أو لأهلهم والمحيطين بهم وإعادة تأهيلهم، بما في ذلك إنشاء مراكز وآليات دائمة لدعم هؤلاء الناجين. وكذا الأمر في ما يتعلق بالناجين من القتل والمجازر والمناطق المنكوبة، ووضع برامج شاملة لتعويض الضحايا وأسرهم ماديًا ومعنويًا، تتضمن تقديم الرعاية النفسية والاجتماعية على نحو شبه دائم لهم.

إلى جانب ذلك، ثمة حاجة أيضًا إلى وجود "مراكز أبحاث ودراسات نفسية" لمراكمة وتطوير الخبرات والتجارب، ومن ثم تقديم المشورة ونشر الوعي النفسي والصحي، وتمكين فئات متزايدة من امتلاك حد أدنى من المعرفة بأدوات التحليل والتشخيص وسبل العلاج وطرائق الوقاية في مواجهة الكوارث والصدمات. لكن المكتبة السورية، والعربية عامة، تكاد تخلو من الأبحاث والدراسات المتخصصة في ميدان الآثار التي تتركها حالات الأسر والاعتقال، لفترات قصيرة أو طويلة، على الأسرى والمعتقلين أنفسهم، أو على أهلهم وعائلاتهم والمحيطين بهم، إضافة إلى الأبحاث والدراسات المتخصصة في ميدان علم نفس الحروب والكوارث والآثار التي يخلفها القتل والاعتقال والخطف على الفرد والجماعة.

"عصاب" الصدمة وتطوره

وفي إطار ظهور مفهوم الصدمة ودراسة تطوره في أدبيات التحليل النفسي، يورد محمد أحمد النابلسي في كتابه " العلاج النفسي للأسرى وضحايا العدوان"، الصادر عن "الاتحاد العربي لعلم النفس/ مركز الدراسات النفسية والنفسية ـ الجسدية/ لبنان ــ 2001"، تجربة أجراها ابن سينا، حين جمع حملًا وذئبًا في مكان واحد، وربطهما بحيث يعجز الذئب عن الوصول إلى الحمل، ثم قام بتسجيل المظاهر البادية على الحمل جرّاء شعوره بالخطر، فلاحظ أن الحمل أصيب بفقدان الشهية والانحطاط والهزال التدريجي حتى نفق.

ويرى النابلسي أن هذه التجربة من أولى التجارب التي عرضت للانعكاسات النفسية والجسدية لعصاب الصدمة، التي تبلغ حدّ الموت تحت تأثير الشدة المستمرة. وكانت بدايات الاهتمام الجدي بعصاب الصدمة والحرب قد ظهرت مع بدء الحرب العالمية الأولى، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية حيث تحول اهتمام الدارسين نحو "إعادة تأهيل الأسرى"، وخصوصًا الأسرى الخارجين من معتقلات النازية. وقد قدمت دراسات غربية على قدر كبير من الأهمية حول مثل هذه الأوضاع وحالات الشدة ذات الديمومة.

ويشير الدكتور النابلسي في كتابه إلى أن ثمة استبيانات تتضمن مجموعة من الأسئلة يمكن من خلالها مقاربة الحالة المصابة والتعرف على درجة إصابتها، ومنها على سبيل المثال:

ــ هل تعاني من اضطرابات النوم؟

ــ من القلق والخوف في مواقف معينة؟

ــ من الشعور بالإرهاق والضعف والوهن؟

ــ من الصداع والشعور بالبلادة واضطرابات الذاكرة؟

ــ من مشاكل واضطرابات هضمية أو تنفسية أو قلبية؟

ــ من الميل للبكاء لأتفه الأسباب؟

ــ من ضعف الثقة بالنفس والاعتقاد بأن مردود عملك أقل من الجهد المبذول؟

ــ من الإحباط والخوف من المستقبل وفقدان الشغف بالحياة والشعور بأنها غير جديرة بأن تعاش؟

وفي الواقع، إذا وجهنا مثل هذه الأسئلة إلى أغلب السوريين، ومن أجيال مختلفة، (وليس إلى الضحايا المذكورين آنفًا فحسب)، فينبغي ألا نتفاجأ إذا أتى الجواب عليها بالإيجاب؛ "نعم إننا نعاني من كلّ ذلك". فهل يعني هذا أن جميع هؤلاء بحاجة إلى العلاج وإعادة التأهيل؟

لا نجانب الصواب، ولا نبالغ كثيرًا إذا قلنا: نعم، إن أغلب السوريين هم بحاجة إلى ذلك فعلًا!

فهل ثمة من يكترث لذلك؟

الكلمات المفتاحية

وزارة العدل

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية

أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية


الأمم المتحدة

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية

انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها


السويداء

"هيومن رايتس ووتش": الحكومة السورية تجعل العدالة أولوية لكن جهودها انتقائية وتفتقر للشفافية

أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في "التقرير العالمي 2026" بأن الحكومة السورية اتخذت خطوات أولية في عام 2025 لتعزيز العدالة


سوريون يطالبون بالعدالة

خطاب "التسامح القسري".. كيف يُستخدم السلام المعلّب لإقصاء الذاكرة؟

في المجتمعات الخارجة من الحرب أو القمع الطويل، لا يبدأ البناء الحقيقي إلا عندما يُعترف بالخراب الذي مرّت به، وتُسمع أصوات الضحايا دون رتوش

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


2
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


3
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


4
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


5
أخبار

السيول تغرق عشرات المخيمات وتضرر مئات العائلات في ريفي إدلب واللاذقية


advert