عام على إسقاط النظام: تفكيك إرث الاستبداد وبناء سوريا الجديدة
10 ديسمبر 2025
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر الجاري، حلّت الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد وتحرير سوريا من استبداده الذي استمر لعقود طويلة، وهي ذكرى لا يمكن اختزالها في طقوس احتفالية أو شعارات مكررة، بل تمثل لحظة فاصلة في تاريخ السوريين، حيث تتقاطع الإرادة الشعبية مع الواقع السياسي والاجتماعي المعقد.
ومن هذا المنطلق، تفرض هذه الذكرى علينا الوقوف عند حجم المعاناة التي تكبدها الشعب، إذ إن التحرر لم يكن هدية أو حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة صراع طويل ومستمر ضد قوى حكمت البلاد بالقهر والسيطرة المطلقة على كل مفاصل الحياة. ولذلك، فإن قراءة هذا اليوم يجب أن تكون واقعية، بحيث توازن بين الاعتراف بما تحقق وبين التحديات الحقيقية التي ما تزال قائمة، بعيدًا عن أي محاولة لتجميل الماضي أو تضخيم الانتصار بطريقة سطحية.
الاستبداد: إرث ثقيل
قبل عام من اليوم، كانت سوريا تعيش تحت قيد الاستبداد الذي لم يترك شيئًا إلا وأثّر فيه بشكل مباشر، سواء على مستوى السياسة، أو الاقتصاد، أو الثقافة، أو الحياة اليومية للمواطنين. إذ لم تكن القوانين أو المؤسسات سوى أدوات لتثبيت سلطة النخبة الحاكمة، وللسيطرة على المجتمع بكل أبعاده، بينما كان أي تعبير عن الرأي أو محاولة لتحدي الوضع القائم يُقابل بالتهديد والملاحقة والملاحظة الدقيقة لكل خطوة يقوم بها الأفراد.
الذكرى فرصة لإعادة تقييم اتجاهات المستقبل، بعيدًا عن الخطاب الاحتفالي، وبالتركيز على تأسيس منظومة قادرة على حماية الحقوق وترسيخ الكرامة الإنسانية بوصفهما جوهر أي تحرر حقيقي
ومن هنا يمكن القول إن الثامن من ديسمبر يشكل لحظة مواجهة مباشرة بين إرادة الشعب وقوة نظام ظل يتحكم في مصيرهم لعقود، وهو ما يفسر لماذا كانت لحظة التحرر مهمة على المستوى الرمزي، ولأنها كذلك، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن حجم التحديات التي تراكمت خلال سنوات القمع الطويلة، والتي لم تختفِ بمجرد الانتهاء من السيطرة المباشرة للنظام.
الشعب: القوة الحقيقية
إن ما يميز هذه الذكرى الأولى هو أنها تذكر الجميع بأن القوة الحقيقية في أي عملية تحرير هي إرادة الشعب نفسه، وليس الشعارات أو الاتفاقيات السياسية العابرة. فعلى الرغم من الخوف المزروع في النفوس، استطاع السوريون خلال هذه السنوات أن يظهروا صمودًا مستمرًا، سواء من خلال الاحتجاجات السلمية أو المقاومة الاجتماعية والثقافية، أو حتى في الحياة اليومية التي تتطلب شجاعة للبقاء ضد نظام استبدادي حاول تحطيم كل مقومات الإرادة الفردية والجماعية.
ومن هنا، يمكن القول إن التحرر الذي تحقق ليس مجرد حدث رمزي، بل هو نتيجة تراكم إرادة يومية، ونضال مستمر، وتصميم على استعادة الكرامة الإنسانية، ولذلك فإن هذه الذكرى تُعد مناسبة للتفكير في معنى الحرية على المستوى العملي وليس النظري فحسب.
تحديات ما بعد إسقاط النظام
على الرغم من الرمزية الكبيرة للتحرر، فإن الواقع بعد عام من إسقاط نظام الأسد لا يمكن تجاهله أو تبسيطه، إذ ما تزال سوريا تواجه سلسلة من التحديات المعقدة والمتشابكة، والتي تتطلب تفكيرًا دقيقًا واستراتيجيات واضحة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس سليمة. فمن جهة أولى، وبرغم أهمية الإنجاز السياسي، تبرز الحاجة إلى إصلاح المؤسسات السياسية وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وهو أمر لا يتحقق بمجرد رحيل النظام، بل يحتاج إلى برامج متكاملة للعدالة والمساءلة والمصالحة المجتمعية.
ومن جهة ثانية، وبالتوازي مع المسار السياسي، تبقى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة مباشرة لعقود من الاستبداد، وما يزال المواطنون يكافحون لاستعادة الاستقرار المعيشي، فضلًا عن معالجة الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي تركتها سنوات القمع الطويلة.
ولهذا السبب، ومع الاعتراف برمزية اللحظة، فإن الذكرى الأولى لإسقاط النظام البائد يجب أن تُفهم بوصفها بداية رحلة طويلة، وليست نهاية للصراع أو الانتصار على الماضي، إذ أن الاستبداد قد يزول من السلطة المباشرة، لكنه يترك آثارًا عميقة تحتاج إلى مواجهة واعية وحقيقية.
الدرس الواقعي
الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الذكرى هو أن الحرية ليست حالة ثابتة أو إنجازًا مؤقتًا، بل هي مسؤولية مستمرة تتطلب وعيًا دائمًا وإرادة حقيقية للحفاظ عليها وتطويرها. ولهذا، فإن الاحتفاء باليوم نفسه لا يكفي، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لمراجعة الأخطاء، وتقييم ما تحقق، وفهم حجم التحديات التي تنتظر سوريا في المستقبل القريب، خاصة في مواجهة الموروث الثقافي والسياسي للاستبداد، والذي يمكن أن يظهر من جديد إذا لم يكن هناك يقظة مستمرة.
وعلى هذا الأساس، يتبيّن أن الشعب السوري، بوصفه العامل الرئيسي للتغيير، يجب أن يظل مشاركًا وفاعلًا في كل عملية إعادة بناء، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على مستوى المجتمع والثقافة والاقتصاد، لضمان ألا تكون الحرية مجرد ذكرى سنوية بلا مضمون حقيقي.
في الختام، تُظهر الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد أنها تتجاوز إطار الرمزية أو الاحتفال العابر، لتتحول إلى محكّ فعلي لمدى قدرة المجتمع على تحويل ما تحقق إلى مسار تاريخي مستدام. فهذه اللحظة لا تكتفي بالتذكير بأن الاستبداد، مهما بدا راسخًا، يظل قابلًا للانكسار أمام إرادة الشعوب، بل تؤكد كذلك أن الحرية ليست منحة تُقدَّم، بل مشروع يبنيه السوريون عبر التزام طويل الأمد وممارسة واعية للمسؤولية.
ومن خلال هذا الإدراك، تصبح الذكرى فرصة لإعادة تقييم اتجاهات المستقبل، بعيدًا عن الخطاب الاحتفالي، وبالتركيز على تأسيس منظومة قادرة على حماية الحقوق وترسيخ الكرامة الإنسانية بوصفهما جوهر أي تحرر حقيقي. وهكذا، يغدو هذا اليوم ليس نهاية مسار، بل نقطة انطلاق نحو بناء مجتمع يمتلك أدوات الدفاع عن مكتسباته، ويستطيع صون الحرية باعتبارها ركيزة دائمة للحياة السياسية والاجتماعية في سوريا.
الكلمات المفتاحية

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة




