ultracheck
عدالة انتقالية

كيف تعود "الرموز الوطنية" أداة لبناء الهوية الجامعة

11 يناير 2026
الرموز
يمكن استثمار الرموز الوطنية كجسر نحو بناء الهوية الوطنية الجامعة (الأناضول)
بتول الحكيم
بتول الحكيمإعلامية مستقلة

تشكل الرموز الوطنية، مثل العلم والنشيد والعملة، أكثر من مجرد علامات سيادية أو أدوات رسمية؛ فهي تعبير مكثف عن هوية الدولة وذاكرتها، وطبيعة علاقتها بمواطنيها، وفي البلدان الخارجة من النزاعات تتحول هذه الرموز من مسلّمات يومية إلى قضايا جدلية، لأنها تحمل في طياتها ذاكرة السلطة بقدر ما تحمل معنى الوطن.

وفي السياق السوري، لم تعد الأسئلة حول هذه الرموز تقتصر على شكلها أو استخدامها، بل امتدت إلى دلالاتها الأخلاقية والرمزية، وإلى قدرتها على تمثيل السوريين جميعًا بعد سنوات من الانقسام والعنف، فالإبقاء اليوم على رموز متورطة بالانتهاكات يعد شكلًا من أشكال التطبيع مع العنف وإعادة إنتاج للألم بالنسبة للضحايا.

حين تتحول الرموز الوطنية إلى أدوات لشرعنة العنف

تقول الكاتبة والصحفية سهير أومري لـ"الترا سوريا": في الحالة السورية قبل التحرير، جرى اختطاف هذه الرموز من معناها الجمعي، وتحويلها إلى ملكية سياسية حصرية، بحيث لم تعد تمثل الوطن، بل السلطة التي تتحدث باسمها.

وتحوّل الإعلام من وظيفة الإخبار إلى وظيفة الهندسة الذهنية، عبر: تكرار سردية واحدة للتاريخ والحاضر تُقصي أي رواية بديلة، وإعادة تعريف الوطنية بوصفها الطاعة لا المشاركة، ولا ننسى الأهم وهو تجريم الذاكرة المخالفة، فالضحية لا تُذكر والحدث يُعاد تأويله بسردية القمع، والمعاناة تُمحى ولا يعود لها أثر في السردية المتداولة. بهذا لم يعد الإعلام، الذي هو واحد من أهم الرموز الوطنية، ناقلًا للواقع، بل صانعًا لذاكرة قسرية تُفرض بالتكرار والخوف.

وكذلك بالنسبة للأعياد الرسمية، صارت طقوس ولاء لا مناسبات وطنية، ففقدت معناها الطبيعي كمحطات جامعة للشعب، وتحولت إلى طقوس إلزامية للولاء وإثبات لمدى الوطنية المصطنعة بمقاييس النظام البائد ومعاييره القائمة بالدرجة الأولى على إعادة تشكيل مفهوم (المواطن الصالح) القابل للخضوع، وتحويل مفهوم (الشعب) إلى مفهوم (القطيع).

وتوضح أومري أن النشيد الوطني لم يعد تعبيرًا عن مشاعر وطنية حينها، بل أصبح أداة بيد النظام لتقزيم مفهوم الوطن وحصره بالجيش العقائدي المسخر لحماية النظام حصرًا، وترسيخ ارتباط هذا الجيش والقائد بالوطن ككل، وأي معارضة تعني خيانة الأرض وضياع الوطن، وهكذا تحوّل النشيد من صوت الجماعة إلى لغة السلطة، فلم تكن الرموز الوطنية مجرد عناصر ثقافية، بل كانت أدوات ضبط الوعي، وإعادة كتابة الذاكرة، وشرعنة العنف باسم الوطن.

حين تفقد الرموز الوطنية حيادها

تذكر أومري أن الرموز الوطنية تفقد حيادها حين تُنتزع من معناها الجمعي وتُعاد صياغتها بوصفها ملكًا لسلطة، عندها لا تعود الأعلام أو الأناشيد أو الأعياد تعبيرًا حرًّا عن الانتماء، بل تتحول إلى اختبارات صامتة للولاء، يُكافأ المنضبط بها ويُعاقَب من يشكك بها أويعارض النظام الذي يحتكرها.

وتفقد هذه الرموز أيضًا حيادها عندما تُستخدم لتبرير الإقصاء أو تغطية العنف أو إسكات الضحايا باسم الوطن، فتفقد نهائيًا أي حياد أخلاقي، وتغدو أدوات قمع ناعمة تعيش في الذاكرة أطول من القمع المباشر، لأنها لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تُزرع في اللغة والمشاعر والخوف اليومي.

وتشير أومري إلى إمكانية استعادة الرموز بعد إساءة استخدامها، لكن ذلك لا يتم تلقائيًا ولا بالشعارات، بل عبر مسار واعٍ وطويل، لأن الرمز المتضرر لا يكون قد فقد شكله فقط، بل ثقة الناس به.

استعادة الرمز تبدأ، وفقا لـ أومري، حين يُفك الارتباط بينه وبين القسر والخوف، أي عندما يتوقف استخدامه كأداة اختبار للولاء أو كغطاء أخلاقي للعنف، ويُعاد تقديمه بوصفه مساحة مفتوحة يتشاركها الجميع دون شروط مسبقة، فلا يمكن للرمز أن يُستعاد وهو لا يزال مفروضًا أو محاطًا بالمحظورات، لأن الفرض يعيد إنتاج الجرح نفسه ولو تغيّر الخطاب.

بمعنى آخر، تُستعاد هذه الرموز عندما تعود إلى الناس لا إلى المنابر فقط، وحين تظهر في الثقافة والفن والتعليم والإعلام بوصفها تعبيرًا عن التجربة الجماعية لا عن الخطاب الرسمي.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الرموز لا تُستعاد دفعة واحدة، ولا يتصالح معها الجميع في الوقت نفسه. بعض الناس سيحتاج وقتًا أطول، وبعضهم سيظل مترددًا، وهذا طبيعي لأن نجاح الاستعادة لا يُقاس بسرعته، بل بقدرة الناس على التعامل معه دون خوف، ودون شعور بالإكراه، ودون أن يشعر المواطنون أن الرمز يُستخدم ضدهم مرة أخرى.

صناعة الذاكرة عبر الرموز الوطنية

رئيس تيار سوريا الجديدة، ياسر تيسير العيتي، يوضح لـ "الترا سوريا" أن الرموز الوطنية اليوم فرصة للعمل المباشر مع المواطنين وإشراكهم في صناعة القرار، موضحًا أن تسميات الشوارع والمدارس اليوم يجب أن تكون عملية تشاركية مع أهالي المنطقة، مع مراعاة انسجامها مع المعايير الوطنية، عبر اختيار أسماء جامعة تراعي البعد الوطني، فتسميات الفضاء العام من مهامها تعزيز قيم الثورة السورية، المتمثلة في الحرية والعدالة والكرامة، إكرامًا لأرواح الشهداء الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لترسيخ هذه المبادئ.

ويضيف العيتي أن الرسائل التي يجب أن تتوفر في الرموز الوطنية بسوريا اليوم، تتمثل في قيام الدولة على العدل والحق وحفظ كرامة الإنسان، إضافة إلى تحميلها رسائل تفاؤل بمستقبل سوريا وثقة بقدرات السوريين، وتوثيق للأحداث التاريخية الجامعة التي تركز على الوحدة الوطنية، وتكريس مبادئ التسامح والعيش المشترك والسلم الأهلي دون المساس بمبادئ العدالة الانتقالية والمحاسبة، مشيرًا إلى أن أهم الرموز الإشكالية التي يجب معالجتها كل ما يتعلق بالنظام الساقط الذي نهب ثروات الشعب السوري على مدى ستين سنة، وكل ما يمت لحزب البعث بصلة يجب محوه من الذاكرة الوطنية، ويتضمن ذلك أسماء الشوارع والمدارس والفضاءات العامة.

الرموز الوطنية أدوات لبناء الهوية الجامعة

من جهته أوضح المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية بواشنطن د. رضوان زيادة لـ"الترا سوريا" أن الرموز الوطنية تتيح فرصة ذهبية لفتح نقاش وطني حول اختيار هذه الرموز بوصفها أدوات لبناء الهوية الوطنية السورية الجامعة.

وأضاف زيادة أن اختيار رموز العملة على سبيل المثال كان يمثل فرصة حقيقية ومميزة للنقاش الوطني، فالعملة بمثابة الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن مثل هذه الأمور تتم من خلال إثارة نقاش وطني عبر ورشات عمل وعبر وسائل التواصل الاجتماعي ومسابقات وطنية ويمكن أيضًا إشراك الطلبة في المدارس والجامعات، وذلك يصب في إعادة بناء التماسك الاجتماعي وتعزيز معاني الانتماء.

في المجتمعات الخارجة من النزاعات، يمكن استثمار الرموز الوطنية كجسر نحو بناء الهوية الوطنية الجامعة، واستخدامها لترميم الثقة وبناء عقد وطني واجتماعي جديد، لتصبح هذه الرموز أداة توحيد تعكس قيم المواطنة والمساواة والعدالة وتؤسس لوطن يتسع للجميع.

الكلمات المفتاحية

مدلول العزيز

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية

أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية


وزارة الإعلام

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟

أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية


السجون

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا

الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه


وزارة العدل

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية

أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert