قتلى أميركيون في تدمر: هجوم يفتح أسئلة أمنية وسياسية في لحظة مفصلية
14 ديسمبر 2025
في هجوم استهدف اجتماعًا ميدانيًا أعقب جولة مشتركة بين قوات أميركية وقوات أمنية سورية في مدينة تدمر وسط البلاد، قُتل جنديان أميركيان ومدني أميركي واحد، وأُصيب ثلاثة عسكريين أميركيين، فيما لم يتضح بعد ما إذا كان هناك ضحايا من الجانب السوري، باستثناء مطلق النار الذي جرى تحييده من قبل قوات الأمن السوري عقب اشتباكات معه.
وتُعدّ هذه الحادثة، التي سقط فيها قتلى أميركيون، الأولى من نوعها منذ تدخل التحالف الدولي في سوريا، وتطرح جملة من الأسئلة حول الأسباب والتداعيات وهوية منفذ الهجوم، كما أن توقيت الحادثة ومكانها لا يقلان أهمية عن مجريات الحدث نفسه.
مكان وتوقيت الهجوم
تُعدّ مدينة تدمر من المناطق التي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" سيطرته عليها مرتين بشكل كامل عامي 2015 و2016، قبل أن يقوم جيش النظام السابق بطرد التنظيم منها واستعادتها. ورغم ذلك، لا تزال البادية السورية عمومًا من المناطق التي ينشط فيها تنظيم الدولة.
وسبق، بعد سقوط نظام الأسد، أن نفذت قوات الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات السورية سلسلة عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش، شملت مداهمة أوكار للتنظيم واعتقال مجموعة من عناصره، إضافة إلى مصادرة أسلحة.
كما تضم مدينة تدمر مطارين عسكريين، هما مطار التيفور ومطار تدمر العسكري، إلى جانب مقر لأمن البادية، الذي يُعتقد أن الاجتماع المستهدف كان يُعقد داخله. وتُعدّ تدمر أيضًا نقطة وصل استراتيجية بين دمشق وحمص ودير الزور، وتكتسب أهمية إضافية لكونها نقطة استراتيجية لقاعدة التنف التي تسيطر عليها القوات الأميركية.
وجاءت العملية في توقيت بالغ الأهمية لعدة اعتبارات. أولًا، وقعت بعد نحو شهر من إعلان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، ما شكّل نكسة في مسار التعاون داخل التحالف، إذ إن الهجوم جاء عقب ثاني عملية مشتركة مع القوات الحكومية السورية بعد هذا الانضمام، وأسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين.
ثانيًا، جاءت العملية بعد أول إعلان رسمي لتنظيم داعش عن مهاجمة القوات الحكومية السورية جنوب شرقي إدلب، عند جسر بلدة سراقب، ما أدى إلى مقتل عسكري وإصابة آخر، وهي المرة الأولى التي يتبنى فيها التنظيم عملية ضد القوات الحكومية منذ سقوط النظام، بعد أن كانت عملياته موجّهة ضد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" أو ضد الأقليات السورية، وفق بياناته.
ثالثًا، تزامنت العملية مع تصويت الكونغرس الأميركي على قانون إلغاء "قيصر"، وقبل تصويت مجلس الشيوخ، ما يفتح المجال أمام فرضية أن الهجوم قد يكون جاء في سياق محاولة عرقلة إلغاء القانون من قبل تنظيم الدولة.
رابعًا، جاءت العملية بعد نحو نصف شهر على عملية بيت جن، التي أدت إلى إصابة ستة جنود من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
منفذ العملية
رغم وضوح الرواية الأميركية التي نسبت منفذ العملية إلى تنظيم داعش، فإن الرواية السورية بدت مربكة، وحملت تفسيرات متعددة. إذ لم يؤكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في حديثه إلى "الإخبارية السورية"، ولم ينفِ في الوقت نفسه، انتماء منفذ الهجوم إلى تنظيم داعش، مكتفيًا بالقول إن المنفذ لا يملك أي ارتباط قيادي داخل الأمن الداخلي، ولا يُعد مرافقًا لقائد الأمن الداخلي في البادية.
وأوضح البابا أن التحقيقات لا تزال جارية للتأكد من صلة المنفذ بتنظيم الدولة أو حمله فكر التنظيم، كاشفًا عن وجود نحو خمسة آلاف عنصر أمن في البادية يخضعون لتقييمات أسبوعية، وتتخذ إجراءات دائمة بحقهم بناءً على تلك التقييمات.
ولفت إلى أن منفذ الهجوم صدر بحقه تقييم بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول يفيد باحتمال حمله أفكارًا تكفيرية أو متطرفة، مشيرًا إلى أنه كان من المقرر صدور قرار بحقه يوم الأحد، كونه أول يوم دوام رسمي في الأسبوع، إلا أن الهجوم وقع يوم السبت الذي يُعد يوم عطلة إدارية.
وفي السياق نفسه، نقلت "رويترز" عن ثلاثة مسؤولين سوريين قولهم إن الرجل الذي هاجم عسكريين سوريين وأميركيين في مدينة تدمر وسط البلاد كان عنصرًا في قوات الأمن السورية.
كما قالت وكالة فرانس برس، نقلًا عن مصدر أمني، إن منفذ الهجوم كان عنصرًا في جهاز الأمن العام، وعمل ضمن الجهاز التابع لوزارة الداخلية السورية منذ أكثر من عشرة أشهر، وشارك في مهام أمنية في أكثر من مدينة قبل نقله إلى تدمر. وأضاف المصدر أن "أكثر من 11 عنصرًا تابعًا للأمن العام جرى توقيفهم وإحالتهم إلى التحقيق فور وقوع الحادثة".
بدورها، كشفت منصة "تأكد" عن هوية منفذ العملية، مشيرة إلى أن اسمه طارق صطوف الحمد، الملقب "أبو صطيف"، وأرفقت ذلك بصورة قالت إنها تعود له، فيما نشرت مجموعة من القنوات والمواقع الرسمية الصورة ذاتها على أنها صورة متداولة لمنفذ الهجوم.
ردود الفعل
جاءت ردود الفعل الأميركية إيجابية تجاه الحكومة السورية، بدءًا من رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب، وقيادة القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، ووزير الحرب الأميركي بيتر هيغسيث، وصولًا إلى المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، حيث أكدوا جميعًا استمرار محاربة الإرهاب بالتنسيق مع الحكومة السورية، مشددين على أن منفذ العملية ينتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية داعش.
وينسجم هذا الموقف مع السياسة الأميركية الداعمة للحكومة السورية، إذ يُعد تعزيز رواية اتهام داعش الخيار الأسلم بالنسبة لواشنطن، في ظل صعوبة توجيه اتهام مباشر لأن يكون منفذ العملية من عناصر الحكومة السورية، خاصة بعد التعاون الوثيق معها في ملفات أمنية وعسكرية واقتصادية، وبعد رفع العقوبات عن سوريا وعن الرئيس أحمد الشرع.
وبحسب مصادر محلية، نفذت قوات التحالف الدولي سلسلة اعتقالات في مدينة تدمر عقب العملية، طالت عددًا من عناصر الأمن الداخلي التابعين للحكومة السورية، من بينهم مسؤول الدراسات الأمنية في المدينة.
ومن بين ردود الفعل الأميركية المتوقعة، مراجعة البروتوكول والآلية المعتمدة في التعاون مع الحكومة السورية، ولا سيما من حيث مراجعة أسماء الأشخاص الذين يُعقد معهم الاجتماع أو يجري التعاون معهم. ففي حال ثبوت أن منفذ العملية عنصر في الأمن العام ولديه صلات بتنظيم داعش أو يحمل فكر التنظيم، فإن القوات الأميركية ستعيد تقييم الجهات والأشخاص الذين يجري التعاون معهم، بما في ذلك القوات السورية العاملة في الحراسة أو ضمن الدوائر المشاركة في التعاون.
أما في حال لم يكن المنفذ تابعًا لوزارة الداخلية وكان عنصرًا في تنظيم داعش، فإن ذلك يعني وجود خرق أمني وتسريب معلومات مكّن التنظيم من معرفة توقيت ومكان الاجتماع، وهو أيضاً يتطلب مراجعة في الآلية المتبعة.
وربما تعيد الولايات المتحدة الأميركية تعزيز اعتمادها على قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في محاربة تنظيم داعش، من دون التخلي عن التعاون مع الحكومة السورية، استنادًا إلى تجربة سابقة امتدت نحو عشر سنوات، لم تشهد خلالها حوادث مشابهة.
داخليًا، قد يُنظر إلى ما جرى في الولايات المتحدة باعتباره فرصة لمعارضي الرئيس ترامب وسياساته، ولا سيما من الحزب الديمقراطي، لتوجيه اتهامات له بسبب الانفتاح على سوريا. كما قد تصدر مواقف ناقدة من داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، وخصوصًا من مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، التي تضم 18 جهاز استخبارات أميركي، وتترأسه تولسي غابارد، المعروفة بمعارضتها للسياسات التي تقضي بإرسال جنود أميركيين إلى الخارج، وخاصة إلى سوريا، ومعارضتها للانفتاح الذي يقوده ترامب على الحكومة السورية الجديدة.
ويُتوقع أن يشكل مقتل جنود أميركيين ضغطًا كبيرًا على ترامب وإدارته في كيفية التعامل مع الحادثة، نظرًا لحساسية هذا النوع من الأحداث أمام الرأي العام الأميركي، وصعوبة المرور عليه دون تداعيات سياسية وأمنية.
في المحصلة، تكشف حادثة تدمر عن هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا، وعن حجم التعقيد الذي يرافق إعادة دمج البلاد ضمن منظومة التحالفات الدولية، ولا سيما في الملف الأمني المرتبط بمحاربة تنظيم داعش. فالهجوم، بغضّ النظر عن هوية منفذه النهائية، يضع التعاون السوري–الأميركي أمام اختبار حقيقي، ويفتح الباب أمام مراجعات عميقة في آليات التنسيق وتبادل المعلومات، كما يعيد طرح أسئلة قديمة – جديدة حول اختراق المؤسسات الأمنية، وحدود السيطرة على البادية السورية.
وفي ظل تشابك العوامل السياسية والأمنية والتوقيت الحساس داخليًا وخارجيًا، تبقى تداعيات هذه الحادثة مفتوحة على احتمالات متعددة، لن تتضح ملامحها النهائية إلا مع ما ستسفر عنه التحقيقات، وكيف ستُترجم سياسيًا وأمنيًا في المرحلة المقبلة.
الكلمات المفتاحية

الطبقة.. مدينة السد والمحور الذي تتجاذبه الجغرافيا والسياسة
لا تقتصر أهمية هذه المدينة على كونها ثانية كبريات محافظة الرقة، بل تتعداها إلى موقعها الجيواستراتيجي الفريد وارتباطها بمشروع سد الفرات

خاص "الترا سوريا": مسعود بارزاني يقود مبادرة لدمج "قسد" في الدولة السورية
يقود مسعود بارزاني مبادرة تدعم اندماج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية الموحدة، مقابل عدم بقائها ككيان منفصل

خرائط متغيرة: انسحاب "قسد" من حلب يُعيد رسم معادلات النفوذ شمال سوريا
يأتي قرار الانسحاب في وقت تشهد فيه الخريطة السورية تحولات كبيرة، تفرض إعادة رسم توازنات النفوذ بين القوى المختلفة

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


