عن الحكاية والهامش والمسكوت عنه في "حكايات منسية في الديار الشامية"
14 أغسطس 2025
في عمله السردي "حكايات منسية في الديار الشامية" الصادر عن دار نينوى 2024، يعيد الصحفي السوري، هاني الخيّر، استحضار أرواح المدن والوجوه المنسية في التاريخ الشعبي السوري، مستندًا إلى تقاليد الحكي الشفهي، ومنتصرًا للهوامش على حساب المركز، وللمنسيّ على حساب المُعتمد في السرد الرسمي. لا تأتي هذه الاستعادة من موقع الحنين فقط، بل من رغبة ملحّة في مقاومة النسيان، وفي بناء سردية بديلة تقاوم محو الذاكرة الجماعية التي أصابها التشظي بعد سنوات الحرب والتهميش المتراكم.
بين التوثيق والسرد.. وظيفة مزدوجة
ينتمي هذا العمل إلى تيار سردي يجمع بين الصحافة والأدب، حيث يسعى الكاتب إلى توثيق تفاصيل الحياة اليومية في مدن سورية عدة، مثل دمشق وحلب وحمص، من خلال قصص بسيطة لوجوه "عادية" لم تجد مكانها في المتن التاريخي، لكنها تحمل دلالات عميقة عن التحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية التي عصفت بسوريا خلال القرن العشرين وبدايات الواحد والعشرين.
الخيّر، بوصفه صحافيًا متمرسًا، ينجح في التقاط التفاصيل الصغيرة ذات الإيحاء الواسع، حيث تتحول الحكاية اليومية العابرة إلى علامة فارقة على واقع آخذ في التلاشي. وهذا التلاشي لا يتجلى فقط في الأماكن، بل في الأشخاص والعادات والمفاهيم. فالحكايات هنا ليست فقط توثيقًا للماضي، بل أداة لفهم الحاضر أيضًا، وربما استشراف المآلات.
يُلاحظ أن معظم شخوص الرواية يأتون من الطبقات التي غالبًا ما يتم تجاهلها في السرد الرسمي والسياسي؛ أولئك الذين يعيشون في الظل ويصنعون الحياة اليومية بصمت. في هذا العمل، يمنحهم الكاتب بطولة كاملة، يضعهم في قلب الحكاية لا على هامشها، ويمنحهم صوتًا يعبر عن همومهم وتطلعاتهم بلغة إنسانية حقيقية.
من خلال هذا التمركز حول الهامش، يعيد الخيّر رسم خريطة السرد السوري، متجاوزًا ثنائية المركز والأطراف. فالهامش هنا ليس فقط موقعًا جغرافيًا أو طبقيًا، بل هو تمثيل لقيمة إنسانية كبرى هي الحق في الظهور، في الحكي، في البقاء. النص بذلك يشتبك مع الأسئلة الكبرى للكتابة: من يكتب؟ ومن يُكتب له؟ ومن يُكتب عنه؟
اللغة والأسلوب.. بين البساطة والعمق
اللغة في الرواية تنضح بمزيج من الحنين والخسارة. ورغم أن بعض الحكايات تشتمل على لحظات مرحة أو نكات شعبية، إلا أن هذه اللحظات لا تخفي الطابع المأساوي الذي يخيّم على النص. فالحكايات لا تسعى فقط إلى الإمتاع أو التسلية، بل تؤدي دورًا مزدوجًا: توثيق ما كان، وتحذير مما يمكن أن يكون.
الحنين هنا ليس عاطفيًا ساذجًا، بل يحمل في طياته وعيًا سياسيًا واجتماعيًا، ونقدًا صامتًا لواقع منهك بالألم والانقسام. حتى حين يتحدث النص عن تفاصيل بسيطة كطريقة إعداد الطعام أو وصف شارع قديم، فإن الخلفية هي دائمًا مشهد الخراب الكبير، مشهد الفقدان الذي طال البشر والحجر على حد سواء.
اللغة التي يستخدمها الخيّر تتسم ببساطة ظاهرة، لكنها ليست سطحية. فهذه البساطة تحوي تحتها شبكة معقدة من الإشارات والرموز والمعاني. الجمل قصيرة، الحوار مباشر، والوصف مكثف دون إسراف. هذه الخصائص تجعل النص سهل الوصول إلى جمهور واسع، من القرّاء العاديين إلى المهتمين بالثقافة والنقد.
لكن هذا السهل لا يلغي العمق، بل يعمّقه. فالتقشف اللغوي هنا هو أداة مقصودة، تمنح النص صدقه وشفافيته. لا يحاول الكاتب أن يثير الإعجاب بزخرفة لغوية، بل يراهن على قوة الحكاية ذاتها، وعلى صدق اللحظة التي ينقلها.
نص ضد النسيان
"حكايات منسية في الديار الشامية" ليست مجرد سرديات عن ماضٍ ولّى، بل هي فعل مقاومة أدبية ضد النسيان، ضد التهميش، وضد محو الذاكرة الجمعية. يحاول هاني الخيّر عبر هذا النص أن ينقذ ما تبقى من سرديات الهامش قبل أن تبتلعها آلة النسيان الكبرى.
هذا العمل يفتح أبوابًا متعددة للقراءة: كوثيقة، كأدب، كصوت، كصدى لحيوات لم توثقها الصحف ولا الكتب الرسمية، لكنه يمنحها هنا فرصة ثانية للحياة. وربما يكمن جمال النص في هذه القدرة الفريدة على جعل السرد البسيط بوابة لفهم تعقيدات الواقع، وعلى تحويل المهمّشين إلى أبطال، وعلى منح الغائبين صوتًا جديدًا عبر الحكاية.
الكتابة كفعل مقاومة ثقافية
من المهم أن نقرأ هذا العمل ضمن سياقه التاريخي والثقافي الأوسع، باعتباره جزءًا من محاولة متنامية في الأدب السوري والعربي لتفكيك السرديات المركزية وتقديم روايات بديلة. فـ"حكايات منسية في الديار الشامية" ليست فقط شهادة على الوجع والضياع، بل أيضًا موقف أدبي واضح ضد الإقصاء والتهميش. عبر استعادة أصوات الهامش، يمارس الكاتب شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية التي ترفض اختزال الواقع في رواية واحدة، وتفتح المجال أمام التعدد والتنوع، لا سيما في المجتمعات التي شهدت صراعات طويلة على الهوية والتاريخ والذاكرة.
لا يمكن فصل تجربة هاني الخيّر كصحافي ميداني عن نَفَس النص السردي. فالحس التوثيقي الحاضر بقوة في الحكايات ناتج عن تمرسه في ملاحظة التفاصيل وتحويلها إلى إشارات أوسع. هذه الخلفية تمنحه قدرة خاصة على الجمع بين التقصي الموضوعي والتعاطف الإنساني، وهو ما ينعكس بوضوح في بنية العمل. فالرواية ليست فقط انعكاسًا لوقائع من الماضي، بل هي محاولة لخلق ذاكرة بديلة، وفتح حوار غير مباشر مع الواقع المعاصر، بما يحمله من تمزقات وتساؤلات وهواجس.
الكلمات المفتاحية
منمنمات على خشبة الحمراء.. ابن بطوطة يلتقي شباب دمشق
العرض الذي امتد زمنه ليبلغ الساعة والنصف كان بمثابة مغامرة فنية جمعت أكثر من عشرين شابًا وفتاة على الخشبة
"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب
سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها
"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد
سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024
أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية
بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية
بين منشآت متهالكة وملاعب طينية… من يتحمّل مسؤولية تراجع البنية التحتية الرياضية؟
مدربون ومختصون يكشفون لـ"الترا سوريا" واقع المنشآت والملاعب الرياضية في سوريا، بين اعتراف بحجم التراجع وترقب حذر لمحاولات المعالجة الجارية
"ميتافورا" تطرح الإعلان الترويجي لمسلسل "الخروج إلى البئر".. عمل درامي يستعيد أحداث صيدنايا
يظهر في المقطع الفنان جمال سليمان بشخصية سلطان الغائب، وهو سجين سابق في "سجن صيدنايا"، قاتل في العراق ضد الاحتلال الأميركي قبل أن يقع في قبضة النظام السوري
"بنت النعمان".. عمل كوميدي يجمع محمد أوسو وريام كفارنة في رمضان
تتناول حلقات المسلسل المتصلة المنصلة مواقف يومية تعكس تفاصيل الحياة وهمومها، بروح ساخرة ولغة قريبة من الجمهور