عمال البناء المياومون.. الثمن الخفي لـ"نهضة المشاريع" في الشمال السوري
9 أغسطس 2025
في ريف إدلب الجنوبي، حين تمرّ صباحًا بجانب أحد المشاريع قيد الإنشاء، لن تلمح لافتة باسم الشركة أو الجهة الداعمة، بل سترى ما هو أوضح من أي إعلان: رجال حفاة الأقدام، يعتلون الإسمنت بأيدٍ مشققة، أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثالثة عشرة يحملون أكياس الرمل، هكذا تنهض المشاريع في الشمال.
تُبنى الأسواق الجديدة، تُزفت الطرق، تُشيد الكتل السكنية، وتُسمّى هذه الحركة "نهضة"، لكن من ينهض حقًا؟ من يصعد فعلًا؟ تحت هذه الطفرة العمرانية التي تغطّي قشرة المدن، تمتدّ شبكة من علاقات العمل العشوائية، يغيب فيها العقد، والتأمين، وحتى الاعتراف بالكرامة؛ فالعمل اليومي هنا ليس خيارًا، بل قيد.
المفارقة لا تكمن فقط في التفاوت بين من يملك المشروع ومن يكدّ في تنفيذه، بل في أننا نشهد منطقة تمزج بين وجهين متناقضين: حالة استثمار خاص متوسّع، بتمويلات، وشركات وصفقات، تقابلها طبقة عاملة مسحوقة، لا صوت لها، ولا تمثيل، ولا جهة تُطالب بحقوقها.
رغم ضجيج ما يُسمّى بـ"نهضة المشاريع" في شمال غرب سوريا، وما يرافقها من صور تعبّر عن النمو والبناء، فإن الحقيقة على الأرض تحكي قصة مغايرة حين يتعلق الأمر بالعنصر الأهم في دورة العمل: العمال.
في مدن وبلدات الشمال السوري، يعمل المئات في مشاريع إعمار خاصة أو مبادرات استثمارية من دون أي عقود رسمية، أو حتى ضمانات قانونية تحفظ حقوقهم. ومن النادر أن تجد عاملًا يملك تأمينًا صحيًا، أو يحصل على تعويض في حال الإصابة، أو حتى يمتلك القدرة على المطالبة بأجره المتأخر من دون الخوف من الطرد.
ويزداد الوضع سوءًا في ظل غياب الرقابة الفعلية من الجهات المسؤولة، أو انشغالها بإحصاء المشاريع لا بتدقيق شروط العمل فيها؛ هذا الفراغ في التنظيم سمح للمتعهدين والشركات الخاصة بالاستفادة القصوى من فقر الأهالي، وتوظيفهم بأجور زهيدة وساعات طويلة، دون مساءلة تُذكر.
لا حقوق.. لا ضمانات.. لا تأمين
"نعمل من طلوع الشمس حتى غروبها، ومع ذلك لا نملك أي حق مضمون.. لا عقود، ولا تأمين، ولا حتى أجور ثابتة"، بهذه الكلمات يصف عامل البناء من ريف إدلب الجنوبي، أبو أحمد، لموقع "الترا سوريا" واقع العمالة اليومية في الشمال السوري.
ويضيف أبو أحمد: "أحيانًا نحصل على أجر يومي لا يتجاوز 200 ليرة تركية، وأحيانًا أخرى 250 ليرة تركية، وفقًا لمزاج المتعهد أو صاحب المشروع"، لافتًا إلى عدم وجود من "ينظّم هذا القطاع أو يراقب ما يُدفع للعمال، وإذا أُصيب أحدنا أثناء العمل، فلا تأمين يغطي إصابته، وقد يجد نفسه عاجزًا عن العمل من دون أن يسأل عنه أحد".
يشير أبو أحمد إلى أن وتيرة العمل زادت بعد تحرير المنطقة، لكن الحقوق لم تتحسّن، موضحًا ذلك بقوله: "ظننا أن المرحلة الجديدة ستأتي بالتنظيم والاحترام لحقوق العامل، لكنها جلبت فرص عمل أكثر، دون أي ضمان للكرامة أو الأمان المهني". ويختم حديثه لـ"الترا سوريا" قائلًا: "نحتاج إلى جهة تحمينا وتضمن حقوقنا، لا يجوز أن نظل نعيش على هامش المشاريع، ونعمل كأننا لا نحسب من البشر".
"أي سقوط أو إصابة معناها مصيبة"
لا يخفي معلم البناء التقليدي والحجر السوري في ريف معرة النعمان، أبو محمد ديب، حجم التحديات التي تواجهه يوميًا في ساحة العمل. فالرجل الذي قضى سنواته الأخيرة يتنقل بين الأبنية الناشئة في بلدات ريف إدلب، يرى أن مهنته باتت أقرب إلى حملٍ إنساني منه إلى مهنة تدرّ رزقًا مستقرًا.
يقول في حديثه لـ"الترا سوريا": "أحاول أن أكون رحيمًا بقدر ما أستطيع.. أنا بنفسي عشت الحاجة، وذقت قسوة النزوح، لذلك لا يمكنني أن أكون قاسيًا على العامل، حتى لو ضاقت الأحوال عليّ أيضًا".
يصف أبو محمد واقعًا معقّدًا يعيشه "معلمو البناء"، الذين يعملون في منطقة لا تملك اقتصادًا متماسكًا، ولا قوانين تحمي أحدًا، خصوصًا بعد خروج البلاد من حرب دامت أكثر من عقد، فالأجور، على قلتها، لا تُحدد وفق معايير واضحة، بل تُرسم غالبًا حسب ظروف الطرفين، العامل وصاحب البناء، وكلاهما في العادة من الفئات الأشد هشاشة.
يضيف أبو محمد: "يخرج العمال اليوم من المخيمات كل صباح، يبحثون عن فرصة يوم عمل، لا توجد عقود ولا التزام شهري"، مشيرًا إلى أن "الأجرة تُحسب باليوم، وفي أحيان كثيرة لا يجد العامل من يطلبه لأيام متواصلة"، مؤكدًا أن "هذا يضع الجميع تحت ضغط نفسي ومعيشي كبير".
وتابع حديثه قائلًا: "أنا لا أعمل لصالح شركات، بل مع عائلات مهجّرة تحاول أن تبني مأوى مؤقتًا، غرفة أو اثنتين بالكاد تصلح للسكن، وغالبًا من مواد مستعملة أو من الحجر الطيني المحلي، لا رفاه في البناء، ولا استثمار، لذلك أحاول تقليل التكاليف قدر الإمكان".
يتحدث أبو محمد بمرارة عن غياب التأمينات الصحية التي قد تُنقذ حياة عامل في حال إصابة، أو حتى تعوّضه عن كسر أو حادث أثناء العمل، يقول: "العمل في البناء خطِر. الناس تتسلق، تخلط الإسمنت تحت الشمس اللاهبة"، مضيفًا "أي سقوط أو إصابة معناها مصيبة. لكن لا يوجد تأمين، ولا ضمان، ولا جهة تتحمل مسؤولية العامل. كلّ شيء معتمد على النية، والنية وحدها لا تكفي في بلد تعصف به الأزمات من كل جانب".
لا بد من صياغة قوانين تحمي حقوق العامل
يقول أمين سر نقابة المهندسين في سوريا، رصين عصمت، لموقع "الترا سوريا"، إنّ النقابة تلعب دورًا توجيهيًا ووقائيًا في مجال الإنشاءات، لا تشريعيًا، لكنها تحاول تقديم ما بوسعها من أدوات ومعايير لحماية العامل السوري داخل بيئة العمل.
ويضيف عصمت أن النقابة أعدّت أول دليل سلامة إنشائية يصدر في سوريا، وهو مرجعٌ مهم يتضمن كل إجراءات الأمن والأمان والسلامة الخاصة بالمشاريع الإنشائية، ويُعنى تحديدًا بسلامة العمال أثناء العمل، سواء من حيث المعدات أو الشروط الفنية التي ينبغي الالتزام بها في مواقع البناء. ويرى أن إصدار هذا الدليل يمثّل خطوة رائدة كان يجب أن تتحقق منذ سنوات طويلة، لكنه اليوم، يُعد بداية لوضع أسس مهنية تحمي الإنسان قبل الحجر.
ويوضح عصمت أن هذا الدليل تطوّر لاحقًا إلى "الكود السوري للسلامة المهنية"، وهو ملف أكثر دقة وشمولًا يتناول مختلف جوانب الوقاية المهنية. ومع ذلك، يُقرّ بأنّ هذا الجهد، على أهميته، يبقى في إطار التوجيه فقط، فيما يبقى الدور التشريعي بيد الحكومة الجديدة، التي تقع على عاتقها مسؤولية إصدار قوانين ناظمة وملزمة لجميع الأطراف، من مقاولين وأرباب عمل، تضمن حقوق العامل، وسلامته الجسدية، وأجره العادل، والتأمينات الأساسية لحياته.
ويختم عصمت حديثه قائلًا: "نحن مع العامل السوري دومًا، وسنكون من خلف الحكومة في كل ما يصبّ في مصلحة العامل، بدورنا التوجيهي والمهني، لكن لا بدّ من إرادة حقيقية لصياغة قوانين واضحة تحفظ لهذا العامل حقّه، وتردم الهوة بين الجهد المبذول والحقوق المهدورة".
ماذا عن الدور الرقابي لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل؟
أوضحت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب لـ"الترا سوريا" أن العمل جارٍ حاليًا ضمن إطار تنموي، في ظل عدم تفعيل عدد من المؤسسات المعنية بشكل مباشر بواقع العمال، مثل التفتيش الصناعي والتأمينات الاجتماعية، ما يشير، بشكل غير مباشر، إلى أن الوزارة لا تزال في طور بناء منظومتها الرقابية والتنفيذية، وهو ما قد يفسّر محدودية تدخلها الفعلي في قضايا السلامة المهنية وحماية حقوق العاملين حتى الآن.
رغم كل هذا الواقع المرهق الذي يعيشه عمّال البناء في ريف إدلب الجنوبي، من غياب العقود والتأمينات الصحية، وتفاوت الأجور بلا حسيب، يبقى الأمل معقودًا على ولادة مرحلة جديدة تعيد الاعتبار لحقوق الطبقة العاملة، فالمشاريع التي تُبنى على أكتاف هؤلاء لا يمكن أن تُثمر بحق، ما لم تترافق مع تشريعات واضحة تحفظ كرامتهم، وتضمن الحدّ الأدنى من الأمان الوظيفي والمعيشي.
إن وجود وزارة للشؤون الاجتماعية والعمل ضمن الحكومة الجديدة، يجب أن يكون أكثر من مجرد هيكل إداري، بل بداية حقيقية لصياغة قوانين ناظمة تُرسي قواعد العدالة داخل سوق العمل، وتحدّ من استغلال الأيدي العاملة، لاسيما في قطاع الإنشاءات المتنامي.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


