"ضد مجهول".. عائلات مئات الضحايا تنتظر الإنصاف من الحكومة
2 ديسمبر 2025
كان لافتًا قدرة الأجهزة الأمنية على تحديد مرتكب أول جريمة تقريبًا بعد سقوط نظام الأسد، وذلك في درعا، وبعدها صرح المسؤولون الأمنيون في النظام الجديد بأن لا تسجيل لجريمة "ضد مجهول" بعد اليوم، ثم كانت جريمة اختطاف تاجر شامي في إدلب وقتله، أيضًا استطاعت هذه الأجهزة كشف الجاني بزمن قياسي، واستبشر السوريون خيرًا، ولكن ليس لفترة طويلة، فاليوم هناك مئات الجرائم التي لم يُعرف مرتكبوها، واستباح الإجرام سوريا من أقصاها إلى أقصاها. فما هو السبب، ولم فشلت الأجهزة الأمنية في إنصاف الضحايا؟ وهل الأمر محض شأن داخلي، أم أن تداخلات السياسة بالأمن والاقتصاد، ولعبة الأمم في سورية هي السبب؟ وهل تستطيع الحكومية الانتقالية تدارك هذا الخرق الخطير في أمنها الداخلي وأمن مواطنيها، أم أن المواطن السوري سيبقى في دائرة الخطر إلى أجل غير مسمى؟
أرقام صادمة
ليس هناك إحصاءات دقيقة لنوع وعدد الجرائم المسجلة "ضد مجهول" في سوريا منذ سقوط الأسد. ولكن بناءً على التقارير المتاحة من منظمات حقوقية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، فإن هذه الجرائم تشمل بشكل أساسي الاغتيالات، القتل التعسفي، الخطف، والاعتداءات الجنائية الأخرى، وغالبًا ما تُسجل "على يد مسلحين مجهولين" أو في "ظروف غامضة".
ومع أن البيانات الرسمية نادرة إلا أنه في ضوء ما يرشح عبر وسائل الإعلام والتقارير الحقوقية ذات الصلة يمكننا تلخيص البيانات الرئيسية المرتبطة بالجرائم في سوريا منذ سقوط النظام وحتى وقت إعداد هذا التقرير. فقد بلغ عدد الجرائم الجنائية ما يزيد عن 280 جريمة، حيث أودت بحياة 317 شخصًا، بما في ذلك 246 رجلًا، 48 امرأة، و23 طفلًا). ومع كل هذا العدد الكبير، فقد سُجل أغلبها "ضد مجهول".
أما عمليات الاغتيال فقد زادت عن 550 عملية على أيدي "مسلحين مجهولين"، لم يعرف الجاني في حوالي490 حالة ونجحت القوى الأمنية في تحديد الجاني في حوالي 60 حالة فقط. وتركزت أغلب الاغتيالات في درعا وحمص، وطرطوس واللاذقية، حيث يربطها كثيرون بالانتقام نتيجة الارتباط بالنظام السابق أو الصراعات الطائفية/ القبلية، ومن بين 550 عملية اغتيال، زاد عدد جرائم القتل الانتقامية عن 163 جريمة قتل تعسفي وإقصاء (أودت بحياة 298 شخصًا، بما في ذلك 7 نساء وطفل واحد).
وإذا ما أخذنا أحداث الساحل والسويداء بعين الاعتبار، فإن إجمالي الانتهاكات الجسيمة التي حدثت في سوريا خلال ما يقارب سنة من سقوط الأسد زاد عن 11,000 قتيل (من القتل خارج نطاق القانون، الإعدامات الميدانية، الخطف، والتعذيب)، وإذا ما استثنيا حوادث القتل والانتهاكات في الساحل والسويداء، فإن العدد الأكبر من الجرائم التي حدثت على كامل التراب السوري سجلت "ضد مجهول".
أسباب عدم القبض على الفاعلين حتى الآن
يرجع خبراء الأمن الجرائم غير المحلولة إلى التحديات الانتقالية، ووفقًا لتقارير HRW وأمنستي إنترناشونال فإن الفراغ الأمني والفوضى التي عانت منها البلاد بعد سقوط الأسد، وتفكك الجيوش والميليشيات، سمح لمجموعات مسلحة مستقلة بالعمل دون رقابة، كما أن الانسحاب الأميركي الجزئي من الشمال الشرقي في 2025 زاد من معدل هجمات داعش في تلك المناطق.
ووفقًا لنفس التقارير فإن التحالفات الطائفية والانتقام زاد من فرص الهرب من العقاب، إذ أن الكثير من المتهمين هم مقاتلون سابقون في HTS أو SNA، ويُحمَون بسبب دورهم في الثورة. وتشير التقارير إلى جزء كبير من الجرائم تأخذ طابع " ثأر شخصي" بدلًا من الجرائم المنظمة، مما يعيق التحقيقات.
إن نقص القدرات والموارد لدى الحكومة الانتقالية وافتقارها إلى جهاز أمني موحد؛ جعل الاعتقالات التعسفية مستمرة (حوالي 100 حالة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025)، كما اُتهمت لجان التحقيق بأنها غير فعالة وتخضع للفساد والضغوط السياسية.
كذلك زادت التدخلات الخارجية من معدل الإفلات من العقاب، فكل من تركيا وإسرائيل وروسيا وأمريكا تدعم جماعات موالية لها وتؤمن لها في أحيان كثيرة الإفلات من المساءلة والمحاسبة. ويرى البعض أن تركيز الحكومة الانتقالية على الاستقرار السياسي ودمج الفصائل في الجيش الجديد، أجل محاسبة المتورطين لتجنب التمرد.
هل كانت إجراءات الحكومة كافية؟
بموجب مبدأ "مسؤولية الحماية" (R2P) الدولي الصادر عن الأمم المتحدة، فإن على الحكومة السورية حماية جميع مواطنيها، ولأجل ذلك قامت بعدد من الخطوات الإيجابية شملت: إطلاق لجنة عليا للعدالة والمفقودين في أيار/ مايو 2025، وفتح السجون مثل سجن صيدنايا، واعتقال بعض الضباط السابقين المتهمين بانتهاكات طالت السوريين طوال فترة الثورة كما أصدر الرئيس الشرع عفوًا عام عن العسكريين السابقين بشرط عدم تورطهم في جرائم حرب. وبعد أحداث الساحل والسويداء شكلت الحكومة لجنتين منفصلتين للنظر في الانتهاكات التي حصلت ومحاسبة المتورطين، كما أعلنت الحكومة مرارًا عن التعاون مع لجان التحقيق الدولية، وفي هذا السياق بدأت الأسبوع السابق (منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر) محاكمة عدد من المتهمين في انتهاكات الساحل، شملت أفرادًا محسوبين على النظام السابق وآخرين ينتمون للفصائل المنطوية تحت مظلة وزارة الدفاع.
ومع ذلك، اتهمت الحكومة الانتقالية بالفشل لأسباب عديدة منها: عدم الشفافية، فلجان التحقيق كما يقول المعترضون عليها غير مستقلة، ولا تشمل جرائم HTS أو SNA، مما يجعل الحكومة متهمة بالتحيز الطائفي.
كذلك أخذ كثيرون على الحكومة التسامح مع المتورطين، وبدل ذلك تم دمج العديد من المقاتلين المتهمين في الجيش الجديد مما يشجع على الإفلات من العقاب.
وفي مقال لصحيفة الغارديان بعنوان "رأي الغارديان في آمال سوريا ومخاوفها" (يوليو/تموز 2025)، رأت الصحيفة أن "إنهاء الإفلات من العقاب مفتاح الثقة؛ الدعم الطائفي للشرع يُمكّن المتشددين، مُرددًا صدى انقسامات الأسد".
كما أشارت التقارير الحقوقية والصحفية الغربية إلى القصور في الحماية وفشل الحكومة في منع الهجمات الطائفية، كما في السويداء، حيث أدى دعم قبائل من البدو إلى تصعيد الأحداث وسقوط آلاف الضحايا من المدنيين.
واعتبرت وسائل الإعلام اللجنة الوطنية الحكومية للمفقودين (NCM، تأسست في أيار/ مايو 2025) والاعتقالات (على سبيل المثال، 31 مشتبهًا بهم في تموز/ يوليو) "خطوات أولية حاسمة" لكنها غير كافية، إذ يُديم تدمير الأدلة وحماية الجناة "دوامة الإفلات من العقاب".
الإفلات من العقاب يقوض فرص الاستقرار
تدعو المنظمات الحقوقية السورية ومنظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى تعاون مع الآليات الدولية مثل IIIM لجمع الأدلة، وتدعو الحكومة الانتقالية إلى عدم التردد في محاسبة عناصرها. لأن من شأن ذلك تقويض فرص الاستقرار في سوريا، فاستمرار هذه الجرائم وغياب المحاسبة يهددان الاستقرار الشامل، كما يحذر تقرير كارنيغي ومجلس الأمن من تصعيد الطائفية، فالقتل الجماعي يعمق الانقسامات، مما يؤجل عودة 500,000 لاجئ (حسب UNHCR)، ويزيد النزوح الداخلي إلى حوالي 700,000 في العام 2025.
إن الإفلات من العقاب يعزز الإرهاب، ويعطي الفراغ الفرصة لداعش المتهمة بشن ما يزيد عن 117 هجومًا حتى آب/ أغسطس 2025، مستغلًا التوترات لتجنيد مقاتلين جدد. ومن المؤكد إن عدم الاستقرار يعرقل الاقتصاد وإعادة الإعمار ويزيد من فرص تهريب السلاح والمخدرات في المناطق الحدودية. ويؤدي لفقدان الثقة الدولية، ويعيق رفع العقوبات الكاملة.
وبدون محاسبة الجناة ستدخل البلاد في دورات متلاحقة من العنف، فبدون عدالة، يستمر "الثأر"، ويُفتح الباب واسعًا لتدخلات خارجية تحت حجج كثيرة، من مكافحة الإرهاب إلى حماية الأقليات، ومنع التهريب وصولًا إلى وضع الوصاية الكاملة على بلد يوسم بالفشل وعدم القدرة على حماية مواطنيه.
الكلمات المفتاحية

كيف تعود "الرموز الوطنية" أداة لبناء الهوية الجامعة
تشكل الرموز الوطنية، مثل العلم والنشيد والعملة، أكثر من مجرد علامات سيادية أو أدوات رسمية؛ فهي تعبير مكثف عن هوية الدولة وذاكرتها

حوار| المعتصم الكيلاني: العدالة الانتقالية تعاني من حالة تأخير ممنهجة
يتحدث الكيلاني لـ"ألترا سوريا" في هذا الحوار حول ملفات عديدة تحوز على اهتمام السوريين، وأهمها ملف العدالة الانتقالية

النشيد الوطني وإعادة بناء الهوية السورية الجامعة
يمثل "النشيد الوطني" أحد أهم الرموز قدرة على اختزال معاني الدولة والهوية والانتماء

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


