لماذا تريد سوريا أبراجًا؟ في الدوافع السياسية والنفسية لبناء الأبراج
13 يوليو 2026
"برج ترامب في دمشق؟ سوريا تسعى لاستمالة الرئيس الأميركي من أجل تخفيف العقوبات".
رويترز"اقتُرح بناء ناطحة سحاب في إطار محاولة لاستمالة الرئيس الأميركي، بينما كانت الحكومة السورية الجديدة تسعى إلى رفع العقوبات". الغارديان.
"برج ترامب في دمشق ليس مجرد مشروع إنشائي، إنه رسالة".
وليد الزعبي، الرئيس التنفيذي لمجموعة تايغر، لموقع ذا ميديا لاين."يحمل مشروع برج الجوهرة دلالة استراتيجية تتجاوز كونه استثمارًا عقاريًا، إذ يُعد خطوة رمزية وعملية لإعادة إحياء الوسط التجاري الدمشقي".
شام نتورك."أبراج الفراشة الملكية، والتي ترتفع إلى 45 طابقًا، لتكون الأيقونة المعمارية للمدينة بفضل فرق المنسوب، حيث يمكن رؤية هذه الفراشات من أي نقطة في المدينة".
الحرية.
بمرور سريع على أبرز العناوين والمواد الإعلامية التي تناولت المشاريع الجديدة في سوريا، يمكن ملاحظة أن نقاشات بناء الأبراج تبدو اليوم أبعد ما تكون عن أي سياق وظيفي أو بيئي أو حتى عمراني بالمعنى الحقيقي للكلمة. ويجمعها خطاب واحد يدور حول الرسالة، والرمزية، والاستثمار، والأيقونة، والعودة إلى العالم.
يكاد الجانب المتعلق بالحاجة إلى المكان يكون أبعد الجوانب تأثيرًا في اتخاذ قرارات بناء هذه المشاريع، إذ يبدو أقرب إلى منتج جانبي لأسباب سياسية ونفسية أعمق. ففي ظل الوضع الاقتصادي والأمني المتردي الذي تعاني منه البلاد، ناهيك عن الدمار، تظهر هذه المشاريع كوعود براقة تبيع "نسخة محدودة ومحروسة من الحياة الحضرية" داخل المدينة، من دون التصادم مع واقعها ومشكلاتها.
فهل يبقى، أمام هذا المشهد، للنقاش المعماري البحت المتعلق بالشكل والوظيفة والكثافة والبنية التحتية أي جدوى فعلية؟ أم أن علينا العودة إلى جذور القضية، وطرح السؤال الأسبق: ما الدافع وراء هذه المشاريع؟ ولماذا، رغم كل التحذيرات، ما زلنا نريد أبراجًا؟
العمارة بوصفها خطابًا
يقول لويس سوليفان: "بمجرد أن نتعلم النظر إلى العمارة ليس باعتبارها مجرد فن يُنجز بطريقة جيدة أو رديئة، بل بوصفها تجليًا اجتماعيًا، فإن العين الناقدة تصبح أكثر استبصارًا، وتغدو الظواهر الغامضة وغير الملحوظة مضاءة بوضوح".
ويوضح فريدريك جيمسون أن المحتوى السياسي للعمارة رمزي/استعاري، تمامًا مثل الفن. فالعمارة، بحسب جيمسون، "خامدة"، وهي أكثر أشكال الفن كبتًا؛ فكل شكل فني آخر يتطلب على الأقل حدًا أدنى من القراءة، بينما تُعاش العمارة أو يُتحرك ضمنها وحولها. ولهذا السبب نفسه تُهمَل قراءتها السياسية، مع أنها كانت دائمًا وسيلة لتجسيد السلطة وعكس صورة المجتمع وبنيته السياسية.
ما بين برج ترامب، وبرج الجوهرة، والأبراج الحكومية والاستثمارية، تتحول دمشق إلى ساحة تنافس على من يغرس مسلّة نصره أولًا في أفق المدينة
ومن هنا، فإن قراءة مشاريع الأبراج تستدعي النظر إليها بوصفها جزءًا من خطاب سياسي واجتماعي أوسع. فمن خلال تتبع طبيعة القرارات السياسية، واللغة المرافقة لهذه المشاريع، واستجابات المجتمع لها، يمكن تجاوز القراءة العمرانية التقليدية، والكشف عن الدوافع السياسية والنفسية الكامنة وراء رغبة الحكومات، ورؤوس الأموال، وحتى المجتمعات نفسها، في إنشاء الأبراج والمنشآت الأيقونية.
لماذا تتكلم السلطة عموديًا؟
كانت العلاقة بين السلطة والعمودية موضوعًا مهمًا في علم النفس المعرفي والاجتماعي. إذ تؤكد دراسة شوبيرت أن معايير الفضاء يمكن أن تُستخدم لتأسيس علاقات القوة، والتواصل بها، وتعزيزها، وأن التمثلات الذهنية للسلطة ترتبط على وجه الخصوص بارتفاع الفضاء وعموديته. كما تشير دراسات أخرى إلى أن الترتيب العمودي للفضاء يخلق أثرًا من المبالغة والدرامية والهالة الغامضة. وكما يرى كيم دوفي، فإن "هيمنة المبنى كمعلم بارز على الأفق تختلط مع الشعور بالقوة الذي تثيره الرؤية المسيطرة".
لذا، يمكن اعتبار النُّصبية في العمارة، وخاصة الأبراج، انعكاسًا للدعاية السياسية، بوصفها خطابًا مباشرًا وحضورًا بصريًا قادرًا على إنتاج الإحساس بالقوة والهيمنة. لذلك، لم يكن صعود الأبراج في المدن الحديثة مجرد نتيجة للتطور التقني أو الاقتصادي، رغم أهمية هذا البعد الذي لخصته المؤرخة المعمارية كارول ويليس بعبارتها الشهيرة "الشكل يتبع التمويل". فناطحة السحاب الحضرية هي، عمومًا، نتيجة لتركيز ضخم للثروة، إذ تضخ الشركات التي تقف وراء تشييد الأبراج كميات هائلة من رأس المال، وترى في المبنى "آلة لصناعة المال"، تتوقع منها أقصى ربح ممكن من قطعة أرض محدودة.
غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يفسر وحده الهالة الرمزية التي تحيط بالأبراج، ولا الخطاب السياسي والثقافي الذي يجعلها وسيلة تستخدمها الحكومات والشركات الكبرى لإظهار قوتها السياسية والاقتصادية. فهناك رغبة بنيوية في إسقاط صورة التقدم الاقتصادي والصناعي والاجتماعي عبر هذا النوع من المباني، في ظاهرة تصفها عالمة الأنثروبولوجيا أهيوا أونغ بـ"هوس ناطحات السحاب"، مؤكدة أن بناء الأبراج لا يهدف فقط إلى جذب المتفرجين المحليين والاستثمارات الأجنبية، بل إلى تلبية رغبات سياسية أعمق، والسعي إلى الاعتراف بالمدينة بوصفها مدينة عالمية.
الأطول، الأكبر، الأقوى!
من ناحية أخرى، تُتَّهم ناطحات السحاب بأنها تجسيد للأنا الذكورية، لا بسبب شكلها العمودي فحسب، بل لما تحمله من رمزية فالوسية. وقد جادل كثير من الباحثين بأن المدن الحديثة غارقة في الأنا الذكورية، وأن عموديتها الفالوسية لا تقوم بدافع الضرورة الاقتصادية وحدها، بل أيضًا من أجل إشباع حاجة نفسية ـ جنسية إلى امتلاك "أشياء أكبر".
ومن خلال مراجعة واسعة لأدبيات التحليل النفسي، والأيديولوجيا، والعمارة، تذهب الدراسة التي تناولت ناطحات السحاب في سريلانكا إلى أن الظواهر النفسية تمثل السبب الكامن خلف القرارات السياسية والأيديولوجية المتعلقة ببناء الأبراج، وأن ناطحة السحاب تمثل في جوهرها عرضًا رمزيًا للقوة، ورمزًا للذكورة، والرأسمالية المؤسسية، وريادة الأعمال العدوانية.
تشرح بياتريس كولومينا هذه الرمزية بأن "العمارة ليست مجرد منصة لمشاهدة الأجساد المُجنَّسة، بل هي بحد ذاتها جنسية"، إذ تختبئ في أشكال المباني لغة رمزية تقوم على ثنائيات راسخة مثل: الداخلي/الخارجي، المركزي/الهامشي، الصاعد/الهابط، والعمودي/الأفقي. ويبدو أن التمييز بين العمودي والأفقي انتقل من الجسد إلى المدينة، وهو أكثر هذه الثنائيات حضورًا في الفضاء الحضري، حيث ارتبط العمودي تاريخيًا بالقوة والهيمنة، بينما نُسب الأفقي إلى الاستقرار والطبيعة.
فقد لاحظ كيم دوفي أن رغبة المعماريين في إنتاج "انتصاب عمودي أبدي" لا يمكن فصلها عن البعد الفالوسي، بينما يؤكد هنري لوفيفر أن الشكل العمودي في العمارة يرمز إلى القوة، والخصوبة الذكورية، والعنف الذكوري، وأنه يمنح العمودي مكانة مميزة بوصفه تجسيدًا لإرادة القوة والغطرسة والفالوقراطية.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يلتقي باحثون ورجال أعمال في هذا التفسير، وأن يختصر دونالد ترامب هذه الفكرة بقوله: "الأنا جزء مهم جدًا من بناء ناطحات السحاب… إنها ربما مزيج من الأنا والرغبة في المكاسب المالية". وبالمعنى نفسه، ترى ليزلي وايزمان أن ناطحة السحاب تمثل "قمة الرمزية الأبوية"، المستندة إلى أسطورة "العظيم، المنتصب، القوي"، بحيث تغدو الأبراج مصدرًا للفخر للمواطنين والسياسيين، ولجميع المشاركين في تصميمها وتشييدها.
في الحالة السورية، لا يعود البرج مجرد استثمار عقاري، بل يستعيد جذوره الرمزية القديمة، ويغدو أقرب إلى مسلّة حديثة: علامة دخول إلى السوق السورية، وفتحًا لمجال جديد، وإعلان نصر اقتصادي، ورسالة سياسية موجهة إلى الداخل والخارج معًا
غير أن هذا الإسقاط أقدم بكثير من ناطحات السحاب نفسها. فمنذ الحضارات القديمة في مصر وروما، استُخدمت المسلات العمودية بوصفها عروضًا للقوة والغزو الإمبراطوري، ورموزًا لإعلان النصر وفرض الهيمنة على مجال جديد. وحتى قبل أن تتيح مواد البناء والتقنيات الحديثة ازدهار المباني الشاهقة، كانت التخيلات اليوتوبية للمدن العمودية تُصاغ في الفن والعمارة منذ أواخر القرن التاسع عشر، واستمرت في التطور طوال القرن العشرين. ومع الثورات الصناعية والثقافية وصعود الحداثة، وجدت هذه التخيلات وسيلتها التقنية للتحقق، وبدأت المدن الأكبر والأغنى والأكثر تصنيعًا في العالم الغربي تزدحم بناطحات السحاب.
مسلّة مَن؟
بناءً على ما سبق، يمكن قراءة الحالة السورية من خلال ثلاثة مستويات خطابية متقاطعة.
من جهة أولى، هناك خطاب السلطة. ففي مرحلة النظام الساقط، جرت محاولة تقديم مشاريع الأبراج بوصفها واجهة تحديث وإعادة تنظيم عمراني، وتغطية على الفشل والانهيار الاقتصادي. أما اليوم، فتسعى السلطة الحالية إلى إثبات قدرتها على "إعادة الإعمار" وإنتاج صورة عن بلد قادر على النهوض من ناحية، وعكس لحظة نشوة الانتصار والشعور باستعادة ما يُنظر إليه كحق مسلوب من ناحية أخرى.
ويتجلى ذلك عبر إبراز هذه المشهدية الضخمة التي، وإن ناقشناها هنا من خلال نموذج الأبراج، إلا أنها تمتد لتشمل كل المنشآت ذات الطابع الاستعراضي، بوصفها إعلانًا سياسيًا عن القدرة والسيطرة واستعادة المبادرة.
وعلى مستوى ثانٍ، هناك خطاب المجتمع نفسه، بما يحمله من توق إلى علامات مرئية على التعافي والحداثة. يتجسد ذلك في عبارات مثل: "خلّي يصير عنا أبراج" أو "بدنا نصير متل دبي"، وهي عبارات تكشف عن رغبة أعمق في الاعتراف؛ رغبة في الخروج من صورة البلد المدمّر والفقير إلى صورة سوريا بوصفها بلدًا قادرًا على البناء والوقوف على المستوى نفسه مع المدن المتقدمة الأخرى. وهي رغبة محقة وحقيقية، لكن مشكلتها أنها تُختزل غالبًا في شكل واحد من معايير التقدم: البرج، والواجهات الزجاجية، والمشاريع الضخمة.
أما المستوى الثالث، وهو الأكثر أهمية، فهو خطاب الخارج والمستثمرين. فمع التحول من اقتصاد مغلق إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا، أصبحت دمشق ساحة رمزية يتنافس فيها الفاعلون الخارجيون على تثبيت حضورهم؛ من برج ترامب إلى برج الجوهرة المرتبط بالاستثمار السعودي، وغيرهما من المشاريع. هنا، لا يعود البرج مجرد استثمار عقاري، بل يستعيد جذوره الرمزية القديمة، ويغدو أقرب إلى مسلّة حديثة: علامة دخول إلى السوق السورية، وفتحًا لمجال جديد، وإعلان نصر اقتصادي، ورسالة سياسية موجهة إلى الداخل والخارج معًا.
قد يبدو هذا إسقاطًا مبالغًا فيه، إلا أن اللغة المرافقة لهذه المشاريع، كما رأينا في العناوين والاقتباسات الافتتاحية، تعلن ذلك صراحة: فالبرج يُقدَّم بوصفه "رسالة"، و"دلالة استراتيجية"، و"أيقونة معمارية"، وخطابًا كاملًا عن السياسة والاعتراف والعودة إلى السوق العالمية.
هكذا، ما بين برج ترامب، وبرج الجوهرة، والأبراج الحكومية والاستثمارية، وما بين حكومة تسعى إلى إثبات قدرتها على الإعمار، ومجتمع يريد أن يرى نفسه في صورة مدينة "متقدمة"، ورؤوس أموال خارجية تتطلع إلى تثبيت حضورها، تتحول دمشق إلى ساحة تنافس على من يغرس مسلّة نصره أولًا في أفق المدينة.
عند هذه النقطة، يصبح السؤال العمراني التقليدي: هل تحتاج المدينة إلى برج؟ سؤالًا متأخرًا جدًا، وبلا جدوى تقريبًا.
الكلمات المفتاحية
ما لا يصنع وطنًا
ما من حاجة إلى خطاب جديد عن السلم الأهلي بقدر حاجتنا إلى إجراءات تجعله قابلًا للتصديق
موسم الهجوم على اليسار وشركائه
ظالم وغير منصف هذا الهجوم الذي يشنه البعض اليوم على كل النخب السورية التي عاشت في ظل الاستبداد الأسدي
فداء الحوراني.. بين إرث الأب "الاشتراكي" وتعقيدات الراهن السوري
تتعرض الدكتورة فداء الحوراني لحملة تشهيرية ظالمة ذات طابع غوغائي مشين، حيث يجري اتهامها بأنها تسعى لإحياء نهج سياسي يرتبط باسم والدها الراحل
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره