فوضى الحقيقة في ملف السجون السورية
4 يونيو 2026
منذ سقوط النظام السابق، لم تتوقف الشهادات والوثائق والتسجيلات المرتبطة بسنوات الاعتقال والقمع عن الظهور إلى العلن. وفي كل مرة تنتشر فيها وثيقة جديدة أو شهادة جديدة، يعود ملف المعتقلين والمختفين قسرًا إلى واجهة النقاش العام، ليس بوصفه ملفًا حقوقيًا فحسب، بل باعتباره أحد أكثر الملفات تأثيرًا في مستقبل الدولة السورية نفسها.
فالقضية لم تعد تتعلق بما جرى في الماضي فقط، وإنما بكيفية تعامل السوريين مع هذا الماضي، وكيف يمكن تحويل الحقيقة من مادة للصدمة والغضب إلى أساس قانوني لبناء العدالة واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.
الحقيقة ليست ملكًا لأحد
من حق السوريين أن يعرفوا ما حدث في السجون والمعتقلات خلال العقود الماضية. ومن حق عائلات الضحايا أن تصل إلى المعلومات التي حُرمت منها سنوات طويلة. فالمجتمعات لا تتجاوز إرث الانتهاكات الجسيمة عبر النسيان، بل عبر كشف الحقيقة وتوثيق الوقائع والاعتراف بها ومحاسبة المسؤولين عنها.
لكن الوصول إلى الحقيقة لا يكفي وحده. فالحقيقة عندما تُنشر بصورة مجتزأة أو غير موثقة أو خارج الأطر القانونية قد تتحول إلى مادة للجدل السياسي أكثر من كونها أداة لتحقيق العدالة. وهنا تظهر المعضلة الأساسية وهي كيف يمكن الجمع بين حق المجتمع في المعرفة وحق الضحايا في عدالة حقيقية ومنظمة؟
التسريبات بين القيمة الحقوقية والفوضى المعلوماتية
لا شك أن أي وثيقة أو تسجيل أو شهادة تتعلق بالانتهاكات السابقة قد تحمل قيمة كبيرة في كشف الوقائع وإثبات المسؤوليات. غير أن القيمة القانونية لأي معلومة لا تُقاس فقط بمحتواها، بل أيضًا بطريقة الحصول عليها وحفظها والتحقق منها.
الحقيقة وحدها لا تكفي، والعدالة وحدها لا تكتمل، ما لم تتحول كلتاهما إلى أساس دائم لبناء دولة تحترم الإنسان وتحمي حقوقه وتعيد للمجتمع ثقته بأن القانون يمكن أن يكون أقوى من الخوف
ففي التجارب الدولية المختلفة، لم تكن العدالة الانتقالية قائمة على تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل على بناء منظومات متخصصة لجمع الأدلة وتحليلها وحمايتها وضمان سلامة استخدامها أمام الهيئات القضائية.
ولهذا فإن استمرار تداول الوثائق الحساسة خارج الأطر المؤسسية قد يحقق انتشارًا إعلاميًا واسعًا، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج قانونية فعلية. بل قد يؤدي أحيانًا إلى إضعاف بعض الأدلة أو التشكيك بمصداقيتها أو تحويلها إلى مادة للصراع السياسي والإعلامي.
العدالة الانتقالية ليست محاكمة فقط
والعدالة الانتقالية لا تقتصر على محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات أو إصدار الأحكام بحقهم، كما يعتقد كثيرون، بل هي عملية أوسع وأعمق تهدف إلى معالجة آثار مرحلة كاملة من العنف والاستبداد. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات لا تحتاج إلى العقاب وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى كشف الحقيقة، والاعتراف بما وقع من انتهاكات، وإنصاف الضحايا، وتعويضهم عن جزء من الأضرار التي لحقت بهم، إلى جانب بناء ضمانات قانونية ومؤسساتية تمنع تكرار تلك الممارسات في المستقبل. لذلك فإن نجاح العدالة الانتقالية لا يُقاس بعدد المحاكمات أو الأحكام الصادرة فحسب، بل بقدرتها على ترميم الثقة بين المواطنين والدولة، وتحويل الألم الجماعي إلى فرصة لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على سيادة القانون واحترام الحقوق والكرامة الإنسانية.
الحاجة إلى مؤسسة موثوقة لا إلى معارك مفتوحة
السوريون اليوم أمام تحدٍ مزدوج. فمن جهة هناك حاجة ملحة لكشف مصير الآلاف من المختفين والمغيبين قسرًا، ومن جهة أخرى هناك حاجة لحماية هذا الملف من التوظيف السياسي أو الإعلامي أو الشخصي.
ولهذا فإن بناء مؤسسات قادرة على إدارة الأرشيفات والوثائق والشهادات بات ضرورة وطنية، وليس مجرد إجراء إداري. فالدول الخارجة من النزاعات لا تنتقل إلى الاستقرار عبر ردود الأفعال المتفرقة، بل عبر مؤسسات تمتلك الشرعية والكفاءة والاستقلالية.
إن تحويل كل معلومة جديدة إلى جزء من ملف قانوني متكامل سيكون أكثر فائدة للضحايا من بقائها مادة متداولة لساعات أو أيام على منصات التواصل.
العدالة طريق إلى المستقبل لا إلى الانتقام
أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من الصراعات هو الخلط بين العدالة والانتقام. فالانتقام يبحث عن خصم، أما العدالة فتبحث عن حقيقة ومسؤولية وقانون.
ولهذا فإن نجاح التجربة السورية المستقبلية يتوقف إلى حد كبير على قدرتها على إنتاج نموذج يحقق حقوق الضحايا من دون أن يعيد إنتاج منطق الثأر أو الإقصاء. فالدولة التي تريد تجاوز إرث الاستبداد لا تستطيع أن تبني شرعيتها الجديدة على ممارسات تشبه ما تحاول تجاوزه.
وفي النهاية، يبقى ملف السجون والمعتقلات واحدًا من أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري المعاصر، لأنه يتصل مباشرة بآلام آلاف العائلات وبذاكرة وطن بأكمله. والتحدي الحقيقي لا يكمن في كشف المعلومات فقط، بل في تحويلها إلى حقيقة قانونية معترف بها، وإلى حقوق قابلة للاسترداد، وإلى ضمانات تمنع تكرار المأساة مستقبلًا.
فالحقيقة وحدها لا تكفي، والعدالة وحدها لا تكتمل، ما لم تتحول كلتاهما إلى أساس دائم لبناء دولة تحترم الإنسان وتحمي حقوقه وتعيد للمجتمع ثقته بأن القانون يمكن أن يكون أقوى من الخوف.
الكلمات المفتاحية
معارضة غائبة وسلطة حاضرة
ليست السلطة وحدها من يصنع المستقبل، بل خصومها أيضًا. وإذا كان خصومها بهذا القدر من التشتت، فلا غرابة أن يطول عمرها
"أكاديميو السلطان".. عن العنقاء والمستبد العادل
كثر هم "الأساتذة" الذي باتوا يشبهون "شيوخ السلطان"، ينهلون من الكتب والمراجع أفكارًا وعبارات يلبسونها الثوب المناسب لتغدو منسجمة مع مقتضيات المصلحة، مصلحة أولي الأمر بالتأكيد
مجلس الشعب.. بين ثقل الظل وخفة الفعل السياسي
القضية في أن يعود البرلمان إلى لعب دور العرض المسرحي بدل ممارسة المساءلة والرقابة
الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تدين استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود وتطالب بتحقيق دولي
أدانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في بيان لها اليوم الإثنين، بأشد العبارات تكرار الهجمات التي استهدفت سفنًا بحرية تجارية تضم على متنها بحارة وطواقم سورية
تقرير: شركة "شيفرون" تدرس إعادة تشغيل خط نفط يربط العراق بالساحل السوري
تدرس شركة النفط الأميركية العملاقة "شيفرون" إمكانية إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي قديم يمتد من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس على الساحل السوري
بعد أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب.. كيف برر اتحاد السلة عقوباته؟
لم تكن أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب ضمن سلسلة مباريات "فانيال 4" في دوري سلة المحترفين مجرد لحظة عابرة في ذاكرة المنافسات الرياضية
ارتفاع جديد في درجات الحرارة.. ماذا ينتظر السوريين هذا الأسبوع؟
تشهد سوريا خلال الأيام المقبلة موجة طقس صيفية حارة تبلغ ذروتها يومي الثلاثاء والأربعاء، قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض اعتبارًا من الخميس