عدالة مؤجلة: كيف تحولت العدالة الانتقالية في سوريا إلى أداة لتقنين الإفلات من العقاب
28 نوفمبر 2025
منذ سقوط النظام السابق في أواخر عام 2024، بدأ كثيرون يترقبون مرحلة جديدة كان يُفترض أن تؤسس لمسار عدالة انتقالية طال انتظاره. لكن الغضب الشعبي الذي انفجر حينها، لم يكن وليد لحظته، بل نتيجة أربعة عشر عامًا من القتل والتعذيب والإخفاء القسري والقمع والتهميش والانتهاكات المنظمة التي ارتكبها النظام السابق بحق السوريين.
هذا الغضب، الذي كان يجب أن يُستوعب ضمن إطار عدالة ومحاسبة، تُرك دون توجيه، وبدون أي ضوابط مؤسساتية. وبدل أن يُفتح الباب أمام مسار قانوني وأخلاقي يعالج هذا الإرث الدموي، تحول الغضب إلى أعمال انتقامية وانتهاكات وجرائم، سمح بها غياب المحاسبة وتفكك مؤسسات الدولة.
وقد ظهرت نتائج هذا الغضب بأشكال واسعة ومروعة: من مجزرة الساحل التي قُتل فيها أكثر من 1400 مدني في آذار/ مارس 2025، إلى حصار السويداء في تموز، الذي أدى لمقتل نحو 1500 مدني بينهم عشرات الإعدامات الميدانية. وبين الحدثين وبعدهما، وقعت انتهاكات لا تقل خطورة في مناطق متفرقة، شملت التعذيب والخطف والاختفاء القسري وجرائم الثأر، نفذتها مجموعات مسلحة منها من تنتمي إلى مؤسسات الدولة الانتقالية، ومجموعات أخرى متفلتة.
عدالة انتقائية لا انتقالية
وفي ظل هذه الفوضى، جاء المرسوم الرئاسي رقم 20 في أيار/ مايو 2025 ليعلن تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. خطوة بدت للوهلة الأولى استجابةً لمطلب شعبي بالعدالة، لكن نظرة لمضمون المرسوم تكشف أنه ذو طابع انتقائي، حصر اختصاص الهيئة في التحقيق بجرائم النظام السابق دون غيره، متجاهلًا الجرائم التي ارتكبها فاعلون آخرون على مدى 14 عامًا.
بهذا التحديد الضيق، أُعيد إنتاج منطق التمييز بين الضحايا، وترى الباحثة السورية لينا غوتوك، في تقرير نشر في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أن هذا النهج لا يفتح باب العدالة، بل يكرس «عدالةً انتقائيةً تُفرق بين ضحايا الأمس وجرحى اليوم، وتؤسس لمستقبل تُعاد فيه دورة الإفلات من العقاب تحت شعارات جديدة».
وتقول المحامية شروق أبو زيدان إن «العدالة يجب أن تشمل كل أطراف النزاع، وكل من تورط بالانتهاكات والجرائم، ومنهم الحكومة الحالية المتورطة بجرائم جسيمة أيضا»، وتكمل أبو زيدان: «لا نريد عدالة شكلية تصدر بمرسوم يستثني مجرمين. العدالة التي لا تحاسب الكل، والتي لا تكشف الحقيقة، ولا ترجع الحقوق، لا تسمى عدالة انتقالية. هي استمرار لنفس المنظومة القديمة، لكن بوجوه جديدة».
تجارب دولية ونسخة سورية مشوهة
بعد تسلمها الحكم، وُضعت السلطة الجديدة أمام مسارين واضحين للتعامل مع الماضي. الأول كان طريق استحضار تجربة جنوب أفريقيا، التي تُعد من أنجح التجارب في العدالة الانتقالية المعاصرة. فبعد سقوط نظام الفصل العنصري عام 1994، اختارت الدولة الجديدة المصالحة بدل الانتقام، وأنشأت «لجنة الحقيقة والمصالحة» التي أتاحت للضحايا أن يرووا قصصهم كاملة في جلسات علنية، فيما مُنح الجناة عفوًا فرديًا مشروطًا باعتراف صريح ومباشر بجرائمهم أمام المجتمع. لم يكن الهدف من هذه العملية تبرئة الجناة، بل جعل الاعتراف العلني جزءًا من إعادة بناء الدولة على أساس الحقيقة والإنصاف. بهذا الشكل، تحول الاعتراف إلى فعل سياسي وأخلاقي يفتح الباب لجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات. لقد مثلت جنوب أفريقيا نموذجًا يُظهر أن السلام لا يقوم على النسيان بل على الذاكرة الجماعية، وأن الاعتراف الصريح بالجرائم قد يكون أكثر عدالةً من العقوبات الشكلية التي تُفرغ العدالة من معناها.
لكن ما حدث فعليًا ذهب نحو خلطة معاكسة. على المستوى الأمني، استُحضر نموذج العراق: نموذج الدولة الهجينة حيث تُقنن الفصائل المسلحة تحت مظلة الدولة بدل حلها، وتُمنح شرعية قانونية وموازنات رسمية، مع بقاء ولاءاتها وسلاسل قيادتها الموازية. وهكذا تُفوض أدوات القسر بدل أن تُحتكر، وتنشأ مسؤولية رمادية تعطل إمكانية المساءلة. هذه البنية تنتج فوضى تشبه ما عرفه العراق خلال سنوات تمدد الفصائل داخل أجهزة الدولة، حيث تضيع الحدود بين الرسمي والموازي، ويتحول الأمن إلى شبكة مصالح متشابكة. النتيجة أن الانتهاكات لا تختفي بل تتكرر بغطاء قانوني جديد، بينما يبقى الجناة خارج متناول العدالة.
وعلى مستوى الإدارة، استُعيد وجه من تجربة فرنسا بعد 1944: فبعد سقوط نظام فيشي الموالي للاحتلال النازي، اجتاحت فرنسا موجة من «العدالة الشعبية» العشوائية، أُعدم خلالها الآلاف دون محاكمات، قبل أن تُنقل العقوبات إلى الإدارة عبر حملات تطهير إداري واسعة. تم حينها فصل عشرات الآلاف من الموظفين والمعلمين والقضاة والصحافيين بتهمة «التعاون مع العدو»، من دون أي إجراءات قضائية واضحة أو أدلة ملموسة. وكثير من هؤلاء لم يشاركوا أصلًا في جرائم نظام فيشي، اذ اكتفوا بالعمل في مؤسسات الدولة في تلك المرحلة. كانت الفكرة المعلنة هي «تنظيف» الإدارة من آثار النظام السابق، لكن النتيجة الفعلية كانت تحويل العدالة إلى أداة إقصاء جماعي، واحتاجت فرنسا سنوات طويلة لتجاوز هذا الإرث.
والمسألة اليوم في سوريا لم تعد غياب مسار العدالة فيما يخص الماضي، بل امتناع السلطة الحالية عن محاسبة مرتكبي الجرائم التي حصلت منذ تسلمها الحكم، وهذا يُرسل رسالة مفادها أن الإفلات من العقاب مُشرعن؛ والناس حينها تأخذ حقها بيدها. ويرى جلال الحمد، المحامي والناشط الحقوقي، في مقابلة مع "الترا سوريا"، أن تشريع العنف والانتقام لا يفضي إلا إلى مزيد من الانقسامات المجتمعية والطائفية والمذهبية، وأن ما شهدته البلاد من الساحل إلى السويداء ليس سوى بداية لموجات أوسع إذا استمر الفراغ القضائي.
إلى جانب أحداث الساحل والسويداء الدموية، شهدت البلاد طيلة عام 2025 نمطًا مستمرًا من جرائم الخطف، والقتل الفردي، والاختفاء القسري، والتعذيب.
في الساحل وحده، سُجل خلال الأشهر السبعة الأولى من 2025 أكثر من 120 عملية خطف، معظمها بدافع الفدية. كما وثقت «رويترز» و«العفو الدولية» اختطاف ما بين 33 و36 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية، نصفهن تقريبًا قاصرات دون الثامنة عشرة. في المقابل، تكرر المشهد في الجنوب، حيث قدرت الأمم المتحدة أن ما بين 80 و105 امرأة وفتاة خُطفن في السويداء في تموز، إضافةً إلى عدد من الأطفال، ولم يُعرف مصير معظمهن بعد.
هذه الحوادث لم تُواجه كجرائم منظمة بل صُنفت كـ«حالات فردية»، وهو توصيف يعيد إلى الأذهان لغة النظام السابق في إنكار الانتهاكات الممنهجة. وكان لافتًا نشر وزارة الداخلية بيانًا تقول فيه أنه بعد التحقيق في جرائم الخطف في الساحل السوري وحمص وحماة تبين عدم صحة 41 من بين 42 ادعاء، وثبت في حالة واحدة فقط وقوع جرم اختطاف حقيقي.
وفي الوقت الذي كانت فيه الفوضى تنتشر، استمرت حالات القتل المتفرق في معظم المحافظات: فخلال آب قُتل 91 مدنيًا، وفي أيلول 70 مدنيًا، أغلبهم على يد جهات مجهولة، بينهم نساء وأطفال. أما في ملف الاعتقال، فوثقت الشبكة السورية 48 حالة احتجاز تعسفي في تموز/ يوليو 2025 وحده، بينهم خمسة أطفال، و61 موقوفًا آخرين بتهم تتعلق بجرائم سابقة، بينما توفي سبعة أشخاص على الأقل تحت التعذيب خلال شهري آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات حقوقية، بل انعكاس مباشر لفراغ الدولة وغياب أي إطار عدلي فاعل.
ويصف الحمد ما يجري اليوم بأنه «شرعنة لاستمرار الانتهاكات»، نتيجة مشاركة سلبية من السلطات المكلفة بإنفاذ القانون: قانون حاضر شكليًا، ومحاسبة غائبة فعليًا.
ملف المفقودين: إدارة الغضب بدل كشف المصير
إذا كانت العدالة قد ظهرت انتقائية في نص المرسوم، فإنها تتجسد بوضوح أكبر في طريقة تعاطي السلطة مع ملف المفقودين. فمنذ تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، بدا أن الهدف هو إدارة الملف لا فتحه فعليًا. لم يلتق الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالمنظمات الحقوقية السورية وروابط الضحايا حتى الخامس من شباط/ فبراير 2025، إلا بعد حملات ضغط مكثفة من تلك الجهات، بينما كان قد التقى قبل ذلك بوالدة الصحفي الأمريكي المعتقل في سوريا أوستن تايس، وبكل من المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان. بالنسبة لكثير من عائلات المفقودين، كان هذا الترتيب في الأولويات رسالةً واضحة: السلطة معنية بتقديم صورة للخارج أكثر من التفاعل مع الداخل.
على الأرض، لا تقل الصورة قتامة. يقول بسام (اسم مستعار)، شقيق أحد المغيبين وفاعل في لجان المفقودين المحلية، إن في سوريا ما يقارب 130 ألف مفقود — أي 130 ألف عائلة لم تعرف شيئًا عن مصير ذويها رغم مرور تسعة أشهر على سقوط النظام وتشكيل الهيئة الخاصة بالمفقودين. «تأملنا أن تبدأ السلطة بعملية جادة، لكن ما رأيناه كان صادمًا»، يقول بسام، مشيرًا إلى مقابر جماعية بلا حماية مثل «جورة التضامن» التي تحولت إلى ملعب للأطفال، وأفرع أمنية جرى العبث فيها وبأدلتها، بل أُعيد استخدامها كمراكز احتجاز جديدة.
تسعة أشهر من الانتظار لم تسفر عن أي خطوة عملية في التوثيق أو أخذ عينات الحمض النووي، رغم مطالبات المنظمات الدولية بالمساعدة. تذرعت الحكومة بـ«نقص العناصر» و«الظروف الأمنية»، ورفضت قبول الدعم المعرفي والتقني من منظمات محلية ودولية، بحجة أن الملف «سيادي». بالنسبة للأهالي، كان ذلك إعلانًا صريحًا بأن العدالة وكشف المصير لن يتحققا قريبًا.
الفصل بين الهيئتين ليس مجرد إجراء إداري، بل انعكاس لطريقة تفكير السلطة في العدالة نفسها. فبينما صيغت هيئة المفقودين لتبدو شاملة لجميع الضحايا، جاءت هيئة العدالة الانتقالية لتكون انتقائية، محدودة بجرائم النظام السابق فقط. هذا الفصل المتعمد يعني عمليًا أن السلطة، حتى لو كشفت مصير بعض المفقودين، لا تريد أن يتحول ذلك إلى مدخل للمحاسبة أو للمساءلة القضائية. بكلمات أخرى: يمكن أن يُعلن عن «مصير» دون أن يُفتح «ملف».
يقول بسام: «العدالة لا يمكن أن تتجزأ. أريد فقط أن يُكشف مصير أخي، وإذا كان قد قُتل، أريد دليلًا واحدًا — حتى لو عظمة — أدفنها وأبكي عليها».
الأهالي لا يطلبون الثأر بل كشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار. «لكن ما يجري اليوم ليس كشفًا للحقائق، بل إدارة للغضب. إنهم يطوون الملف بالتقسيط»
ورغم حصر عمل الهيئة المعنية بالعدالة الانتقالية بجرائم النظام السابق حصرًا، فقد جرى في وقت سابق إحالة حوالي 20 ملفا لموقوفين محسوبين على النظام السابق إلى القضاء الجنائي، لا إلى الهيئة المفترض كونها صاحبة اختصاص، ما يزيد من الاعتقاد بأن حتى عمل الهيئة في هذه الملفات شكلي هدفه تخدير الرأي العام.
الكلمات المفتاحية

كيف تعود "الرموز الوطنية" أداة لبناء الهوية الجامعة
تشكل الرموز الوطنية، مثل العلم والنشيد والعملة، أكثر من مجرد علامات سيادية أو أدوات رسمية؛ فهي تعبير مكثف عن هوية الدولة وذاكرتها

حوار| المعتصم الكيلاني: العدالة الانتقالية تعاني من حالة تأخير ممنهجة
يتحدث الكيلاني لـ"ألترا سوريا" في هذا الحوار حول ملفات عديدة تحوز على اهتمام السوريين، وأهمها ملف العدالة الانتقالية

النشيد الوطني وإعادة بناء الهوية السورية الجامعة
يمثل "النشيد الوطني" أحد أهم الرموز قدرة على اختزال معاني الدولة والهوية والانتماء

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


