عام على تموز السويداء الدامي.. ما الذي تبقى من "خارطة الطريق"؟
15 يوليو 2026
عام مضى على أحداث السويداء الدامية. الجرح لم يلتئم بعد، والاستعصاء لا يزال قائمًا، حتى نبدو وكأننا في "حرب خنادق" عقيمة، حيث لا حسم عسكري ولا مكان لمبادرة سياسية للحل.
ولقد عول البعض على "خارطة الطريق"، التي أعلنتها وزارة الخارجية السورية في 16 أيلول/ سبتمبر 2025، والموقعة من قبل الولايات المتحدة والأردن، إلى جانب الحكومة السورية. ولكن الخارطة كانت إعلانًا وحسب، إذ لم تقطع أي خطوة في طريق التنفيذ، بل إن الكلام عنها راح يتناقص حتى تبخر تمامًا.
فهل ما زالت الخارطة، المجمدة في ثلاجة الانتظار، صالحة كإطار للحل، أم أن الأحداث تجاوزتها وصار لزامًا البحث عن خطة بديلة؟
خطة بهدف الإحراج
يرى الصحفي عبسي سميسم أن خارطة الطريق، التي أعلنت عنها الحكومة السورية، كانت أول تحرك لها تحت غطاء دولي سياسي أردني ــ أميركي، كما تضمنت إشراك أطراف دولية في التحقيق بالجرائم التي ارتكبت، ولكنها كانت تقوم على ثابت هو وحدة الأراضي السورية، في الوقت الذي كان فيه الفريق الذي يقوده حكمت الهجري يبني مواقفه على هدف شبه وحيد هو الانفصال والحماية الدولية.
ويضيف سميسم، في حديث لـ "الترا سوريا": لذلك أعتقد أن الحكومة السورية كانت تدرك أن مبادرتها ستقابل بالرفض من الطرف الآخر، فقدمتها بهدف إحراجه أكثر من كونها تريد تقديم حل ستعمل على تنفيذه. بدليل أن تطبيق الكثير من بنود خارطة الطريق لا يتطلب بالضرورة موافقة الطرف الآخر.
ويعدد سميسم بعض هذه البنود: إجراء تحقيق فعلي بالجرائم، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات من طرفها، وتأمين طريق دمشق للمدنيين.
ويقول: باختصار الحكومة لم تأخذ دورها كدولة في أحداث السويداء، وإنما ظهرت كطرف، الأمر الذي ساعد الهجري على استقطاب حتى معارضيه من الدروز، مشيرًا إلى أن المبادرة، بصيغتها النظرية، كانت ولا تزال صالحة للحل في حال توفر النية للحل لدى الطرفين.
من جانبه، يعتقد المحامي والناشط السياسي حسن رفاعة أن مبادرة خارطة الطريق لم تتعد كونها إعلانًا للأسف. ولم يُمهد لها بما تستحق من اهتمام، علمًا أنها من حيث المبدأ انطوت على دور في التأسيس لحل أزمة السويداء، بل ولحل الأزمة الوطنية في سوريا عمومًا.
ويقول لـ "الترا سوريا": كان المطلوب، بعد إعلان وثيقة خارطة الطريق، تخديم هذا الإعلان إعلاميًا بروح المصالحة الوطنية، والابتعاد عن خطاب الغلبة الذي روج له الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وهذا ما جعل الاهتمام بها ضعيفًا.
ويلاحظ رفاعة أنه ربما يكون شكل عرض المبادرة وطريقة الإعلان عنها يعبران عن مدى جدية الحكومة في إيجاد الحلول، سواء للسويداء أو لغيرها. مضيفًا أن من يسيطر على القرار في السويداء غلّب السياسي على الوطني، وبالمقابل الحكومة غلّبت الحل الأمني على السياسي والوطني.
ويتابع: لا بد من أن تتمتع السلطة في دمشق بعقل سياسي يرسم إطارًا وطنيًا للحل، لا يرضي أهل السويداء فقط، بل وشرائح واسعة من السوريين أيضًا، و"خارطة الطريق" تتوفر على الكثير من البنود التي تنسجم مع توجه مفترض كهذا، كما إنها تحظى بمظلة دولية وإقليمية عربية مناسبة. وكذلك لا بد لأصحاب القرار في السويداء من أن يتبنوا قراءة موضوعية لظروف المحافظة وحاجات أهلها الفعلية ومعاناتهم، مع تفهم للسياق العام المحلي والدولي، ولحقيقة الإمكانات التي يملكونها..
ويخلص رفاعة إلى القول: بتبني قراءة عقلية واقعية يمكن، بداية، تبريد الرؤوس الحامية من الطرفين.
مسؤولية التعطيل: التراشق بالاتهامات
من، وما الذي عطل خارطة الطريق بشأن السويداء؟ تُحمّل الحكومة فريق الهجري في السويداء مسؤولية التعطيل، ولكن البعض يقول إن الحكومة بالمقابل اكتفت بمجرد التوقيع ولم تسع إلى تنفيذ بنود الخارطة على نحو جاد. لا يزال طريق السويداء ــ دمشق، مثلًا، غير آمن تمامًا، حيث توجه الاتهامات للأمن العام بأنه لم يلعب دوره المنتظر في حماية حركة المدنيين على الطريق، وهو ما كان بندًا أساسيًا في الخارطة.
يقول الصحفي عبسي سميسم إن تعطيل الحل عبر خارطة الطريق يعود إلى عدة عوامل: تصلب موقف الهجري المدعوم إسرائيليًا، وعدم قدرة الحكومة على استقطاب أي من التيارات الوطنية داخل السويداء، والتعاطي مع سكان السويداء وكأنهم حزب واحد، وعدم وجود نية حقيقية لدى الحكومة للحل ما تجلى بعدم اتخاذ خطوات جدية لكسب ثقة السكان الذين لا يتبنون طرح الهجري، والمراهنة على الوقت في كسر الطرف الآخر.
ويؤكد المحامي والناشط السياسي، حسن رفاعة، وجود مسؤولية مشتركة في التعطيل، ويرى أن الحكومة تتحمل النصيب الكبير من المسؤولية لأنها لا تزال تبدي التجاهل لمطالب أهالي السويداء المشروعة، وأهمها إنهاء أزمة المهجرين من قراهم، مشيرًا إلى إنها مهتمة بالضغط على الهجري عبر اللعب بأوراق عديدة (منها ورقة البدو)، بدلًا من اهتمامها بتقديم حل وطني يقوم على الاعتراف بالخطأ والإقرار بالأذى الذي لحق بمواطني السويداء نتيجة الحل الأمني واستقدام فزعة العشائر، وما نجم عن ذلك من خسائر هائلة بالأرواح والأملاك، إضافة إلى التهجير.
ويقول رفاعة إن الانفتاح على مطالب وهموم ومخاوف أهل السويداء، سوف يؤسس للحل الوطني، ويسحب الحجج الذرائع التي تستغل معاناة الناس هناك، للدفع إلى تعبئة انعزالية وتسعير الانتماء والشعور الطائفي. وإن الاستجابة لحاجات السكان الأمنية والمعاشية والاجتماعية من شأنها أن تحاصر اندفاع قطاع محدود ممن يروج أن إسرائيل هي الضامن لأمنه وحياته.
توافق على عدم الحل؟!
بالارتباط مع ما سبق، ثمة من يقول بأن تجميد الخارطة، وربما التراجع عنها تمامًا، هو مصلحة مشتركة بين الحكومة وتيار الهجري في السويداء. كلاهما يريد ما هو أكثر من الخارطة. الهجري لا يريد العودة إلى سوريا في ظل السلطة الحالية ويراهن على إمكانية الاستقلال المدعوم من بعض الأطراف الإقليمية (إسرائيل تحديدًا). والحكومة ترغب بإدماج السويداء وفق نموذج الدولة المركزية، ودون إعطاء المحافظة أي وضع خاص قد يغدو نموذجًا معديًا لأقاليم ومناطق أخرى.
يؤيد المحامي والناشط السياسي حسن رفاعة هذا الطرح، ويجيب بالقول: نعم هو كذلك. هناك نوع من التوافق على التعطيل بين طرفي الأزمة، ويستدرك: هذا إذا لم نتحدث عن اتفاق من تحت الطاولة بين الحكومة، أو دوائرها الممسكة بالملف، من جهة، وبين أصحاب القرار قي السويداء، الهجري ومن يواليه باختلاف مسمياتهم، من جهة ثانية.
ويضيف: تعطيل خارطة الطريق صنعه طرفان، هما سلطة دمشق والهجري، وكلاهما يستقوي بداعمه الإقليمي والعربي والدولي. وهناك إسرائيل وهيمنتها على مسار الأحداث وعلى الحدود في سوريا ولبنان، مما يعزز المراهنة من طرف الهجري على دور لإسرائيل في الخروج من أزمته.
ويشير رفاعة إلى أن كثيرًا من السوريين يرون أن استجابة السلطة لمطالب السويداء في إدارة لامركزية موسعة هو الحل الوطني الديمقراطي لكل سوريا، وليس تنازلاً للسويداء. إنه المخرج من الأزمة الوطنية السورية بكل تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا الحل، إن حصل، سيكون الضمان لمشاركة أوسع فئات الشعب وقواه السياسية والمدنية، وهو في نفس الوقت تعزيز لدور المركز في إدارة البلد.
الدور الإسرائيلي
هل الحل في السويداء مرهون، كما يرى كثيرون، بالتوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والحكومة السورية؟ وفي هذا السياق هناك من يقول إن الجنوب اللبناني صار جزءًا من حل مشكلة السويداء، فإذا وافقت الحكومة السورية على التدخل العسكري للمساهمة في نزع سلاح حزب الله، فأولى المكافآت ستكون في ملف السويداء.
يؤكد عبسي سميسم أن الحل في السويداء مرتبط بشكل وثيق بموضوع الاتفاق بين الحكومة السورية وإسرائيل، لافتًا إلى أن إسرائيل تستخدم قضية السويداء لتحسين أوراقها التفاوضية بهدف الوصول إما لاتفاق أمني وفق الشروط الإسرائيلية، أو لاتفاق تطبيع منفرد بشروطها، مستغلة انهيار منظومة الدفاع الجوي السورية بالإضافة إلى أزمة السويداء، فيما تعول الحكومة السورية على ممارسة الولايات المتحدة ضغوطًا كافية للتوصل لاتفاق أمني دون تقديم الكثير من التنازلات.
وبالتالي ــ يتابع سميسم ــ فإن أي تطور في موضوع اتفاق الحكومة السورية مع إسرائيل سينعكس بشكل مباشر على قضية السويداء.
أما عن موضوع مساهمة الحكومة السورية في نزع سلاح حزب الله، فيعتقد سميسم أنها فكرة أميركية، وعلى الأرجح هي فكرة لا تروق للحكومة الإسرائيلية، كما أن الحكومة السورية تبذل قصارى جهدها لعدم التورط بهذا الأمر.
أما حسن رفاعة فيعتقد أنه يمكن للسوريين الخروج من دائرة الصراع الدولي الإقليمي على بلادهم، أو على الأقل التقليل من حجم وتأثير هذا الصراع، إذا امتلكوا الإرادة في إنجاز حل سياسي وطني، يتمثل في مؤتمر وطني سوري شامل يشترك فيه الجميع من خلال ممثليهم السياسيين، وصولًا لإنتاج مشروع دستور ديمقراطي تقره جمعية تأسيسية، وينتقل بنا نحو سلطات منتخبة. حينها، يمكن أن يكون للسوريين، سلطة وشعبًا، دور في قرار يجنبنا التورط مجددًا في المستنقع اللبناني وآثاره الكارثية على لبنان وسوريا معًا، ويقوي موقفنا اتجاه الأطراف الدولية الإقليمية التي تتدخل في الشأن السوري، ويجعل المراهنة على أي دور إسرائيلي أمرًا لا جدوى منه.
الكلمات المفتاحية
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره