عدالة النفايات بين الركام والقمامة: كيف تحولت الأزمة البيئية إلى أزمة اجتماعية؟
7 ديسمبر 2025
قدّم عالم النفس الاجتماعي في جامعة "ستانفورد"، فيليب زيمباردو، تجربة مثيرة في العام 1969، حيث ترك سيارتين متطابقتين تمامًا من دون لوحات ترخيص؛ الأولى في حي فقير ومضطرب في (برونكس – نيويورك، مثل جرمانا أو حي الزهور في دمشق، والصاخور أو السكري في حلب)، والثانية في حي راقٍ وآمن في (بالو ألتو – كاليفورنيا، مثل أبو رمانة أو الشهباء في الحالة السورية).
في برونكس، وخلال 10 دقائق، بدأ المارة بسرقة السيارة وتخريبها، وفي أقل من 24 ساعة دُمرت تمامًا. بينما بقيت السيارة في بالو ألتو سليمة لأكثر من أسبوع دون أن يمسها أحد. وبعد أسبوع، كسر زيمباردو بنفسه نافذة السيارة في بالو ألتو بمطرقة، وخلال ساعات قليلة فقط بدأ سكان الحي الراقي نفسه بتخريب السيارة وسرقتها حتى أصبحت حطامًا مثل الأولى. وقد توصل العالم لنتيجة مفادها: إن كسر أول نافذة (أو أي علامة اضطراب مرئية) يرسل إشارة "لا أحد يهتم هنا"، فيبدأ الناس العاديون أنفسهم بالمشاركة في التخريب والجريمة.
هل يمكن إسقاط هذه التجربة على المشاكل التي تعانيها المدن السورية اليوم من تراكم القمامة بشكل مفزع، إلى التأخر في ترحيل الركام الذي خلفته الحرب الطويلة، والتلوث الذي طال كل البيئة السورية، وأصبح يهدد الحياة في أغلب المدن والأرياف؟ وكيف يمكن للحكومة التخلص من هذا الواقع المزري الذي وصلت له مدننا وأريافنا ومخيماتنا على حد سواء؟
الوضع البيئي
يعاني السوريون اليوم كارثة بيئية بكل المقاييس، ويمكن الاستدلال على حجمها من خلال:
تدهور عام في الحوكمة البيئية: فسنوات الحرب أضعفت مؤسسات الإدارة المحلية والإشراف البيئي، حيث توقفت خدمات التخلص من النفايات أو تراجعت في كثير من المدن، وغدت أنظمة الصرف الصحي والبُنى التحتية البيئية بالمجمل متهالكة.
الوضع البيئي في سوريا بعد سنة من سقوط النظام ما زال خطيرًا ومتشعبًا، فتراكم النفايات والركام والتلوث الهوائي والنفطي والمواد الخطرة تشكل تهديدًا للصحة العامة والاقتصاد الزراعي وإعادة الإعمار
انتشار مكبّات عشوائية ونفايات صلبة: ما أن تدخل جرمانا – التي تحتضن حوالي المليوني شخص حسب بعض المصادر – حتى تصادفك أكوام من القمامة المرمية هنا وهناك، ومع أن طول بعض الحاويات يصل إلى أكثر من 4 أمتار، إلا أنها ممتلئة دومًا وتفيض على جوانبها بجميل الألوان والروائح، حتى تكاد يغمى عليك من عبير هذه العطور! وفي حي السكري بحلب، الحال أجمل وأعلى، وقد ترغب في تسلق جبال القمامة الشاهقة كي تكحل عينك بجمال المنظر الآسر!
ظلم في توزيع خدمات النظافة
في هذا السياق، تقول أمل .م، من سكان جرمانا، لموقع "الترا سوريا": "نحن مضطرون إلى الدفع لعمال النظافة كي يرحّلونها من الحارة، وما أن نقطع حارتنا حتى نرى حاوية ضخمة تكاد روائحها تقتلننا، وسيارة النظافة لا تأتي دومًا، وأحيانًا تغيب لأيام، ما يجعل القمامة تصل إلى الشارع وقد تعرقل السير أحيانًا".
في المقابل، يقول رامي .ع، لـ"الترا سوريا": "عملي في المالكي، كل يوم أرى الظلم في توزيع الخدمات بين أحياء دمشق ( فقوس وخيار)، فشوارعهم نظيفة وتفتح النفس، وعمال النظافة يلتقطون حتى أعقاب السجائر، فما الذي يمنع أن يكون الوضع مماثل لدينا؟". حتى أبو حسن، وهو عامل نظافة في جرمانا، يتمنى أن يعمل في المالكي أو المهاجرين أو أبو رمانة، لافتًا إلى أن "المردود أفضل بكثير".
أما الفنان التشكيلي، يحيى .م، وهو من سكان مدينة حلب، فيرى أن جبال القمامة التي تنتشر على جوانب بعض الشوارع في العديد من أحياء المدينة مؤذية للنفس، كما أنها تسبّب تلوثًا بصريًا أكثر من رائحتها النتنة والذباب والبعوض الذي يعشش فيها. ويضيف متهكمًا: "في حلب نطالب بالمساواة في توزيع القمامة، فليس من العدل أن يُحرم سكان الأحياء الغربية والسليمانية والجميلية هذه المناظر الخلابة والروائح العطرة!".
مخاطر صحية وبيئية
أدى تراكم النفايات الصلبة في أطراف المدن أو في المدن نفسها (على سبيل المثال، المكب خلف جامع ضرار بن الأزور في منطقة باب شرقي بدمشق)، وعلى ضفاف الأنهار، وانخفاض جمع النفايات إلى زيادة الحشرات والأمراض وتلوّث التربة والمياه السطحية. وقد وثقت العديد من التقارير المحلية والدولية تصاعد مشكلة مكبّات القمامة، وتحوّلها إلى مخاطر صحية وبيئية خطيرة، من بينها:
كمّيات هائلة من الأنقاض (الركام): لم تخلف البراميل المتفجرة والصواريخ وقذائف الدبابات مئات آلاف الضحايا فحسب، بل خلّفت مدن مدمّرة وملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض؛ جزء كبير منها لا يزال متراكمًا أو مغطّى في مواقع قريبة من المساكن أو مجاري المياه، ما يسبّب حواجز تنظيفية ومشكلات بيئية (غبار، انسداد مجاري، حرائق مكبّات). ولا بد من معالجة هذا الركام كشرط أساسي قبل إعادة الإعمار والحدّ من التلوث.
مواطن تلوث خطيرة ومختلفة: لقد أدى استهداف البنية التحتية (محطات نفط، مصافي، مخازن كيميائية) إلى تسرّبات زيتية ومخاطر مواد خطرة؛ وهناك مخاطر ناجمة عن مخلفات الحرب (ذخائر غير منفجَرة، ملوثات ناتجة عن احتراقات) قد تلوّث التربة والهواء، فضلًا عن أنها تودي بحياة الأبرياء يوميًا تقريبًا.
محدودية القدرات والتمويل: إن نقص أدوات المعالجة، وغياب مصانع فرز/تكسير الأنقاض، وصعوبات الوصول إلى التمويل الدولي أو الآليات المضمونة يجعل التقدّم بطيئًا إلا مع تنسيق دولي وإقليمي مركز.
وسائط النقل مصدر أساسي لتلوث الهواء: تتميز سوريا باعتمادها على وسائل نقل قديمة يعود بعضها لفترة الستينيات، وهذه السيارات تثقل الهواء يوميًا بأطنان من الدخان الملوث، وخاصة إذا كان الوقود غير مراقب ومحصول عليه من محطات التكرير غير النظامية، ما يزيد من احتمال الإصابة بالأمراض التنفسية، وبعض السرطانات.
إن هذه المشاكل التي تعاني منها البيئة أدت إلى تلوّث الهواء والمياه الجوفية والسطحية، بسبب تصريف النفايات ومكبات القمامة القريبة من مصادر المياه، ما أثر على الصحة العامة، فانتشرت الأمراض الجلدية والتنفسية. كما تشير العديد من التقارير إلى احتمالية أن يكون ذلك سببًا أساسيًا في زيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب والرئتين وأمراض السرطان التي بلغت مستويات قياسية غير مسبوقة سواء بعدد الإصابات أو عدد الوفيات.
حلول يمكن تطبيقها تناسب الواقع السوري
هناك عدد من الحلول التي قد تكون الأفضل لواقع بلد عانى من الحرب لفترة طويلة مثل سوريا، بحيث يمكن تحويل المشكلة إلى جزء أساس من الحل، منها:
إدارة الأنقاض (الفرز/التكسير وإعادة الاستخدام): حيث يتم فرز الأنقاض في مصدرها (حجر، خرسانة، حديد، خشب، مخلفات خطرة)، ثم تكسير الخرسانة لإنتاج ركام مُعاد استخدامه كبديل لحصى الأساسات والطرق والخرسانة الخفيفة، وهذا يخفّض حاجات الاستيراد ويقلّل المكبّات.
مراكز معالجة متنقلة: حيث يتم تشغيل وحدات تكسير وفرز متنقلة بالقرب من المناطق المتضررة، لتقليل النقل المكلف وخطر تراكم الركام. وتسهم هذه المراكز في تسريع تحرير الأراضي، وتخلق مواد بناء محلية، وتخفض التلوث (أقل نقل، أقل حرق غير منظم).
إقرار وإدارة مكبّات منظمة مؤقتة وممرات نقل آمنة: أي وضع مواقع مكشوفة ومسيّجة مخصصة لاستقبال النفايات الخطرة وغير الخطرة مع فرز أولي، ومنع الحرق العشوائي الذي يتسبّب بانتشار الغازات السامة والمؤذية للجهاز التنفسي، بسبب احتواء هذه المكبات على نسب كبيرة من العبوات والأدوات البلاستيكية.
التعامل مع المواد الخطرة ومخلفات الحرب: الإسراع بوضع خريطة دقيقة للمواقع الملوّثة، ثم أولوية تنظيف المواقع التي تهدّد المياه أو التجمعات السكنية، والتعاون مع فرق إزالة الذخائر وفرق متخصصة في التخلص الآمن من المواد الكيميائية والنفطية.
الحلول الطبيعية وتقنيات منخفضة التكلفة: في حال المواقع متوسطة الملوثات، يمكن استخدام أنواع نباتية ماصة للمعادن الثقيلة أو تقنيات التربة المغسولة محليًا كحلول تكميلية رخيصة في المدى المتوسط.
إعادة تشغيل خدمات الجمع وفرز النفايات وإدماج العمال غير الرسميين: لعل هذا الحل مطبق بالفعل في سوريا، وإن كان لأهداف لا علاقة لها بتخفيف التلوث، بل بفرص العمل التي كانت شبه معدومة أمام كثيرين قبل سقوط النظام، حيث يتم دمج منظّم لعمال جمع النفايات في برنامج رسمي مع حوافز، وتدريبات، ومراكز فرز لتقليل النفايات المرسلة للمكبات وخلق دخل.
آليات تمويل دولية/إقليمية هجينة ومشروعات تجريبية: يمكن جمع تمويلات من الجهات المانحة، مثل البنك الدولي، وصناديق خليجية/إقليمية لتمويل محطات تكسير، مراكز فرز، ومحطات معالجة للنفايات الصلبة والسائلة. وقد ذكرت خطوات كهذه في خطط إعادة الإعمار للشّرق الأوسط، مثل خطط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسوريا.
يمكننا القول أخيرًا إن الوضع البيئي في سوريا بعد سنة من سقوط النظام ما زال خطيرًا ومتشعبًا، فتراكم النفايات والركام والتلوث الهوائي والنفطي والمواد الخطرة تشكل تهديدًا للصحة العامة والاقتصاد الزراعي وإعادة الإعمار. اليوم، أمام الحكومة الجديدة فرصة حقيقية لتطبيق حلول فعّالة وميسّرة كإدارة الركام بالفرز والتكسير وإعادة الاستخدام، وإيجاد مراكز معالجة متنقلة، ومراكز للفرز، والتعاون متعدّد الأطراف لتمويل المشروعات. ويبقى المفتاح في بدء مشروعات تجريبية سريعة وقابلة للتمويل، تثبت الفائدة الاقتصادية والبيئية ثم التوسّع تدريجيًا مع ضمان الحوكمة والشفافية.
الكلمات المفتاحية

العملة الجديدة: خطوة نحو الاستقرار أم مصدر جديد للمخاوف؟
العملة التي يُفترض أن تكون أداة استقرار وثقة، تحوّلت في وجدان السوريين إلى مصدر هواجس مشروعة، تتراوح بين الخوف والشك

"شيفرون" ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي
يستعرض التقرير أبعاد دخول "شيفرون" إلى منطقة الساحل اقتصاديًا وسياسيًا، ودلالاته على الطاقة والاستقرار الإقليمي مستقبلًا المحتمل القادم

السوق السوداء للمحروقات.. اقتصاد ظلّ يستنزف خزينة الدولة ويثقل كاهل السوريين
يرصد التقرير انتشار تجارة المحروقات في السوق السوداء بعد سقوط النظام وتأثيرها المباشر في خزينة الدولة وجيوب السوريين

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


