في اليوم العالمي لمكافحة الفساد.. إصلاح المؤسسات أداة لتحقيق العدالة الانتقالية
9 ديسمبر 2025
التاسع من كانون الأول/ ديسمبر هو اليوم العالمي لمكافحة الفساد، ويمتد هذا المفهوم ليشمل جوهر بناء الدول ما بعد النزاعات، فالدول التي عاشت سنوات طويلة من عهود الحرب والاستبداد، لا يكون الفساد فيها مجرد خلل إداري، بل ظاهرة متجذرة، تلعب دورًا محوريًا في تكريس منظومة الحكم وأذرعها التي ترتكب الانتهاكات، لتصبح مكافحة الفساد أداة من أدوات تحقيق العدالة، وشرطًا أساسيًا لتفكيك البنى التي طالما كانت أداة السلطة للقمع.
ويعتبر إصلاح المؤسسات أحد ركائز العدالة الانتقالية، لضمان عدم تكرار الانتهاكات، من خلال إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والقضائية والإدارية، لتبنى دولة قانون قادرة على حماية الحقوق وتحقيق المساءلة واستعادة ثقة المجتمع، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمواجهة الفساد الاقتصادي الدي يعادل الانتهاكات الحقوقية.
مفهوم "الإصلاح المؤسسي"
يقول المحامي علي المليجي لـ"الترا سوريا" إن الإصلاح المؤسسي وفق منظور العدالة الانتقالية، يعني إعادة بناء أجهزة الدولة وتحديدًا الأمن والقضاء والإدارة، وبالمعنى القانوني هو عملية مراجعة وهندسة تشريعية وإدارية، تشمل تغيير القوانين المنظمة للمؤسسات، وإصلاح الهياكل التنظيمية، واستبعاد المتورطين بانتهاكات جسيمة، وترسيخ مبادئ المساءلة والشفافية.
ويهدف الإصلاح المؤسسي لضمان عدم تكرار الانتهاكات، وتحويل الدولة من جهاز قمعي إلى جهاز يخضع للقانون ويخدم المواطن، ومعالجة الاختلالات البنيوية التي سمحت بحدوث الانتهاكات سابقًا.
الإصلاح المؤسسي ركيز لتحقيق العدالة الانتقالية
لا تقتصر العدالة الانتقالية على المحاكم ولجان الحقيقة، بل تتجاوز ذلك لتكون أداة لبناء العقد الاجتماعي، لضمان عدم تكرار الانتهاكات، واستعادة الثقة بين الدولة والمواطن، وتهيئة بيئة قانونية محايدة تمكن من المحاسبة والإنصاف، وتحويل الدولة من دولة أشخاص لدولة مؤسسات.
وحول القطاعات والمؤسسات الأكثر أولوية بالإصلاح في سوريا اليوم، يوضح المليجي أن أهمها مؤسسة القضاء لأنها المرجعية لكافة الإصلاحات الأخرى، ففي حال لم يكن القضاء مستقلًا، لا يمكن محاسبة الفاسدين أو الانتهاكات، وكذلك الأجهزة الأمنية لأنها على صلة مباشرة بالانتهاكات، ما يجعل إعادة هيكلتها ضرورة ملحة، لتجنب تكرار الانتهاكات.
ومن المؤسسات التي يعتبر إصلاحها ضرورة جهاز الشرطة، ليصبح سلطة مدنية مجتمعية بدلًا من أداة قمعية، وكذلك الإدارة المحلية، لضمان تقديم خدمات محايدة وشفافة بعيدًا عن شبكات الفساد والمحسوبيات، وتفعيل دور الإعلام الرسمي ليكون أداة للرقابة والمساءلة.
وعادة ما تكون شبكات الفساد مترابطة ومتداخلة مع السلطة السياسية والأمنية، فيتطلب لتفكيكها والتعامل معها:
1ــ آليات تدقيق وتقصي وظيفتها مراجعة نزاهة وسلوك العاملين في المؤسسة، خاصة القضاة والضباط والموظفين الإداريين.
2ــ إنشاء هيئات مستقلة لمكافحة الفساد بصلاحيات تحقيق وإحالة للمحاكم
3 ــ إنهاء حالات التعيين القائمة على الولاء
4ــ رقمنة الخدمات الإدارية، فكلما قل الاحتكاك المباشر مع الموظفين، قلت فرص الفساد.
5ــ محاسبة علنية في الملفات الكبرى؛ لإرسال رسالة ردع للفساد
آليات إصلاح المؤسسات
وفق المعايير الدولية يتطلب الإصلاح عزل القيادات المتورطة في الانتهاكات، فلا يمكن إصلاح مؤسسة من الداخل والإبقاء على مرتكبي الانتهاكات في مناصبهم داخلها، حيث قامت دول كثيرة بالعزل الوظيفي بعد النزاعات مثل تشيكيا، الأرجنتين، جنوب أفريقيا.
ويشير المليجي إلى أهمية إشراك الضحايا في عملية إصلاح المؤسسات، لأن الضحايا يعرفون مكامن الخلل وبمشاركتهم تكتسب العملية صبغة شرعية، ويتحقق ذلك من خلال لجان الاستماع والاستطلاعات وتمثيل الضحايا في لجان إصلاح القضاء ووضع أولويات متصلة بالحق في الحقيقة والإنصاف.
تتبع واستعادة الأموال المنهوبة جزء من العدالة
وترى الباحثة في القانون الدولي والعلاقات الدولية الحقوقية أنوار غيث أن ربط الفساد بالمساءلة وتتبع الأموال المنهوبة ركن أساسي لبناء منظومة العدالة الحديثة وتحقيق هدف العدالة الانتقالية، من خلال وجود آليات دولية ومحلية توضح مسار العمل على مكافحة الفساد وتتبع الأموال المنهوبة، ما يساهم في بناء استراتيجية ممنهجة ذات طابع قانوني وسليم.
ولا تكتمل مكافحة الفساد بمجرد كشف العمل الجرمي، بل تتطلب منظومة تعنى بمساءلة الفاعلين، وتتبع تدفق الأموال غير المشروعة والسعي لاسترداد الأصول التي تم تهريبها أو إخفاؤها، وفي السياق السوري هذا الأمر في غاية الأهمية، لكسر إرث الإفلات من العقاب الذي ظهر في فترة النظام السابق، ولترسيخ قواعد جديدة قوامها الالتزام بالقانون، كما أن العمل على استرداد الأموال المنهوبة يؤمن توجيه هذه الموارد لخدمة وبناء الدولة واستثمارها في إعادة الإعمار وتعقب الشبكات المالية التي استخدمها النظام السابق.
ووفقا لـغيث فإن الدمج بين المساءلة وتتبع الأموال المنهوبة خطوة ضرورية لضمان نجاح المرحلة الانتقالية، إذ لا يمكن تحقيق العدالة الشاملة دون الجمع بين المحاسبة الجنائية والسياسية والعدالة المالية، مؤكدة أن هذا الربط يساهم في تفكيك شبكات الفساد التي ترسخت لعقود ويساعد في تقليص آثارها، كما يضمن استعادة الموارد العامة التي جرى الاستيلاء عليها، ما يعني تأمين مصادر تمويل وطنية وتعزيز الثقة الشعبية بالدولة من خلال إثبات قدرتها على استعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة المسؤولين ووضع آليات رقابة تمنع تكرار ممارسات الفساد مستقبلًا.
وتختم غيث حديثها لـ"الترا سوريا" بالحديث عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والتي تظهر أن استرداد الموجودات يعد مبدأ أساسيًا في مكافحة الفساد، إذ يفرض على الدول التعاون في تبادل المعلومات المصرفية والمالية وفق المادة 56، ورفع السرية البنكية عند الضرورة وفق المادة 40، وتجميد الأصول التي تم الحصول عليها من الفساد ومصادرتها وفق المادة 54 و55، ومن ثم إعادة الأموال إلى الدولة المتضررة وفق المادة 57، وبالتالي فإن الاتفاقيات الدولية في حال تم الالتزام بها، تشكل درع حماية قانونيًا لاتخاذ الخطوات اللازمة وتحث الدول على التعاون من أجل ضمان استرداد الأموال المنهوبة.
الكلمات المفتاحية

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية
أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية
انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها

"هيومن رايتس ووتش": الحكومة السورية تجعل العدالة أولوية لكن جهودها انتقائية وتفتقر للشفافية
أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في "التقرير العالمي 2026" بأن الحكومة السورية اتخذت خطوات أولية في عام 2025 لتعزيز العدالة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


