"لا تقلد من ظلمك".. ورشة عمل حول العدالة الانتقالية في سوريا
24 نوفمبر 2025
نظم منتدى المجلس العربي في إسطنبول ورشة عمل تمحورت حول العدالة الانتقالية وأدوات تحقيقها في سوريا، وترأس الجلسة الرئيس الأسبق لتونس ورئيس المجلس، د. منصف المرزوقي، ونائب المجلس د. أيمن نور، ود. أحمد طعمة، وأدارها الحقوقي المعتصم الكيلاني، وبحضور عدد من الشخصيات الحقوقية العربية والسورية.
وافتتح المرزوقي الحوار بالحديث عن الأسس التي تقوم عليها العدالة الانتقالية والتي تتمثل بالاعتذار ومعاقبة الجناة وتعويض المتضررين مشيرًا إلى أهمية التوثيق لضمان تحقيق ذلك، فيما وجه د. نور نصيحة للشعب السوري قائلًا: "لا تشبه من ظلمك.. افعل العكس"، والتي تعتبر قاعدة ذهبية لتجنب الانتهاكات خلال مسار العدالة الانتقالية، لئلا تتحول العدالة الانتقالية إلى ثأر وتفرغ من معناها الحقيقي، وقال د. طعمة إن أول ما اشرأبت إليه أعناق الشعب السوري حين سقط النظام الطائفي البعثي هو العدالة الانتقالية، لافتًا إلى أن الطريق الذي تسلكه السلطة اليوم لتحقيق العدالة ليس الطريق الأمثل، ما يجعلنا جميعا معنيين لتصحيح هذا المسار وتقديم الدعم بأشكاله لتحقيق ذلك.
التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية
وأشار الحضور إلى أن أهم التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية اليوم وحدة الأراضي السورية، حيث لا تزال بعض الجغرافية السورية خارج سيطرة الحكومة، إلى جانب انتشار السلاح خارج الدولة، وفي أيدي الميليشيات المتمردة في السويداء وفي مناطق سيطرة قسد، بالإضافة إلى فقدان التشريعات الموائمة، فقانون العقوبات لا يتضمن موادًا تتعلق بجرائم الحرب والانتهاكات ض الإنسانية، فيمكن وفقًا لهذه التشريعات القاصرة أن تسقط الجرائم التي ارتكبت عام 2011 بفعل التقادم.
المجتمع المدني شريك في تحقيق العدالة
في السياق نفسه، يؤكد الحقوقي المعتصم الكيلاني لـ"الترا سوريا" أن العدالة الانتقالية خط أحمر، ولا يمكن تخطي مسار العدالة الانتقالية فهي المسار الوحيد لتحقيق السلم الأهلي، مشيرًا إلى دور المجتمع المدني في تحقيق ذلك، حيث يعتبر شريكًا في تحقيق العدالة وتنفيذها، كما كان اللاعب الأساسي في ذلك بكل من جنوب أفريقيا وفي كثير من النماذج الأخرى.
وأضاف الكيلاني أن أي تأخير في مسار العدالة يفتح مجالا أمام الثأر والانتقام، ولا يمكن لأحد أن يمنح صك البراءة أو يؤذن باجتياز المرحلة إلا الضحايا وذويهم.
مسارات العدالة الانتقالية
من جهته قال المحامي علي المليجي لـ"الترا سوريا" إن العدالة الانتقالية خطوة ضرورية لمعالجة انتهاكات الماضي وبناء مستقبل أفضل، وتتضمن كشف الحقيقة والاعتراف بالانتهاكات والتعويض وإصلاح المؤسسات وتعزيز المصالحة الوطنية، مؤكدًا ضرورة وجود مدونة سلوك تعكس خطة الحكومة لتنفيذ العدالة الانتقالية، فما نشهده اليوم لا يخضع لهيكلية محددة، فتارة تقوم وزارة العدل بتحقيق العدالة وفق رؤيتها، فيما تقوم نقابة المحامين بذلك بطريقة مغايرة.. وهكذا.
وأضاف المليجي أن مسار العدالة يجب أن يتضمن محاكمة أصحاب القرار من الدائرة الضيقة لصنع القرار السياسي والعسكري، وملاحقتهم وفق الأقنية القانونية المحلية والدولية وإقرار العزل السياسي والمدني للدائرة المنفذة للقرارات، عبر إقرار قائمة بأسماء الأشخاص المعزولين، من قبل هيئة العدالة الانتقالية، لعدم السماح لهؤلاء بالتسلل لمراكز صناعة القرار مجددًا، بالإضافة إلى مسامحة البسطاء وغير المتنفذين لطي صفحة الماضي.
ويوضح أن التجارب التي نجحت في هذا المسار تميزت بالإرادة السياسية الجادة ومشاركة المجتمع المدني وتحقيق التوازن بين كشف الحقيقة والمحاسبة، والإصلاح المؤسسي لضمان عدم تكرار الانتهاكات وتعزيز المصالحة والوحدة الوطنية.
تجارب ملهمة في تحقيق العدالة الانتقالية
وعن بعض التجارب الملهمة يذكر المليجي أن سيراليون بعد الحرب الأهلية شكلت محكمة خاصة لمحاسبة كبار المجرمين، ولجنة توثيق للانتهاكات وسماع شهادات الضحايا إلى جانب برنامج دمج المقاتلين السابقين، فقدمت تجربة ناجحة مزدوجة بين الاعتراف بالانتهاكات وتقديم الجناة للمساءلة القانونية، كما قامت تشيلي بعد ديكتاتورية بينوشيه بإنشاء لجان تقصي الحقائق كلجنة فاليك، التي وثقت الانتهاكات وقدمت تعويضات للضحايا بالإضافة لدعم إصلاحات دستورية وقضائية، بالرغم من إغفال محاكمة بعض الجناة، إلا أنها قدمت مسارًا متدرجا نحو العدالة.
وأضاف المليجي: في محكمة نورمبرغ الكبرى تمت محاكمة 24 شخصًا من قادة النظام النازي، وتم الحكم بالإعدام على 12 شخصًا، بينما حصل آخرون على أحكام بالسجن أو البراءة، وأنشئت محاكمات أخرى بعد سقوط النازية، بعيدًا عن محاكمات نورمبرغ، كانت هناك محاكمات متعددة في ألمانيا تم إجراؤها ضد أفراد آخرين من النظام النازي على مدار سنوات طويلة بعد الحرب. تشمل هذه المحاكمات محاكمات ضباط الجيش النازي، القضاة النازيين، والعاملين في منظمات مثل الشرطة السرية النازية (غستابو) و إس إس، ويقدر أن أكثر من 100,000 شخص خضعوا للمحاكمة في مختلف المحاكمات التي جرت في ألمانيا بعد الحرب. ومع ذلك، كانت هذه المحاكمات تميل إلى التركيز على المسؤولين في الصفوف العليا للنظام النازي في البداية، بينما تأخر التحقيق مع بعض المسؤولين الأقل رتبة.
ويختم المليجي حديثه لـ "الترا سوريا" بأن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات بل طريق لتحقيق وحدة وطنية وديمقراطية قائمة على الحقيقة والعدالة.
الكلمات المفتاحية

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية
أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية
انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها

"هيومن رايتس ووتش": الحكومة السورية تجعل العدالة أولوية لكن جهودها انتقائية وتفتقر للشفافية
أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في "التقرير العالمي 2026" بأن الحكومة السورية اتخذت خطوات أولية في عام 2025 لتعزيز العدالة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


