كي يكون السلم عادلًا.. العدالة الانتقالية بين الرغبة في الانتقام والحاجة للمصالحة
14 نوفمبر 2025
في المجتمعات الخارجة من الحرب، لا تكون الأسئلة الكبرى سياسية فحسب، بل وجودية أيضًا. فبعد أن يهدأ الرصاص، يبدأ السؤال الأثقل: كيف يمكن أن نعيش معًا بعد كل ما جرى؟ هل يمكن للسلام أن يكون عادلًا؟ أم أن العدالة، في معناها الكامل، مستحيلة في ظل ما خلفته الحرب من جراح وانقسامات ودماء؟
في الحالة السورية، يطفو اليوم على سطح الخطاب السياسي والمجتمعي حديث متزايد عن ضرورة تطبيق العدالة الانتقالية، باعتبارها خطوة لا مفر منها نحو بناء الدولة والمجتمع بعد سنوات من العنف والانقسام. هذا المفهوم ليس جديدًا في العالم، لكنه يبدو غريبًا على مجتمعات لم تعرف سوى العدالة بمعناها العقابي أو الانتقامي. في الواقع، العدالة الانتقالية لا تبحث عن "الثأر" بل عن التوازن بين حق الضحايا في الإنصاف وحق المجتمع في الحياة والاستمرار.
بين العدالة والانتقام: الخط الرفيع
من الطبيعي أن يشعر الناس، بعد الحرب، برغبة عارمة في الانتقام. فالدماء لم تجف بعد، والذاكرة ما زالت ملتهبة بالصور والأسماء والوجوه. لكن التجارب التاريخية، من جنوب أفريقيا إلى رواندا وتشيلي، أثبتت أن الانتقام لا يصنع عدالة، بل يمدّد دورة العنف ويؤسس لجولات جديدة من الصراع. العدالة الانتقالية، على العكس، تقوم على مبدأ "عدم الإفلات من العقاب" ولكن بطريقة تضمن المساءلة دون التدمير، والمحاسبة دون الكراهية.
وفي العودة إلى سوريا، إن ما جرى خلال الشهور الماضية، من أعمال القتل والخطف، هو أساسًا بدوافع انتقامية، والسبب دائمًا غياب القانون، وتحوّل العدالة إلى شأن فردي أو فئوي. في مثل هذا المناخ، يصبح مفهوم العدالة الانتقالية أكثر من مجرد خيار قانوني أو سياسي، بل ضرورة مجتمعية لتفادي الانهيار الأخلاقي الكامل.
إن غياب العدالة يجعل كل فرد يشعر بأنه قاضٍ وجلاد في الوقت ذاته، وأن الخلاص لا يكون إلا بالثأر. بينما وجود عدالة انتقالية حقيقية يعيد الثقة بالمؤسسات، ويُخرج الأفراد من دوامة "حقّي بيدي" إلى "حقّي في الدولة وعندها".
المصالحة ليست نسيانًا
كثيرون يخلطون بين المصالحة والنسيان، فيظنون أن الدعوة إلى المصالحة تعني تجاوز الماضي وكأن شيئًا لم يحدث. لكن المصالحة الوطنية، كما فهمتها تجارب الشعوب، هي على العكس تمامًا: تذكّر واعٍ ومسؤول للماضي، بغية منع تكراره.
في جنوب أفريقيا مثلًا، بعد سقوط نظام الفصل العنصري، لم يُطلب من الضحايا أن يغفروا لمضطهديهم دون مقابل، بل تمت محاكمات واستجوابات علنية، واعترفت الأطراف بجرائمها. الغاية لم تكن "الثأر"، بل "الحقيقة". ومن ثمّ انطلقت مصالحة وطنية مبنية على المكاشفة والمصارحة، لا على الكتمان أو النسيان.
في الحالة السورية، يبدو أن الطريق إلى مصالحة حقيقية يجب أن يمر عبر كشف الحقيقة أولًا. لا يمكن بناء ثقة جديدة في ظل غموض الماضي، ولا يمكن لسلام هشّ أن يصمد فوق ركام الأكاذيب. المصالحة ليست صفقة سياسية، بل عقد أخلاقي جديد بين السوريين، يُعيد تعريف معنى الانتماء والمواطنة، ويمنح الجميع شعورًا بالأمان المتبادل.
الحكومة الانتقالية ومسؤولية ترميم الثقة
من مهام أي حكومة انتقالية في مرحلة ما بعد النزاع أن تكون جسرًا بين الماضي والمستقبل. فهي مطالبة بأن توازن بين حاجتين متناقضتين ظاهريًا: حاجة الناس إلى العدالة، وحاجة البلاد إلى الاستقرار. ذلك يتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات، وصدقًا في إدارة الحوار الوطني.
أول ما يجب أن تدركه هذه الحكومة هو أن السلام لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالثقة. والمجتمع السوري، بعد كل ما مرّ به، يعاني من أزمة ثقة عميقة: ثقة بالمؤسسات، بالقضاء، بالجيش، بالإعلام، وبالآخر المختلف سياسيًا أو طائفيًا أو مناطقيًا. العدالة الانتقالية هنا ليست مجرد قوانين ومحاكم، بل عملية شاملة تعيد ترميم هذه الثقة خطوة بخطوة ومن من خلال أفعال منها:
1. تأسيس هيئة وطنية للعدالة الانتقالية تضم ممثلين عن الضحايا والمجتمع المدني وكافة الأطراف السياسية، لضمان استقلالية القرار.
2. فتح ملفات المفقودين والمعتقلين والمغيبين قسرًا بشفافية، وإعطاء الأولوية لحق العائلات في معرفة مصير أبنائها.
3. إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية لتصبح أداة للعدالة لا وسيلة للقمع.
4. تعويض الضحايا ماديًا ومعنويًا، لا كمنّة من الدولة بل كحق.
5. تشجيع المبادرات المجتمعية للمصالحة، من خلال الحوار بين المكونات المحلية، وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي.
العدالة كشرط للسلام
من دون عدالة، لن يكون السلام سوى هدنة مؤقتة. فالمجتمعات التي تُسكت آلامها بالقوة تعود وتنزف في أول اختبار. العدالة الانتقالية ليست عقبة أمام السلام، بل هي شرطه. لأنها تعالج الجذور لا الأعراض، وتعيد تعريف معنى "الوطن" كفضاء للكرامة لا للهيمنة.
لكن في المقابل، لا يمكن للعدالة أن تكون مطلقة في مرحلة انتقالية. فهي عدالة ممكنة وليست مثالية، تهدف إلى الحدّ من الألم لا إلى محوه كليًا. وهذا ما يجعلها صعبة ومؤلمة في آن واحد، لأنها تطلب من الضحايا اتخاذ خيار قاس: أن يختاروا الأمان على الكراهية.
نحو سلامٍ عادل
أن يكون السلام عادلًا لا يعني أن ينال كل طرف ما يريد، بل أن يشعر الجميع بأن كرامتهم لم تُهدر. العدالة الانتقالية، حين تُصمّم وتُنفّذ بصدق، تمنح المجتمع فرصة نادرة لإعادة بناء ذاته على أسس إنسانية، لا على توازنات القوة.
ربما لا يمكن لأي قانون أن يعيد الحياة لمن فقدوا، أو أن يمحو من الذاكرة سنوات الألم، لكن يمكن لقانونٍ عادلٍ أن يمنع تكرار المأساة. فجوهر العدالة الانتقالية ليس في معاقبة كل مجرم، بل في بناء نظام يضمن ألا يولد العنف من جديد.
إن السؤال "هل يمكن للسلام أن يكون عادلًا؟ لا يُجاب عنه بالنصوص، بل بالأفعال. والجواب، في نهاية المطاف، مرهون بقدرتنا على تجاوز الرغبة في الانتقام نحو الرغبة في الشفاء. فحين نختار المصالحة الواعية لا النسيان، والمسؤولية لا الثأر، يصبح السلام ممكنًا، لا كهدنة هشة، بل كحياة جديدة تستحق أن تُعاش.
الكلمات المفتاحية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد
يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

"ضد مجهول".. عائلات مئات الضحايا تنتظر الإنصاف من الحكومة
ليس هناك إحصاءات دقيقة لنوع وعدد الجرائم المسجلة "ضد مجهول" في سوريا منذ سقوط الأسد

وجود النساء في الأجهزة الأمنية.. وجه آخر للعدالة
فتحت وزارة الداخلية أمام النساء باب الانتساب إلى قوى الأمن الداخلي، عبر الالتحاق بمعهد الشرطة النسائية، ما يكسر الصورة النمطية للمرأة في مجالات محددة

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية
توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية
يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد
يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية
ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل


