عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟
5 ديسمبر 2025
بعد مرور عام كامل على سقوط النظام، يبرز سؤال جوهري: هل نجحت مؤسسات الدولة في استعادة ثقة السوريين؟ أم أن سنوات الحرب، وما رافقها من انقسام وفوضى وفساد وانهيار إداري، تركت ندوبًا عميقة تجعل ترميم العلاقة بين المواطن والدولة مهمة معقدة وطويلة الأمد؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بقياس أداء الخدمات أو انتظام الروتين الإداري، بل يرتبط بعمق بمفهوم الدولة نفسه: هل يمكن لمؤسساتٍ ضعفت وتراجعت قدرتها على الحضور الفعّال أن تُعيد إنتاج نفسها بوصفها جهة ضامنة للأمن والحقوق والعدالة؟ أم أن القطيعة التي حدثت خلال سنوات الصراع خلقت واقعًا جديدًا مختلفًا؟
ترحيب شعبي مشروط
لا يمكن تجاهل حقيقة أن السوريين – بعد سقوط النظام - استبشروا بعودة الدولة العادلة التي يسودها القانون لا التبعية والعنف والإقصاء.
لكن ما حدث بعد ذلك ومع توالي الأيام والأحداث السريعة، لا سيما ما حصل في الساحل والسويداء، أعاد الكثير من السوريين إلى مشاهد الذعر والموت، وأزّم لديهم مفهوم المواطنة مرةً أخرى. السوريون الذين يبحثون عن منظومة واحدة واضحة المعالم ينتمون جميعاً إليها، بدلًا من حالة التشظي التي فرضتها الحرب.
ورغم ما مرت به البلاد خلال هذا العام من انقسامات في الرأي والموقف من الحكومة الانتقالية بقيت عودة الدولة بالنسبة للكثيرين تعني عودة القانون، أو على الأقل، عودة شكل من أشكال الانضباط الذي افتقدته هذه المجتمعات.
وقد كان بإمكان هذا الترحيب أن يشكّل قاعدة ذهبية لإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات الرسمية والمواطنين. لكن هذه الفرصة لم تُستثمر بالشكل الكافي. فالتحديات التي واجهت المجتمع والمؤسسات بعد التحرير كانت أكبر من قدرتها على الاستجابة السريعة: قتل على أسس إثنية ترقى لمستوى المجازر، بنى تحتية مدمرة، نقص حاد في الكوادر، انعدام التمويل، إضافة إلى الإرث الثقيل من الفساد والمركزية المفرطة.
ما حصل أن "الترحيب المشروط" سرعان ما بدأ يفقد زخمه مع اصطدام المواطن بالواقع: خدمات تتأرجح بين التواضع والانقطاع، إجراءات بيروقراطية لم تتجدد، وغياب واضح لخطة شاملة لإعادة الإعمار الاجتماعي والمؤسساتي، قبل الإعمار العمراني.
مؤسسات مُنهكة لكنها ليست عاجزة
ليس من الدقة القول إن مؤسسات الدولة فشلت بالكامل في أداء مهامها خلال العام الأول، كما أنه ليس من الموضوعية ادعاء أنها نجحت. الواقع أكثر تعقيدًا. فقد تمكنت بعض الجهات الخدمية – كالكهرباء والمياه والبلديات – من تحقيق خطوات ملموسة، ولو على نطاق محدود. مجرد إعادة انتظام بعض الخدمات، ولو بنسب متواضعة، كان له أثر نفسي على السكان الذين أنهكتهم سنوات المواجهة.
إلا أن هذه النجاحات الجزئية لم تُترجم إلى ثقة عامة، لأنها افتقدت إلى الإطار الإستراتيجي الذي يربط بين "التدخلات السريعة" وبين "مشروع إعادة بناء الدولة"، فالناس يريدون أن يفهموا: ما الذي يأتي بعد الإصلاحات المؤقتة؟ ما الرؤية للعامين أو الخمسة أعوام المقبلة؟ كيف ستتعامل الدولة مع ملف الفساد، مع العدالة، مع دمج الكفاءات التي غابت عن المؤسسات لسنوات؟
الغياب النسبي لهذه الرؤية جعل كل خطوة إيجابية تبدو وكأنها جهد مستقل، لا جزءًا من عملية مؤسسية مستدامة.
الشكوك المتراكمة: حجر العثرة الأكبر
إن استعادة الثقة ليست عملية تقنية، بل اجتماعية وسياسية ونفسية بامتياز. والمشكلة هنا أن الدولة لا تواجه تحدي تقديم الخدمات فقط، بل تحدي مواجهة إرث كامل من التصدعات.
ففي كثير من المناطق، عاش الناس سنوات طويلة تحت أنماط مختلفة من الإدارة: محاكم شرعية، مجالس محلية، فصائل، منظمات مجتمع مدني، وحتى سلطات أمر واقع تفرض قوانينها. هذا التعدد خلق ثقافة جديدة قائمة على الشك، وعلى فكرة أن السلطة ليست بالضرورة "ممثِّلة لهم".
حين عادت المؤسسات الرسمية، اصطدمت بهذا المخزون العميق من الريبة. فحتى عندما تقدّم خدمة جيدة، يبقى السؤال حاضرًا: هل هذه الخدمة جزء من سياسات طويلة المدى؟ أم مجرد محاولة لكسب الوقت أو تهدئة الأوضاع؟
كما أن قضايا مثل الإشكالات الأمنية لعبت دورًا كبيرًا في تأجيج الشكوك، خصوصًا أنها مازالت حاضرة حتى اللحظة في الشارع السوري.
ورغم كل ما سبق، فإن غالبية السوريين لا تبحث اليوم عن بديل للدولة بقدر ما تبحث عن دولة مختلفة. بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، لم يعد الناس يطالبون بالكثير: يريدون جهازًا إداريًا لا ينظر إليهم بوصفهم عبئًا، بل شريكًا؛ يريدون عدالة غير انتقائية؛ يريدون شفافية في إدارة الموارد؛ ويريدون صوتًا مسموعًا في القرارات التي تمس حياتهم اليومية.
السؤال هنا: هل تمتلك الدولة الإرادة لإحداث هذا التحول؟ أم أنها تسعى فقط إلى إعادة إنتاج نموذج ما قبل الحرب، وكأن شيئًا لم يتغير؟
الخطير في هذا الخيار الأخير أنه يتجاهل حقيقة أساسية: المجتمع تغيّر. تجارب الناس تغيّرت. معاييرهم في الحكم على المؤسسات تغيّرت. والاعتماد على "الشرعية القديمة" وحدها لن يكون كافيًا لاستعادة الثقة.
عام واحد لا يكفي لكن المؤشرات مهمة
إن تقييم العام الأول يجب أن يكون واقعيًا: نعم، المؤسسات استطاعت الحد من الفوضى، وعملت ضمن إمكانيات محدودة، ونجحت أحيانًا في تحقيق نتائج ملموسة. لكن لا يمكن اعتبار ذلك نجاحًا كاملًا في "استعادة الثقة".
الثقة ليست نتيجة خدمات فقط، بل نتيجة شعور مستمر بأن الدولة حاضرة وعادلة وشفافة. وحتى الآن، لا يزال هذا الشعور هشًا، رغم وجود بوادر يمكن البناء عليها.
إن الطريق نحو إعادة بناء الدولة هو طريق طويل، ولا يمكن أن يُنجز في سنة أو سنتين. لكنه يبدأ بخطوة أساسية: الاعتراف بأن سوريا ما بعد الحرب ليست سوريا ما قبلها، وأن الدولة التي تريد أن تستعيد دورها يجب أن تعيد هيكلة نفسها، لا أن تطلب من الناس التكيف مع السيء.
وبعد عام على تحرر سوريا، يمكن القول إن مؤسسات الدولة في مرحلة "الاختبار الأول". الناس تنتظر ما هو أبعد من تحسينات خدمية: تنتظر رؤية واضحة، خطابًا صريحًا، عدالة محسوسة، محاكمات علنية لمن تورطت أيديهم في المجازر الأخيرة، ومؤسسات تعمل لا بوصفها سلطة فقط، بل بوصفها شريكًا للمجتمع.
الثقة ليست قرارًا سياسيًا ولا مجرد إنجاز إداري. إنها علاقة تُبنى. وحتى الآن، البناء بدأ، لكنه لا يزال في أولى درجاته.
الكلمات المفتاحية

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة




