عام على تحرير سوق السيارات: استنزاف للنقد الأجنبي وازدحام مروري ومخاطر بيئية متزايدة
13 ديسمبر 2025
تتنوع مآلات لجوء قرار الحكومة الجديدة إلى تحرير سوق السيارات في أبعاد مختلفة، منها ما يتعلق باستنزاف رؤوس الأموال والقطع الأجنبي، أو ما يتمثل بالتحديات التنظيمية الناتجة عن الشوارع الضيقة ومحدودية البنية التحتية. بينما يمكن أن تعزز ظاهرة سيارات الدفع الرباعي الفوارق الاجتماعية بين السوريين.
قرار قائم على المصالح والاعتبارات
وفي حديثه لـ"الترا سوريا"، يعتقد الباحث في مركز عمران للدراسات، أيمن الدسوقي، أن قرار تخفيف القيود المفروضة على تجارة السيارات كان متسرعًا ومدفوعًا بمروحة من المصالح والاعتبارات، منها ما يتصل بمصالح تجار السيارات، ومنها ما يتعلق بإظهار إحداث قطيعة مع سياسات نظام الأسد الاقتصادية.
ويرى أن مؤشرات التسرع في اتخاذ القرار يؤكدها غياب دراسات موضوعية لقدرة البنية التحتية المتهالكة على التحمل، والأثر الاقتصادي المترتب على استنزاف مدخرات في قضايا ذات أثر محدود على تحريك عجلة الاقتصاد، فضلًا عن تناسي الأثر السلبي لهذا الكم من السيارات على البيئة.
استنزاف القطع الأجنبي
بعد تحرير سوق السيارات ورفع القيود المفروضة في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، شهدت المدن السورية تدفقًا سريعًا للسيارات الحديثة، بعد سنوات بقيت فيها أحدث سيارة متاحة تعود لعام 2011 بسبب العقوبات.
الخبير الاقتصادي، محمد الفتيح، يوضح لـ"الترا سوريا" تداعيات التدفق الواسع للسيارات إلى السوق المحلية، مؤكدًا أن التوسع بالاستيراد يشكل بالدرجة الأولى استنزافًا لرؤوس الأموال وللنقد الأجنبي.
ولا توجد حتى الآن إحصاءات حديثة وواضحة تظهر حجم السيارات التي دخلت إلى سوريا منذ سقوط النظام. ففي نيسان/أبريل 2025 أعلنت وزارة النقل استيراد 100 ألف سيارة منذ سقوط النظام. فيما تقول الصحافة التركية إن 150 ألف سيارة جديدة ومستعملة تم استيرادها عبر تركيا إلى سوريا في النصف الأول من 2025. كما ذكرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في تموز/يونيو أن 212 ألف سيارة مستعملة تم تسجيل دخولها إلى البلاد.
وبناء على هذه الأرقام التقريبية، يرى الفتيح أنه من غير المستبعد أن يصل عدد السيارات المستعملة والجديدة التي دخلت سوريا خلال العام الأول التالي لسقوط النظام إلى 300 ألف سيارة، والتي قد تبلغ تكلفة استيرادها عدة مليارات من الدولارات، وذلك في الوقت الذي يتوقع أن يبلغ إجمالي الصادرات السورية ما بين 1 و1.5 مليار دولار في 2025.
ويؤكد الفتيح أن هذه المعطيات تعني أن فاتورة استيراد السيارات ستتم تغطيتها من مدخرات السوريين في الداخل ومن الحوالات الخارجية. علمًا أن فاتورة استيراد السيارات، خصوصًا المستعملة منها، لم تظهر بوضوح بعد. فقسم كبير من السيارات المستوردة لا يزال ينتظر عملية بيعه من التجار إلى المستخدمين النهائيين؛ وما أن تتم عملية البيع حتى يتم إخراج النقد الأجنبي لتمويل استيراد سيارات أو بضائع جديدة.
هل تتحول سوريا إلى مكب للسيارات المستعملة؟
الجانب الأكثر إثارةً للقلق يتعلق باستيراد السيارات المستعملة، والتي تناسب القدرة الشرائية للسوريين. ولفت محمد الفتيح إلى أن تضخم استيراد السيارات المستعملة من دون قيود أو تخطيط يمكن أن يقود لنتائج سلبية، تشبه ما ظهر في العديد من دول القارة الأفريقية التي تستأثر بحوالي ربع التجارة الدولية للسيارات المستعملة؛ حيث تحولت إلى مكب للسيارات المستعملة الأوروبية والأميركية والآسيوية، الأمر الذي يحولها إلى مصدر لأخطار بيئية وصحية مباشرة وغير مباشرة، بما في ذلك ارتفاع نسبة حوادث السيارات.
في المقابل، يؤكد الفتيح أن استيراد السيارات المستعملة بحد ذاته قد لا يكون مشكلة، وذلك في حال توفرت ضوابط تقنية وبيئية على الاستيراد، فضلًا عن ضوابط على استخدام هذه السيارات، بما يتناسب مع متطلبات السلامة العامة والطرقية.
ويشير إلى تجربة بولندا في هذا المجال، التي مع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في 2004 وحتى 2020 دخل إليها حوالي 14 مليون سيارة مستعملة، خصوصًا من غرب أوروبا، علمًا أن عدد سكان بولندا تراوح خلال هذه الفترة بين 34 و38 مليون نسمة فقط. خففت بولندا من التأثيرات السلبية لاستيراد السيارات المستعملة عبر فرض قيود تقنية على مواصفات السيارات المستعملة عند الاستيراد وخلال الاستعمال لاحقًا، وذلك عبر إلزامية الفحص الدوري.
كما تم تحديد مناطق يمنع فيها استخدام السيارات ذات الانبعاثات الكربونية المرتفعة، بالإضافة إلى إطلاق برامج لتشجيع البولنديين على التخلص من السيارات القديمة وذات المواصفات البيئية المنخفضة. وما شجع على نجاح هذه البرامج، هو أنها كانت مدعومة ومفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي نفسه.
وبما أن القيد التقني الوحيد على السيارات المستوردة يتعلق بتاريخ التصنيع، وليس بمواصفات السيارة نفسها من حيث حجم المحرك والانبعاثات الكربونية الناجمة عن تشغيله، فإن الخطر الحالي على بلد مثل سوريا هو قربها من السوق الأوروبي، الذي يمر بمرحلة انتقالية يتم فيها التخلص من السيارات ذات المواصفات البيئية السيئة، وذلك مع اقتراب العام 2030، الذي يتوقع أن يشهد حظر بيع السيارات العاملة بالوقود الأحفوري في الأسواق الأوروبية.
تحديات تنظيمية وأزمات مرورية خانقة
تعد الشوارع الضيقة في المراكز الحضرية التي تعجز عن استيعاب السيارات الأكبر حجمًا، التحدي الأكبر لتدفق السيارات المستعملة إلى السوق، لا سيما في ظل غياب تنظيم مواقف حديثة، ما يفجر اختناقات مرورية يومية في مختلف المدن.
يلفت الباحث أيمن الدسوقي إلى وجود حلول عملية للتخفيف من حالة الازدحام، منها تنظيم دخول السيارات إلى المدن وفق نظام أرقام اللوحات، بحيث تكون هنالك أيام مخصصة للسيارات ذات اللوحة التي تبدأ برقم فردي وأيام أخرى للسيارات التي تبدأ برقم زوجي.
ومن جملة الحلول التي يوردها الدسوقي: فتح باب الاستثمار لبناء مرائب للسيارات داخل المدن، إلى جانب ضرورة إخراج السيارات القديمة من الخدمة مقابل مزايا تمنحها الدولة، فضلًا عن تحسين واقع النقل العام من حيث الجودة والسعر ونطاق الخدمة، بما يقلل الاعتماد على السيارات الخاصة.
وفي السياق نفسه، يرى ضرورة إصدار قرار بإيقاف مؤقت للاستيراد لحين تنظيم قطاع النقل، بما يتطلبه من إعادة تخطيط المدن وإصلاح البنية التحتية للطرقات ونظام النقل العام.
من جانبه، يوضح محمد الفتيح أن الحلول المتاحة للتعامل مع هذا الوضع يمكن أن تكون عبر فرض قيود أو رسوم على دخول السيارات إلى بعض الشوارع وذلك لتجنب الاختناقات المرورية.
ويضيف بأن هذه القيود يمكن أن تكون عبر تحديد أوقات معينة لدخول بعض أنواع السيارات، أو عبر حظر دخول سيارات معينة إلى بعض الشوارع، التي يوجد فيها احتمال عالٍ لحصول الاختناقات المرورية، وبالتالي يتم تحفيز السائق على اختيار مسارات بديلة وإن كانت أطول. كما يمكن المقارنة هنا مع تجارب الدول الأوروبية، فالعديد من العواصم الأوروبية تفرض رسومًا على دخول السيارات إلى بعض المراكز الحضرية المزدحمة، خصوصًا السيارات غير الكهربائية.
تعزيز الفوارق الطبقية
من جهة أخرى، يتسم تدفق السيارات، خصوصًا ذات الدفع الرباعي ببعد اجتماعي، حيث يمكن أن يفاقم اتساع ظاهرة استخدام سيارات الدفع الرباعي الشعور بوجود فوارق اجتماعية وطبقية بين السوريين.
يرى الفتيح أن الكثير من السوريين يعتقدون أن اقتناء هذه السيارات لا علاقة حقيقية له باحتياجات المستخدمين في سوريا، لكنه يعبر عن نمط استهلاكي معين أو أنه محاولة لتقليد ما يحصل في الخليج العربي. وهذا الاعتقاد ليس خاطئًا تمامًا، إذ يمكن هنا المقارنة بين ألمانيا ودول الخليج العربي من حيث استخدام سيارات الدفع الرباعي أو السيارات الكبيرة المعروفة بفئة (SUV). ففي ألمانيا – عملاق صناعة السيارات الأوروبي – تقدر نسبة هذه السيارات بحوالي 30%، بينما تصل النسبة في الإمارات إلى حوالي 45% وفي قطر إلى 50%. ومن الصعب إنكار أن اقتناء هذه الفئة من السيارات مرتبط في الذهن العربي بتفاصيل الثراء والرفاهية.
ويرى الفتيح في ختام حديثه لـ"الترا سوريا" أن المراحل الأولية لأي خطة شاملة تتعلق بهذا القطاع يجب أن تأخذ بعين الاعتبار تفاصيل التأثير على رأس المال، استنزاف النقد الأجنبي، السلامة بالنسبة للمستخدمين، والتأثيرات على مصادر وأسعار الوقود. ويؤكد أن التخطيط المروري الجديد وشبكات الطرق هي تفاصيل تتعلق بالمراحل النهائية من خطط استيراد السيارات الجديدة والمستعملة.
الكلمات المفتاحية

العملة الجديدة: خطوة نحو الاستقرار أم مصدر جديد للمخاوف؟
العملة التي يُفترض أن تكون أداة استقرار وثقة، تحوّلت في وجدان السوريين إلى مصدر هواجس مشروعة، تتراوح بين الخوف والشك

"شيفرون" ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي
يستعرض التقرير أبعاد دخول "شيفرون" إلى منطقة الساحل اقتصاديًا وسياسيًا، ودلالاته على الطاقة والاستقرار الإقليمي مستقبلًا المحتمل القادم

السوق السوداء للمحروقات.. اقتصاد ظلّ يستنزف خزينة الدولة ويثقل كاهل السوريين
يرصد التقرير انتشار تجارة المحروقات في السوق السوداء بعد سقوط النظام وتأثيرها المباشر في خزينة الدولة وجيوب السوريين

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


