عملة جديدة تطوي صفحة الماضي.. فهل تنعكس إيجابًا على جيوب السوريين؟
26 ديسمبر 2025
في لحظة تاريخية، تستعد سوريا لمواجهة أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسيةً؛ تغيير العملة الوطنية. الخطوة المرتقبة التي باتت محورًا للأحاديث اليومية، ليست مجرد تبديل للأوراق المالية، بل محاولة لإعادة الثقة بالليرة السورية.
في ظاهرها، تحمل عملية تغيير العملة وعدًا بتسهيل التعاملات المالية اليومية وتبسيط العمليات الحسابية، وربما بنظرة رمزية تمثّل طي صفحة الماضي برموزه وشعاراته، إلا أنها لا تخلو من التحديات، وربما لن تتحقق الأهداف المرجوة منها، إلا إذا ترافقت مع إصلاحات هيكلية تعزز قيمة الليرة محليًا. فما التحديات المتوقعة لمرحلة تبديل العملة؟ وهل اختصار الأصفار سيعزز القدرة الشرائية للمواطنين؟
أعباء لوجستية كبيرة وتكاليف مرتفعة
يقول الأكاديمي والباحث في الاقتصاد والتمويل، الدكتور جاسم العكلة، إن القدرة الشرائية للمواطنين لن تتحسن إلا إذا رافق ذلك تحسّن في الإنتاج والدخل الحقيقي، أما تغيير الشكل أو حذف الأصفار، فلن يؤثر على القيمة الحقيقية للنقود.
ويتفق في ذلك مع رأي الباحث الاقتصادي، محمد علبي، الذي يرى أن الناس قد يشعرون بتحسّن نفسي مؤقت بسبب انخفاض الأرقام، لكن إن لم تُعالج أسباب التضخم وسعر الصرف، فالأسعار سترتفع سريعًا بالعملة الجديدة.
ويشير علبي في حديثه لموقع "الترا سوريا" إلى أنّ تغيير العملة يمكن أن يكون مفيدًا إذا جاء كخاتمة لمسار إصلاحي أوسع، يتضمن استقرارًا ماليًا، وسياسة نقدية واضحة، إلى جانب الانضباط المالي، وتحسن في الإنتاج، أما إذا طُرح كبديل عن الإصلاح، فهو أقرب إلى إجراء شكلي يستهدف العامل النفسي وتبسيط التعاملات، متوقعًا أن يتحول ذلك إلى مصدر توتر وفقدان ثقة في حال تزامن مع تذبذب سعر الصرف أو شحّ السيولة.
ويوحي ذلك بأن عملية تغيير العملة الوطنية ربما تواجه تبعات خاصة بالمرحلة، فبحسب الأكاديمي والباحث في الاقتصاد والتمويل العكلة، قد تسبب أعباءً لوجستية كبيرة وتكاليف مرتفعة على الحكومة، ويخلق حالة من الارتباك المؤقت إذا لم يكن مدروسًا بدقة، خاصة في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات النقدية.
من جانبه، يتطرق الباحث الاقتصادي، محمد علبي، إلى أبرز المخاطر التي يمكن أن تترافق مع مرحلة تغيير العملة، كاضطراب الثقة والسلوك، الذي قد يشمل تهافتًا على الدولار، وتسريعًا للدولرة، إلى جانب ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة كالذهب، وارتباك التسعير وارتفاع "تكلفة التحويل" على المواطنين، إضافة إلى مخاطر لوجستية وأمنية، ومخاطر تزوير بسبب عدم وعي المواطنين بالأوراق النقدية الجديدة. كما من المتوقع، بحسب علبي، أن تظهر مشكلة "التحويل الخاطئ" في الرواتب والأسعار والأجور، ما يخلق موجة تضخم إضافية إذا لم تُدار بدقة.
تضاعف تبعات تغيير العملة
بالنظر إلى السياق السوري، يرى علبي أن تبعات تغيير العملة قد تتضاعف بسبب غياب الثقة بالقطاع المصرفي، واتساع الاقتصاد غير الرسمي (الكاش)، إضافة إلى ضعف أدوات الرقابة على الأسعار، والحساسية العالية لسعر الصرف تجاه أية صدمات أو توقعات. ويعتقد علبي أن تغيير العملة في بيئة كهذه قد يُفاقم المشكلات، ويفتح مجالًا لممارسات احتكارية أو استغلالية في فترة الانتقال. فكيف يمكن ضبط المرحلة؟
ويشير علبي إلى حزمة متزامنة لضبط الأسعار خلال مرحلة تبديل العملة، تشمل إعلانًا واضحًا ومبكرًا لسعر التحويل والقواعد المحاسبية كالتقريب (rounding) ومنع الاستغلال، وفترة تداول مزدوج محدودة زمنيًا مع إلزام الفوترة بالعملتين، إلى جانب الحاجة إلى رقابة فعّالة على سلاسل التوريد والاحتكار، وضمان انسياب السلع الأساسية، وتنسيق مالي-نقدي لتفادي صدمة سيولة. والأهم، بحسب علبي، هو وجود مرجعية سعر صرف مستقرة نسبيًا خلال فترة الاستبدال، لأن أي اهتزاز في الصرف ينسف جهود تثبيت الأسعار فورًا، حسب رأيه.
مرحلة حساسة ودقيقة
تبدو المرحلة الاقتصادية القادمة حساسة ودقيقة، لكن ما تأثير حذف الأصفار على التضخم الاقتصادي وهل يعيد تغيير العملة ثقة المواطنين بالليرة المحلية؟
يقول الدكتور العكلة إن تغيير العملة لن يحدّ بحد ذاته من التضخم، بل قد يزيده مؤقتًا إذا ارتفعت التكاليف التشغيلية أو زادت المضاربة في السوق، ما لم تُتخذ إجراءات نقدية متوازنة. أما عن الثقة بالليرة، فيرى أن استعادة الثقة تحتاج إلى استقرار سياسي واقتصادي ومصرفي، وتغيير العملة قد يعطي مؤشرًا إيجابيًا رمزيًا، لكنه لا يكفي دون إصلاحات أعمق تتسم بالاستمرارية.
ويعتقد العكلة أن النظام المصرفي يعاني من تحديات هيكلية، ما قد يعيق قدرته على إدارة التغيير بكفاءة. وأن النجاح في ذلك يتطلب تدريبًا، وبنية تحتية قوية، وتنسيقًا دقيقًا بين الجهات المعنية.
خطوة مليئة بالتحديات
إذًا، بحسب خبراء الاقتصاد، الخطوة مليئة بالتحديات، لكن ما الميزات التي ستنعكس على المواطنين بعد تغيير العملة؟
يقول الدكتور العكلة إن ذلك قد يساعد في الحد من التعامل بالعملة التالفة، وضبط السيولة النقدية، ويُستخدم رمزيًا لتعزيز الثقة، إذا ترافق مع إصلاحات حقيقية، لكنه لا يغيّر الواقع الاقتصادي دون دعم سياسي ومؤسساتي، فتغيير العملة يمكن أن يكون خطوة إصلاحية إذا جاء ضمن حزمة سياسات اقتصادية شاملة، أما بمفرده، فغالبًا ما يُعدّ إجراء شكلي لا يعالج الأسباب الحقيقية للتدهور.
ويرى الباحث الاقتصادي علبي، أن الفوائد المتوقعة، إن نُفّذت ضمن إطار مؤسسي واضح، ستكون تقنية بالدرجة الأولى، كتسهيل التسعير والمحاسبة، وتقليل كلفة التعامل بالنقد، وتبسيط نظم الدفع والرواتب والضرائب، وتخفيف أثر "التضخم الاسمي" على السجلات والأنظمة. وقد ينعكس ذلك إيجابًا على بيئة الأعمال، لكنه لا يصنع نموًا ولا يعالج عجز الإنتاج أو البطالة أو فجوة الدخل، حسب رأيه.
وفي الوقت الذي لا يبدو فيه تغيير العملة السورية خطوة سحرية قادرة على انتشال الاقتصاد أو تحسين معيشة المواطنين، ما لم تأتِ ضمن مسار إصلاحي متكامل يعالج جذور الأزمة، إلا أنه يحمل بُعدًا نفسيًا يتمثل في محو رموزٍ ووجوه ارتبطت بمرحلة سابقة، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي نحو المستقبل.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


