كفرنبودة بعد الحرب: عودة بطيئة وسط الركام وارتفاع تكاليف الحياة
16 مارس 2026
تعيش بلدة كفرنبودة في ريف حماة الشمالي واقعًا خدميًا ومعيشيًا قاسيًا، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وغياب الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وانتشار الركام ومخلفات الحرب في أحيائها. ويضاعف هذا الواقع معاناة الأهالي الذين عادوا إليها بعد سنوات من النزوح على أمل استعادة حياتهم الطبيعية.
غياب الرقابة والجهود الحكومية
ورغم عودة عدد من العائلات خلال الفترة الماضية، إلا أن الواقع على الأرض كان صادمًا لكثيرين. يقول أحمد شريم، أحد أبناء البلدة، لموقع "الترا سوريا": "كنا ننتظر العودة بفارغ الصبر، لكن بعد العودة تفاجأ العائدون بغياب كامل للخدمات، فالبلدة مدمرة بشكل شبه كامل، ولا يوجد ماء منتظم، ولا كهرباء، ولا صرف صحي بالشكل المطلوب".
وأضاف شريم أن أسعار المواد الغذائية خيالية ومرتفعة نتيجة غياب الرقابة واستغلال بعض الباعة للأوضاع، مؤكدًا أن البلدة تحتاج إلى جهود حكومية وأهلية حقيقية لإعادة الخدمات الأساسية التي تشجع المدنيين على العودة والاستقرار. كما أشار إلى أن كثيرًا من الأهالي اضطروا للانتقال إلى بلدات قريبة ومتاخمة بحثًا عن الخدمات الأساسية التي تضمن الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ويعاني الأهالي أيضًا من غياب أغطية الصرف الصحي في شوارع البلدة، وانتشار مخلفات الحرب بين الأنقاض والبيوت المدمرة، ما أدى خلال الفترة الماضية إلى إصابة عدد من الأطفال وبعض السكان بجروح متفاوتة نتيجة السقوط أو العبث بالمخلفات الخطرة.
وبحسب تقديرات الأهالي، فإن نحو 70% من البلدة مدمر بشكل كامل أو جزئي، ويحتاج إلى إزالة الركام مباشرة، في حين يحتاج النصف الآخر إلى استشارات هندسية وترميم المنازل لتكون صالحة للسكن. ويقدر الأهالي عدد العائلات التي عادت بنحو 1500 عائلة، بينما تنتظر نحو ألفي عائلة أخرى توافر الخدمات الأساسية ورفع الركام قبل العودة.
أزمة ممتلكات وأراضٍ للبيع
على الصعيد الاقتصادي، لا تقتصر المعاناة على غلاء الأسعار فحسب، بل تمتد أيضًا إلى أزمة ممتلكات وأراضٍ تُعرض للبيع تحت ضغط الحاجة. يقول محمد الشيخ، من أبناء البلدة، لـ"الترا سوريا" إن الكثير من الأهالي يعمدون إلى عرض أراضيهم للبيع، وقد بدأ بعضهم فعلًا ببيعها من أجل ترميم منازلهم أو إعادة إعمارها.
ويوضح الشيخ أن سعر الدونم الواحد يتراوح حالياً بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دولار، وهو سعر منخفض جدًا قياسًا بما كانت عليه الأسعار سابقًا، مشيرًا إلى أن بعض الأشخاص يستغلون حاجة السكان للمال وكثرة العرض، ويشترون الأراضي بأسعار لا تتجاوز ربع قيمتها الحقيقية.
إلى جانب ذلك، تأثر الأهالي العام الماضي بموجة جفاف قاسية ضربت المنطقة، ما أدى إلى خسائر كبيرة نتيجة فشل المواسم الزراعية، التي تشكل المصدر الأساسي للدخل في البلدة. فقد تراجعت إنتاجية المحاصيل بشكل حاد، وخسر المزارعون تكاليف البذار والأسمدة والحراثة دون تحقيق عائد يُذكر، الأمر الذي عمّق الأزمة الاقتصادية ودفع المزيد من العائلات إلى الاستدانة أو بيع جزء من ممتلكاتها لتغطية نفقاتها.
مطالب بمشاريع تنموية تعيد الثقة للسكان
كما لا يزال الركام المنتشر في شوارع وأحياء البلدة شاهدًا على حجم الدمار، رغم وجود حملة محدودة لإزالته، في ظل غياب حملات منظمة وكافية لإعادة تأهيل الطرقات. هذا الواقع لا يعرقل الحركة اليومية فحسب، بل يشكل خطرًا على السكان، ويحد من عودة النشاط التجاري والزراعي بالشكل المطلوب.
وعلى الرغم من الجهود الحكومية والخدمية المبذولة، إلا أن الاحتياجات ما تزال كبيرة وتتطلب متابعة أكبر. وبإشراف مؤسسة المياه في محافظة حماة، تم تشغيل بئر مياه في المدينة لتحسين الواقع الخدمي، إلا أن العديد من الآبار الحكومية ما تزال خارج الخدمة وتحتاج إلى تفعيل لسقاية الأهالي.
وفي المقابل، تم تنفيذ مشروع إنارة الطرقات في المدينة، ويستمر العمل على إنارة عدة نقاط مظلمة داخل الحارات بمصابيح تعمل بالطاقة الشمسية، في ظل غياب الكهرباء نتيجة الدمار الكبير في البنية التحتية وخطوط الكهرباء.
ويرى الأهالي أن معالجة واقع كفرنبودة تتطلب خطة شاملة تبدأ بإعادة تأهيل البنية التحتية، وإزالة الركام ومخلفات الحرب، وضبط الأسواق والحد من فوضى الأسعار، ودعم القطاع الزراعي لتعويض خسائر المزارعين، وصولًا إلى إطلاق مشاريع خدمية وتنموية تعيد الثقة للسكان وتشجع من تبقى خارج البلدة على العودة.
وفي نهاية المطاف، يأمل أهالي البلدة في توفير الخدمات الأساسية وزيادة الجهود الحكومية، والعمل على دعم الأسر الموجودة ماديًا وزراعيًا، لتشجيع السكان الغائبين عن البلدة على العودة والمساهمة في إعادة إعمارها والنهوض بها كما كانت سابقًا. ورغم الواقع الأليم الذي يعيشه السكان، إلا أن أملهم متجدد بغد أفضل.
أقرأ/ي أيضًا: موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان
أقرأ/ي أيضًا: إدلب تستقبل العائدين من الخارج.. أزمات السكن والعمل والخدمات تعيد طرح سؤال الاستقرار
الكلمات المفتاحية
دير الزور بين إيقاف الحراقات البدائية وتداعيات الأزمة المعيشية والبيئية
يفاقم إيقاف الحراقات البدائية في دير الزور أزمة الوقود رغم تخفيف التلوث، ويرفع الأسعار ويزيد الضغوط الاقتصادية على الأهالي
أزمة الغاز في حماة: سوق سوداء نشطة وخسائر متزايدة للمطاعم والمحال
سجلت مدينة حماة وريفها أزمة غاز غير مسبوقة في ظل نقص التوريد وارتفاع الأسعار، ما يضغط على المعيشة ويهدد النشاط التجاري والخدمي بشكل متزايد
أبعد من جدل غسان عبود: كيف يُدار الاقتصاد في سوريا؟
يرصد التقرير جدل تصريحات عبود، ويحلل إدارة الاقتصاد في سوريا بين الإصلاحات المعلنة وغموض القرار والشفافية خلال المرحلة الانتقالية
في الدوري الممتاز: الكرامة يحسم قمة الجولة وأهلي حلب يعلن تعليق مشاركته
شهدت أولى جولات مرحلة الإياب فوز الكرامة على الوحدة وتعادل الجيش وتشرين، مقابل تصاعد أزمة أهلي حلب وتعليق مشاركته رسميًا
من تلوين البيض إلى إنهاء الخصومات.. كيف احتفل شرق سوريا بالعام الإيزيدي الجديد؟
أحيا أبناء المجتمع الإيزيدي في مناطق شرق سوريا طقوس عيد "الأربعاء الأحمر" إيذانًا ببدء رأس السنة الإيزيدية الجديدة وسط أجواء احتفالية وتجمعات شعبية حاشدة
الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية
يكشف انتحار معتقل سابق معاناة الناجين من سجون الأسد وسط غياب الرعاية وتبادل المسؤوليات واستمرار الفراغ المؤسسي دون حلول فعلية
حوار| مازن الناطور: القرار في النقابة ليس صوتًا واحدًا.. والحزم ضرورة في بعض المواقف
في هذا الحوار مع نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور، لم يطرح موقع "الترا سوريا" الأسئلة فقط، إنما فتح النوافذ على مرحلة كاملة، بكل ما فيها من ارتباك وأمل