لماذا يتأخر رفع العقوبات الأميركية: إجراءات بيروقراطية أم ورقة ضغط؟
17 فبراير 2025
بعد سنواتٍ من الأزمات الاقتصادية الخانقة، التي أثقلت كاهلهم وألقت بظلالها على تفاصيل حياتهم اليومية، يتلقّى السوريون نبأ القرار الأميركي برفع جزئي عن العقوبات المفروضة على بلادهم، بشيءٍ من التفاؤل، آملين بتحقيق انفراجةٍ اقتصاديةٍ تخفف من وطأة حصارٍ طال أمده.
فبين ندرة الموارد، وارتفاع الأسعار، وانقطاع الكهرباء ومواد التدفئة، تركت العقوبات أثرها على حياة كلّ مواطنٍ سوريّ، وبات أيّ بصيص أملٍ بتحسن الأوضاع الاقتصادية يشكّل بارقة رجاءٍ للكثيرين، علّه ينير عتمة حياتهم ويبعث دفئًا في لياليهم القارسة.
وبينما يرى خبراء اقتصاديون أن الإعفاءات الجديدة تشكل مؤشرًا إيجابيًا من شأنه تخفيف الأعباء على المواطنين، يعتقد آخرون أنها غير كافية وتأثيرها سيكون محدودًا للغاية، لا سيما إزاء ملف إعادة الإعمار.
وأصدرت وزارة الخزانة الأمريكية في 6 كانون الثاني/يناير الماضي، الترخيص العام رقم 24 (GL24)، من أجل توسيع نطاق التصاريح للأنشطة والمعاملات المسموح بها مع سوريا بعد 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024، لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد أو التعديل وفقًا لتطورات الأوضاع السورية على الأرض.

وتهدف الرخصة وفقًا للخزانة إلى "المساعدة في ضمان عدم إعاقة العقوبات للخدمات الأساسية واستمرار الحكومة بأداء مهامها في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك توفير الكهرباء والطاقة والمياه والصرف الصحي".
وأشارت الوزارة إلى أنها لم ترفع الحظر عن أي ممتلكات أو مصالح لأشخاص أو كيانات مدرجة حاليًا على لائحة العقوبات، بما في ذلك بشار الأسد وشركاؤه ورموز نظامه، والبنك المركزي السوري، إضافة لـ"هيئة تحرير الشام" وأعضائها، ومنهم الرئيس السوري الحالي، أحمد الشرع، ورئيس جهاز الاستخبارات في الحكومة الانتقالية، أنس خطاب.
إيجابيات القرار
الدكتور كرم شعار، الاستشاري في الاقتصاد السياسي السوري، والخبير غير المقيم في معهد نيولاينز للأبحاث السياسية والاقتصادية، والشريك المؤسس في مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية، يرى أن أهم ما في الترخيص رقم 24، الانفتاح على التعامل مع الحكومة السورية الجديدة، وهو ما لم يكن ممكنًا سابقًا. ويوضح في حديثه لـ"ألترا سوريا" بأن القرار أتاح إمكانية توريد سوريا بالوقود والكهرباء من دول الجوار: "على سبيل المثال أصبح من الممكن الاستفادة من اتفاقية خط الغاز العربي الذي يزوّد لبنان بغاز مصري من خلال الأنبوب الذي يمر من الأردن وسوريا، الأمر الذي لم يكن متاحًا سابقًا بسبب العقوبات". وينوّه شعار إلى أن هذه العقبة خُففت ولم تلغَ بشكل كامل، إذ إن الوضع القانوني فيها ليس واضحًا تمامًا بعد.

ويشير تقييم نشره موقع "مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية"، إلى أن إحدى نقاط قوة القرار الأساسية، "قدرته على معالجة التحديات الإنسانية الملحة، وتسهيل توفير الخدمات الأساسية، لاسيما تخفيف النقص الحاد في الطاقة والكهرباء، والذي يعد أمرًا بالغ الأهمية للتعافي والاستقرار". كما يُظهر القرار "مرونة من قبل الإدارة الأميركية بالتعامل مع العقوبات، ويعطي إشارات إيجابية إلى الفاعلين الدوليين خاصة في أوروبا للنظر بتدابير مماثلة، وإلى القيادة الجديدة في دمشق بأن المجتمع الدولي مستعد للتعامل معها بشكل عملي في ظل ظروف معينة"، وفقًا ما يرى معدو التقييم.
مهلة غير كافية
الخبير الاقتصادي، خالد التركاوي، الباحث في مركز جسور للدراسات، يؤكد من جهته أن نقطة القوة في القرار هي إتاحة التعامل مع مؤسسات الحكومة السورية التي كان عليها عقوبات. ويُبيّن في حديثه لـ"ألترا سوريا" أن ذلك "يُمكّن المؤسسات الأمريكية العاملة في القطاعين العام والخاص وكذلك الأفراد من التعاون مع الإدارة السورية الجديدة في تقييم الاحتياجات وتقدير الوضع، ومعرفة الظروف الحالية والمستقبلية وأفق التعاون، وذلك بعد إجرائها زيارات ميدانية". ويستبعد حصول أي بوادر إيجابية سريعة لتعافي الاقتصاد السوري إذ إن مدة ستة أشهر لن تكفِ إلا لتقييم الوضع.
يتوافق دكتور الاقتصاد، كرم شعار، مع الخبير الاقتصادي، خالد التركاوي، في محدودية دور القرار، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الاستثناءات يحتاج إلى الكثير من الوقت حتى تظهر الآثار الناتجة عنه، وهي بالكاد تحقق أي تأثير.

ويعتقد أن من سلبيات القرار الأساسية أيضًا أنه "لا يفعل الكثير لتسهيل إعادة الإعمار على نطاق أوسع أو جذب استثمارات جديدة، كما أنه لا يلغي العقوبات على القطاع المصرفي والتي لها آثار كبيرة جدًا".
ووفقًا لـ تقييم موقع "مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية"، فإن المدة الزمنية المحددة بستة أشهر على الترخيص من شأنها تثبيط عزيمة المنظمات والشركات عن بدء أي مشاريع بسبب عدم اليقين حيال تجديده.
فضلًا عن أن الحدود غير الواضحة بين ما يمكن اعتباره دعمًا للمؤسسات الحكومية التي يرأسها أعضاء "هيئة تحرير الشام"، وتقديم الدعم المباشر للهيئة كمنظمة، والتي تظل مسؤولة جنائيًا بموجب تصنيفها كمنظمة إرهابية، يشكل نقطة ضعف أخرى للترخيص، ويجعل من الصعب على المنظمات غير الحكومية أو الأفراد الإقدام على مثل هذه التعاملات، خوفًا من المسؤولية التي قد تترتب على ذلك.
وبدأت حكاية سوريا مع العقوبات الأمريكية منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن التحول الحقيقي جاء بعد قمع نظام بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة له عام 2011.
أبرز مراحلها:
- كانون الأول/ديسمبر 1979، أُدرجت سوريا على قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، وأدت العقوبات إلى فرض حظر شامل على صادرات الأسلحة والمبيعات الدفاعية، وقيود على تصدير المنتجات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري).
- أيار/مايو 2004: بدء تطبيق قانون "محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية" الذي أقرّه الرئيس جورج بوش، والذي حظر تصدير التكنولوجيا الأمريكية إلى سوريا، كما منع الشركات الأمريكية من العمل أو الاستثمار داخلها.
- أيار/مايو 2010: تم تجديد القرار مرة أخرى، من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما.
- عام 2011: أصبحت العقوبات أكثر شمولًا إذ تضمنت: تجميد أصول مسؤولين سوريين، بينهم بشار الأسد ومجموعة من الوزراء والقيادات الأمنية بتهمة ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وحظر التعاملات التجارية الأمريكية واستيراد المنتجات النفطية ومشتقاتها.
- حزيران/يونيو 2020: وقّع الرئيس دونالد ترامب، "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا"، الذي فرض عقوبات على الأفراد والجهات الداعمة لنظام الأسد وعائلاتهم، وامتدّ تأثيره ليشمل الشركات والمؤسسات الدولية التي تتعامل معه، كما حظر دعم المشاريع المتعلقة بإعادة الإعمار، وقد تم تمديده مؤخرًا لمدة خمس سنوات أخرى حتى عام 2029.
- نيسان/أبريل 2024: وقّع الرئيس جو بايدن، "قانون الكبتاغون"، لمكافحة تجارة النظام السوري في المخدرات، وفرض عقوبات على ثماني شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، من بينهم ماهر الأسد، شقيق الرئيس السابق.
ورقة ضغط
حول مستقبل العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، يقول الشعار: "للأسف أزداد تشاؤمًا يومًا بعد يوم بأن الإدارة الأمريكية ليست متجهة لرفع العقوبات عن سوريا بشكل سريع".
ويضيف: "من الواضح أن الطريق سيكون طويلًا، أرى أن الولايات المتحدة بالدرجة الأولى ودول غربية أخرى، يتجهون إلى التفاوض واستخدام العقوبات كورقة ضغط، وفي كثير من الحالات بأمور غير مرتبطة أصلًا بسبب فرض العقوبات".

ويلفت إلى أنه لا يوجد أي مبرر لبقاء سوريا تحت العقوبات التي كانت مفروضة على نظام الأسد، إذ إن ذلك "مرفوض بعين القانون الدولي، فبحسبه عندما تُلغى الأسباب تُلغى معها العقوبات، أما تلك المرتبطة بالإرهاب فهي أمر آخر".
ويُبّين الشعار أن الأصوات في أمريكا بغالبيتها الكاسحة تنادي برفع كل العقوبات عن سوريا وبأشكالها كافة، بما في ذلك المرتبطة بالإرهاب، والانخراط بعملية إعادة الإعمار لتحقيق استثمارات تجارية، "لكنه موقف لا أعتقد أن الإدارة الأمريكية ستقبل به"، يُكمل مستدركًا.
فرص إعادة الإعمار
في المقابل يبدو الباحث في مركز جسور، خالد تركاوي، أكثر تفاؤلًا، فهو يرى أن الترخيص رقم 24 ربما يكون بوابة لرفع كلّي للعقوبات الأمريكية على سوريا، لا سيما وأن تصريحات الحكومة الجديدة في سوريا، تُعتبر مطمئنة للإدارة الأمريكية.
يتابع بهذا الصدد: "لا يوجد حدّية في التعامل بين الإدارتين السورية والأمريكية، على سبيل المثال: اصطفاف من قبل الحكومة السورية الجديدة مع إيران أو روسيا أو إعلان محاربة لإسرائيل... القضايا الأخرى مثل حقوق الإنسان أعتقد أنها تأتي كأولوية ثانية للولايات المتحدة، لكن حتى اللحظة لا يوجد شيء مستفز بالنسبة لها، ويبدو أن الطرفين سيبقيان متعاونين إلى حدّ ما".

أما في حال الإبقاء على العقوبات الأمريكية فلن يكون هناك إعادة إعمار في سوريا، وفقًا لتركاوي، لأن: "الولايات المتحدة تؤثر على كل الدول الأخرى، كالبلدان الأوروبية مثلًا، ورأينا أن النظام السابق حاول المناورة على العقوبات في كثير من الأحيان لكنه لم يستطع القيام بأي شيء حيال تحدّيه لواشنطن والدول الغربية، ينطبق ذلك في حالة الإدارة الجديدة".
وهو ما يذهب إليه شعار معتبرًا أنه في ظل وجود العقوبات الأمريكية ستكون عملية إعادة الإعمار شبه مستحيلة، بينما يعزو ذلك برأيه إلى أنها: "لا تسمح للقطاع الخاص السوري وغيره بالعمل، بسبب وجود عقوبات على إعادة الإعمار نفسها، وأيضًا على القطاع المصرفي الذي يشلّ الاقتصاد بشكل كامل".
وجهة نظر الحكومة السورية
اعتبر وزير الخارجية في الإدارة السورية الجديدة، أسعد الشيباني، أن العقوبات الاقتصادية هي أبرز معوق للمرحلة المقبلة، مؤكدًا على ضرورة إلغائها بشكل كامل مع سقوط النظام السابق فقد، "تحولت من مفروضة لصالح الشعب السوري إلى مفروضة على الشعب السوري"، بحسب تعبيره.
وأضاف بهذا الصدد أن، "الاستثناءات من بعض العقوبات لا تلبي طموحات وأحلام الشعب السوري بأن تكون سوريا بلدًا تنمويًا ومتقدمًا وحضاريًا".
إعفاءات أمريكية سابقة:
على خلفية انتشار فيروس "كورونا المستجد" (كوفيد- 19)، أصدرت الإدارة الأمريكية، في نيسان/أبريل 2020، استثناء من العقوبات الاقتصادية كي لا تحد من قدرة سوريا على تلقي الدعم اللازم من المجتمع الدولي، وأكدت وزارة الخزانة الأمريكية التزام واشنطن بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع الدول التي تحتاج إلى دعم طبي وإنساني، بما فيها الدول المشمولة بالعقوبات.

- عقب زلزال 6 من شباط/فبراير 2023 المدمّر، الذي ضرب أجزاء من سوريا وتركيا، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية قرارًا يقضي بإعفاء سوريا من العقوبات المفروضة بموجب "قانون قيصر"، لمدة ستة أشهر لجميع المعاملات المتعلقة بالاستجابة للزلزال.
شروط أمريكية لرفع العقوبات
أعلن رئيس لجنة السياسة الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، جيم ريش، في 13 من شباط/فبراير الحالي، عن قائمة من أربع نقاط تتوقعها واشنطن من الحكومة الانتقالية في سوريا قبل رفع العقوبات.
تضمنت: "القضاء على النفوذ الروسي والإيراني داخل البلاد، تقديم أدلة على أن الحكومة المؤقتة لن تسمح لسوريا بأن تصبح منصة إطلاق لهجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة وشركائها، تدمير مخزون نظام الأسد من الكبتاغون، معرفة مصير المواطنين الأمريكيين الذين اعتقلهم نظام الرئيس السابق بشار الأسد، بما في ذلك الصحفي أوستن تايس".
وأضاف في جلسة استماع للجنة حول سوريا ما بعد الأسد: "الوقت هو جوهر المسألة.. دعونا نرى كيف ستتصرف الحكومة المؤقتة الجديدة، وإذا حدث ذلك، فسوف نستمر في رفع تلك العقوبات".
وفي شهادته أمام اللجنة، أكد الزميل البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، مايكل سينغ، أنه حتى مع استئناف المساعدات، فإن تخفيف العقوبات هو "الأداة الأكثر قوة" التي تمتلكها واشنطن في تعزيز الاقتصاد السوري المتعثر.
وعلى مدار سنوات، تسببت العقوبات الأمريكية التي تستهدف قطاعات كاملة من الاقتصاد السوري وجميع البنوك الكبرى، بهبوط قيمة الليرة السورية لمستويات قياسية، وارتفاع معدلات التضخم، وبين عامي 2019 و2021، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية في سوريا بنسبة 800%، وفقًا لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.
الكلمات المفتاحية
صيف بلا مياه.. سكان الحسكة بين جفاف الصنابير وغياب المعالجات الجذرية
يؤكد سكان المدينة أن بعض الأحياء لا تصلها المياه إلا مرة كل أسبوع أو أكثر، فيما تضطر عائلات كثيرة إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة
إضراب مؤجل وغضب متصاعد.. معلمو الشمال السوري يطالبون بإنصافهم
ما يزال آلاف المعلمين في إدلب وريف حلب الشمالي يعيشون حالة من الاستياء بسبب تدني الرواتب وتأخر تنفيذ قرارات الدمج والزيادة المالية
النظافة الغائبة في دمشق.. أزمة نفايات تتراكم بلا حلول جذرية
في دمشق، لا تحتاج القمامة إلى من يعلن حضورها؛ فهي تفرض نفسها بصمت ثقيل، يتسلل إلى الأرصفة، ويتمدد عند أطراف الطرقات، ويترك أثره في الهواء قبل أن يرى في المكان
تقرير: دمج الفصائل المسلحة شرط أساسي لتحقيق استقرار مستدام في سوريا
أكد التقرير أن نجاح عملية إعادة دمج الفصائل المسلحة ضمن جيش وطني موحّد يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق أي تسوية سياسية مستدامة في سوريا
تراجع عدد السوريين الحاصلين على الجنسية الألمانية في راينلاند-بفالتس خلال 2025
تراجع عدد السوريين الحاصلين على الجنسية الألمانية في ولاية راينلاند–بفالتس الألمانية خلال عام 2025، رغم استمرارهم كأكبر جنسية بين المجنَّسين في الولاية
في ليلة برتقالية.. سيدات الوحدة بطلات للدوري السوري لكرة السلة للمرة الـ11
سيدات الوحدة بطلات لسلة سوريا للمرة الـ11، بعد حسم المباراة الفاصلة أمام الثورة بتركيز ذهني عالي ودعم جماهيري صاخب
تراجع كبير في أعداد السوريين الحاصلين على الجنسية الألمانية في بافاريا
تراجع عدد السوريين الحاصلين على الجنسية الألمانية في ولاية بافاريا خلال عام 2025 بشكل ملحوظ، وفق إحصاءات رسمية أعلنتها حكومة الولاية