ultracheck
قول

قمع لا يعترف بنفسه.. حين يصبح الرأي قضية جنائية

10 يونيو 2026
عنصر من قوى الأمن الداخلي أمام إحدى المظاهرات في دمشق
الكلمة الحرة، في سوريا تحديدًا، تملك تاريخًا ثقيلًا (Getty/ الترا سوريا)
رامي العاشق
رامي العاشق شاعر وكاتب وصحفي من فلسطين/ سوريا

سقط الأسد كما نعلم جميعًا، سقط رأس النظام، وتهاوت معه أجهزة وأسماء وشعارات ربما، لكن الذي لم يسقط بعد بشكل كامل هو البنية الأسدية والمنطق الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن: "الخوف".

خاف السوريون لعقود من النظام وأجهزة الأمن والجيش والمخابرات، وخافوا من المخبرين ومن أصدقائهم وأقربائهم، ومن القتلة والشبيحة، ومن الذين يريدون فرض أفكارهم الضيقة على بلد منوع ومتعدد. 

خاف السوريون من الواقع ومن المستقبل، من الذي يعرفونه ومن المجهول، من الوطن والمنفى، وصار الخوف أوكسجينًا لا نستطيع العيش من دونه لأن الأمان خيال لا نعرفه. الخوف هنا وسيلة نجاة لا مفر منها، لكنه سيصبح كارثة إن تحول إلى أسلوب حياة. 

حين يدار المجتمع من قبل السلطة بالخوف، تكون الهشاشة سمتها الأساسية. وبالنظر إلى واقعنا اليوم في سوريا بعد الأسدية، قد لا يكون التخويف بالقتل الصريح أو التعذيب كما كان الحال أيام الأسد، بل عبر إنتاج هشاشة جمعية تجعل الجميع قابلين للتأديب بطرق أخرى، أقل وحشية، لكنها ليست أقل خطورة. المنطق والفلسفة التي تقف خلف الحكم بالخوف هي ذاتها، ولو استعملت لغة مختلفة وتقنيات أقل فجاجة وأكثر قابلية للتسويق سياسيًا.

الاعتقالات والاستدعاءات التي حدثت خلال عام ونصف، وطالت أشخاصًا مثل مازن عرجا، وإياد شربجي، وخولة برغوث، وحسان عقاد، لا تبدو رسميًّا في ظاهرها اعتقالات سياسية مباشرة لأصحاب رأي مخالف للسلطة.

لا بيانات رسمية تتحدث عن "وهن نفسية الأمة" (ولو أنها إحدى التهم التي اعتقل بسببها المحامي مازن عرجا مؤخرًا بالإضافة إلى المساس بمقام الرئاسة ومقام الأمانة العامة)، ولا محاكم أمن دولة، ولا تقارير حزبية عن "التآمر على الوطن".

ربما، نكون أمام طور جديد من تكميم الأفواه، طور لا يعاقب الرأي بوصفه رأيًا، بل يحول صاحبه إلى مشتبه جنائي

على العكس، يبدو كل شيء قانونيًا تقريبًا: دعاوى خاصة، شكاوى شخصية، اتهامات جنائية، إجراءات قضائية.. ثم بعد فترة من التوقيف والضغط والإذلال والتشهير، يخرج المعتقل بريئًا أو شبه بريء. لكن البراءة هنا لا تنفي وظيفة الاعتقال، فالغاية لم تكن الإدانة أصلًا، إنما العقاب.

وهنا، ربما، نكون أمام طور جديد من تكميم الأفواه، طور لا يعاقب الرأي بوصفه رأيًا، بل يحول صاحبه إلى مشتبه جنائي. وهذه نقلة شديدة الدلالة سياسيًا. فالسلطة الجديدة تدرك أن الاعتقال السياسي الصريح بات مكلفًا رمزيًا، داخليًا وخارجيًا. لم يعد ممكنًا بسهولة إنتاج سجين رأي واضح، لأن صورة السجين السياسي السوري باتت ثقيلة أخلاقيًا ووجدانيًا بعد عقود الأسدية، وبعد مئات آلاف الضحايا. لذلك، يجري الالتفاف على الموضوع، فلا أحد يعتقل لأنه معارض، بل لأنه "مُشتكى عليه".

ولكن السؤال: هل نحن نغادر الدولة الأمنية فعلًا؟ أم أننا ننتقل من "أمننة السياسة" إلى "جنْأنة السياسة"؟ إن كان كذلك، فنحن أمام تحول خطير، فتغطية الخلاف السياسي أو النقد العام باتهامات جنائية يخلط بين المجالين الأخلاقي والحقوقي، ويشوش على إمكانية التضامن العام.

حين كان المعارض يُعتقل سياسيًا، كان موقعه واضحًا نسبيًا بوصفه ضحية سلطة قمعية وسجين رأي. أما حين يعتقل بتهمة جنائية، ولو كانت ملفقة أو هزيلة، فإن جزءًا من أثر الاعتقال يكمن تحديدًا في تلويث السمعة، وفي زرع الشك، وفي جعل الدفاع عنه أقل تلقائية وأكثر ارتباكًا.

تكريس هذه الظاهرة سيكون صيغة حديثة نسبيًا للقمع. صيغة لا تصنع شهيدًا، بل تصنع شخصًا منهكًا وخائفًا من التكرار. ولا تحتاج السلطة هنا لإسكات الجميع نهائيًا بالضرورة، بل إدخالهم في دوامة من القلق.

يكفي أن يعرف الصحفي أو المحامي أو الناشط أن منشورًا واحدًا قد يفتح عليه باب استدعاء، أو دعوى، أو توقيف لأيام أو أسابيع، حتى يبدأ بتعديل لغته تلقائيًا. بمعنى آخر، تراجع الرقيب الخارجي لصالح الرقيب الداخلي. 

ولعل المفارقة القاسية أن صيغة كهذه تأتي أحيانًا مغطاة بخطاب "دولة القانون". كأن المشكلة ليست في الاعتقال نفسه، أو بالقانون الإشكالي، بل فقط في استكمال الإجراءات! بينما الحقيقة أن "التوقيف" هو العقوبة الأساسية. أما المحاكمة فتصير تفصيلًا إداريًا لاحقًا. لذلك لا يعود مهمًا كثيرًا أن يُدان الشخص أو يُبرّأ، لأن الرسالة أُرسلت بالفعل: يمكن الوصول إليك، ويمكن تعليق حياتك مؤقتًا، ويمكن عزلك اجتماعيًا وإعلاميًا متى اقتضت الحاجة.

هذه ليست مجرد ثغرات أو انحرافات في جهاز قضائي، ولا حتى سقطة انتقالية كونها تستند في بعضها إلى قانون الجرائم الإلكترونية الأسدي، بل قد تكون تعبيرًا عن نمط حكم يتشكل أمامنا. نمط لا يحتاج إلى الشمولية الكلاسيكية، ولا إلى المجازر المفتوحة كي ينتج الطاعة. يكفيه أن يجعل الحرية مكلفة للغاية، وأن يجعل الكلام مخاطرة شخصية مستمرة. وكأننا أمام "حداثة" في القمع بكونه أقل دموية، ولكنه قادر على التسلل إلى الحياة العامة بوصفه أمرًا عاديًا وطبيعيًا.

في زمن الأسد الأب والابن، كان العنف فاضحًا. يعرف الجميع أن الأجهزة الأمنية فوق القانون، وأن الاعتقال سياسي في جوهره. أما اليوم، في هذه الصيغة، فثمة خطر يتمثل في تغليف القمع بإجراءات قانونية شكلية، بما يسمح بإنكار طابعه السياسي. 

الإنكار هنا ليس أمرًا ثانويًا بل جوهري، لأن السلطة تستطيع قمعك وإنكار قمعك في آن معًا، وتمتلك قدرة مضاعفة على تفكيك المجال العام وإرباك الفعل السياسي عبر سلب المعتقل منظومة أمانه المتمثلة بالمتضامنين معه، الذين سيتراجعون إلى الوراء لأن القضية "ليست سياسية"، وسينتظرون "أن يأخذ القانون مجراه" لأنهم يحترمون القانون ويريدون دولة قانون.

وليست مصادفة أن تستهدف هذه الممارسات أشخاصًا ذوي حضور تعبيري أو رمزي كالمحامين والناشطين والصحافيين وأصحاب الرأي. فالمشكلة ليست في ما يقولونه فقط، بل في قدرتهم على إنتاج رواية مغايرة. وهذا غير مرحب به من قبل سلطة منتصرة تعيد خلق سردية موحدة على مقاسها.

الكلمة الحرة، في سوريا تحديدًا، تملك تاريخًا ثقيلًا، لأن السوريين يعرفون ثمن الكلام منذ عقود، ولا يعطي السلطة وصولها بعد الثورة وشعارات الحرية صك براءة من ممارسة التسلط بالضرورة.

لكن الأخطر ربما، لأنه قابل للتحقيق، هو اعتياد المجتمع تدريجيًا على هذا النمط، وهناك عدد لا بأس به من السوريين الذين يفضلون "المستبد العادل" المستقر على الحرية التي لا يعرفونها. الاستبداد لا يعيش فقط على العنف والقوة، بل يتغذى على التطبيع وإشاحة النظر. حين تتكرر الاعتقالات "القانونية" ويتأقلم الناس معها، يبدأ المجال العام بالانكماش تلقائيًا.

السؤال إذن، ليس إن كانت سوريا قد عادت إلى القمع، لأن القمع لم يغادر فعليًا كي يعود. سقف حرية التعبير المرتفع حاليًا هش وغير مؤسسي وغير مضمون. السؤال هو: أي شكل جديد يتخذه القمع؟ وكيف يمكن مقاومته قبل أن يترسخ على أنه الطبيعي؟ فليس بالضرورة أن يكون الاستبداد بوجه ديكتاتوري صريح، بل قد يكون متخفيًا على هيئة قضاء، أو قانون، أو "حق خاص"، أو حملة إلغاء.

ضمن هذا التعقيد، لم يعد كافيًا الدفاع عن المعتقل بوصفه "سجين رأي" بالمعنى التقليدي، بل صار مطلوبًا أيضًا تفكيك آليات التجريم نفسها، وكشف كيفية استخدام "القانون" ضد العدالة، و"الإجراءات" ضد الحرية، و"الحق الخاص" ضد المجال العام.

الكلمات المفتاحية

قاعة مجلس الشعب السوري وسط العاصمة دمشق

معارضة غائبة وسلطة حاضرة

ليست السلطة وحدها من يصنع المستقبل، بل خصومها أيضًا. وإذا كان خصومها بهذا القدر من التشتت، فلا غرابة أن يطول عمرها


كتاب قديم

"أكاديميو السلطان".. عن العنقاء والمستبد العادل

كثر هم "الأساتذة" الذي باتوا يشبهون "شيوخ السلطان"، ينهلون من الكتب والمراجع أفكارًا وعبارات يلبسونها الثوب المناسب لتغدو منسجمة مع مقتضيات المصلحة، مصلحة أولي الأمر بالتأكيد


لقطة من الجلسة الأولى لمجلس الشعب

مجلس الشعب.. بين ثقل الظل وخفة الفعل السياسي

القضية في أن يعود البرلمان إلى لعب دور العرض المسرحي بدل ممارسة المساءلة والرقابة


أبراج سوريا

لماذا تريد سوريا أبراجًا؟ في الدوافع السياسية والنفسية لبناء الأبراج

ما بين برج ترامب، وبرج الجوهرة، والأبراج الحكومية والاستثمارية، تتحول دمشق إلى ساحة تنافس على من يغرس مسلّة نصره أولًا في أفق المدينة

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية
أخبار

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تدين استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود وتطالب بتحقيق دولي

أدانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في بيان لها اليوم الإثنين، بأشد العبارات تكرار الهجمات التي استهدفت سفنًا بحرية تجارية تضم على متنها بحارة وطواقم سورية

شيفرون
أخبار

تقرير: شركة "شيفرون" تدرس إعادة تشغيل خط نفط يربط العراق بالساحل السوري

تدرس شركة النفط الأميركية العملاقة "شيفرون" إمكانية إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي قديم يمتد من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس على الساحل السوري


حمص الفداء أهلي حلب
منوعات

بعد أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب.. كيف برر اتحاد السلة عقوباته؟

لم تكن أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب ضمن سلسلة مباريات "فانيال 4" في دوري سلة المحترفين مجرد لحظة عابرة في ذاكرة المنافسات الرياضية

طقس سوريا
أخبار

ارتفاع جديد في درجات الحرارة.. ماذا ينتظر السوريين هذا الأسبوع؟

تشهد سوريا خلال الأيام المقبلة موجة طقس صيفية حارة تبلغ ذروتها يومي الثلاثاء والأربعاء، قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض اعتبارًا من الخميس

الأكثر قراءة

1
أخبار

ارتفاع مؤقت للحرارة.. كيف سيكون طقس سوريا خلال الأيام المقبلة؟


2
سياسة

سوريا والتحولات الأميركية.. مكاسب الشراكة وكلفة التفويض


3
أخبار

انتهاء عمليات البحث في حادثة عبّارة دير الزور والحصيلة ثمانية ضحايا


4
قول

معارضة غائبة وسلطة حاضرة


5
أخبار

بعد العثور على جثمانها.. الأمن الداخلي يوقف مشتبهين في قضية وفاة الطفلة فرح الحمود


advert