مئات المدارس مغلقة.. إضراب المعلمين وأزمة الرواتب يعطّلان التعليم في شمال سوريا
4 فبراير 2026
تشهد محافظة إدلب وريفها، إلى جانب مناطق واسعة من ريف حلب، إضرابًا واسعًا للكوادر التعليمية، يُعدّ من أكبر التحركات الاحتجاجية في القطاع التربوي خلال السنوات الأخيرة. وقد توقفت العملية التعليمية في مئات المدارس، بعد سلسلة طويلة من الوعود الرسمية بزيادة رواتب المعلمين وتحسين أوضاعهم المعيشية، من دون أن تُترجم هذه الوعود إلى خطوات تنفيذية ملموسة.
مئات المدارس تغلق أبوابها
أكد بيان صادر عن المعلمين المضربين، عبر صفحة "معلمو سوريا الأحرار"، أن مطلبهم الأساسي يتمثل في رفع الرواتب بنسبة تصل إلى 200%. وأشار البيان إلى أن الزيادة التي أُعلن عنها سابقًا بنسبة 100% لم تُنفّذ، رغم انقضاء المهلة المحددة لها مع بداية العام الحالي، ما عمّق حالة الإحباط وفقدان الثقة.
وأعلن معلمو سوريا الأحرار أسماء المدارس التي شاركت في الحراك، والتي بلغت نحو 1100 مدرسة، توزعت على امتداد مدينة إدلب وريفها وريف حلب، ووصل صداها إلى مدارس في درعا وريف حماة. كما أعلنت مدارس في مدن وبلدات الراعي وجرابلس والغندورة والباب وأخترين وصوران وإعزاز ومارع وبزاعة وعفرين وقباسين، بريف حلب الشمالي والغربي، إغلاق أبوابها بشكل رسمي، ما أدى إلى تعطيل تعليم آلاف الطلاب في مختلف المراحل الدراسية.
وأطلق المعلمون على تحركهم"إضراب الكرامة" حتى تحقيق مطالبهم، مؤكدين أنه سيكون مفتوحًا، ولن تكون هناك استجابة للعودة إلى التدريس إلا بعد تنفيذ الوعود، وزيادة الرواتب، وتأمين الحاجات الأساسية للمدارس، بحسب معظم المعلمين المضربين. وحذّر المعلمون من استمرار سياسة التسويف وعدم ربط الوعود بجداول زمنية واضحة، معتبرين أن هذا النهج لا ينعكس فقط على الوضع المعيشي للمعلمين، بل يؤثر بشكل مباشر في جودة العملية التعليمية واستقرارها.
تهديد بفصل المعلمين المتغيبين
وفي خطوة أثارت جدلًا واسعًا بين المعلمين، جرى حذف مدير التربية في إدلب، عمر لطوف، من مجموعة "إضراب مجمع قاح" على تطبيق "واتساب"، بعد تهديده باتخاذ إجراءات إدارية قد تصل إلى الفصل بحق أي معلم يتغيب لمدة ثلاثة أيام متواصلة بسبب الإضراب. وقوبلت هذه التهديدات بغضبِ كبيرِ في أوساط المعلمين، وسط أجواء مشحونة وتهديدات متبادلة من قبل الموجهين المشرفين، ما زاد من حدة الاحتقان في المجمع والمدارس.
كما أبدت معلمات مدرسة هارون الرشيد في مدينة إدلب غضبهن بعد استبدالهن بكادر جديد من الوكلاء مباشرة عقب إعلان الإضراب، معتبرات أن هذا القرار جائر وغير عادل. وأكدن أن الإضراب حق مشروع وسلمي لتحصيل الحقوق، وأن التعامل بهذه الطريقة يضاعف الشعور بالإحباط ويزيد من الاستياء في أوساط الكوادر التعليمية، ولا سيما أنهن ملتزمات بالعملية التعليمية وخدمة أجيال الطلاب دون انقطاع.
ويعكس هذا الحدث حجم التوتر الذي تواجهه الإدارة مع المعلمين، ويسلط الضوء على صعوبة إدارة القطاع التعليمي في ظل حالة الاحتقان المستمرة. فقد بلغت رواتب المعلمين الأصلاء نحو 130 دولارًا شهريًا، فيما لا يتجاوز راتب المعلم الوكيل 95 دولارًا. ولا تكفي هذه الرواتب لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والتأخير المتكرر في الصرف، إضافة إلى غياب مواد التدفئة والنقص الحاد في الأوراق والكتب والوسائل التعليمية.
استنزاف متواصل للكوادر التعليمية
مع استمرار هذه الظروف القاسية، يشهد القطاع التعليمي نزوحًا غير مسبوق للمعلمين عن مهنة التدريس. فقد اختار عدد كبير منهم البحث عن فرص عمل بديلة توفر دخلًا أفضل أو أكثر استقرارًا، متجهين نحو وزارات رسمية مثل الداخلية والدفاع، فيما لجأ آخرون إلى التدريس في مدارس مسائية أو إلى أعمال حرة وشاقة، مثل البناء والإعمار ووضع البلاط، بهدف تحسين دخلهم الشهري وتأمين حياة كريمة.
ويهدد هذا الاستنزاف المتواصل للكوادر التعليمية استقرار العملية التعليمية، ويضع وزارة التربية أمام تحديات كبيرة للحفاظ على قوة الكادر التعليمي وتجنيب النظام التعليمي خطر الانهيار الجزئي. كما تواجه الوزارة ملفات معقدة وشائكة، من بينها ملف المفصولين من قبل النظام السابق، ومشكلات دمج معلمي إدلب ومنحهم الأرقام الذاتية، إضافة إلى إشكاليات المعلمين الوكلاء والعقود المؤقتة. ويُقدّر عدد المعلمين بنحو 250 ألف معلم.
يقول محمد الإسماعيل، معلم في إحدى مدارس إدلب، لموقع "الترا سوريا" إن الإضراب جاء نتيجة الأوضاع المأساوية التي وصل إليها المعلمون، مؤكدًا أن العودة إلى التدريس مرهونة بتنفيذ الوعود وزيادة الرواتب، بما يسمح للمعلم بالعيش بكرامة. وأضاف: "نتألم على حال أطفالنا، لكننا نحتاج إلى من ينصفنا. لن نتراجع حتى تُقرّ الزيادة ونقبض الراتب الجديد".
من جانبها، أوضحت غيداء الحسين، معلمة في إحدى مدارس ريف حلب الغربي، أن الإضراب يأتي كردّ فعل طبيعي على الاستهتار بحقوق المعلمين، مؤكدة لـ"الترا سوريا" أن المعلم يعمل لساعات طويلة في التدريس والضبط والشرح، وسط استنزاف دائم للأعصاب والصوت، من دون احترام أو تقدير، وأن معظم من يزاود على المعلمين لا يشعر بمعاناتهم.
وفي المقابل، يطرح حمدو الموسى، معلم في ريف إدلب، مقاربة أكثر تدرّجًا، مشيرًا في حديثه لـ"الترا سوريا" إلى أن الإضراب الجزئي في الحصة الأولى لكل مدرسة يمكن أن يوجّه رسالة واضحة، مع استمرار الدروس بعدها بشكل طبيعي، لتقليل الضرر على الطلاب.
تحسين ظروف التعليم
وفي ظل استمرار الإضراب واتساع رقعته، يؤكد المعلمون أن هدفهم الأساسي هو صون كرامتهم وضمان استقرار العملية التعليمية، معتبرين أن أي حل حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون استجابة فعلية وسريعة لمطالبهم، ووضع حد لسياسة الوعود غير المنفذة، وتحسين ظروف التعليم لمنع نزوح الكوادر عن المهنة. كما يأمل معلمو إدلب وريفها وريف حلب أن تسهم الخطوات القادمة في تحسين الأوضاع المعيشية وزيادة الرواتب، وحل المشكلات المستمرة التي تواجه قطاع التعليم.
ويؤكد المعلمون أن قطاع التعليم يلعب دورًا محوريًا في معالجة العديد من المشكلات المجتمعية، ويشكّل أساس بناء مستقبل الأجيال، لذلك فإن تلبية مطالبهم لا تعود بالنفع عليهم وحدهم، بل على المجتمع ككل، لضمان استمرار العملية التعليمية واستقرارها، وحماية الكوادر التعليمية من الاستنزاف وفقدان المهنة بسبب الظروف القاسية. كما يطالبون بخطوات فعلية وواضحة في الفترة المقبلة، تضع حدًا لسياسة التسويف، وتنهي معاناتهم، وتدعم استمرارية العملية التعليمية.
أقرأ/ي أيضًا: أزمة التعليم في الجزيرة السورية: عائلات تهاجر وأطفال بلا مقاعد دراسة
أقرأ/ي أيضًا: بين وعود التربية وتحذيرات النقابة.. معلمو حلب يواجهون اختبار الصبر والرواتب المتأخرة
الكلمات المفتاحية
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
بين قدم أسطول الشحن السوري وارتفاع التكاليف.. جدل حول قرار منع الشاحنات الأجنبية
بين قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وأسطول الشحن السوري القديم تتصاعد أزمة المناقلة على الحدود، مع مطالب بإلغاء القرار وتحديث الشاحنات، وسط تحذيرات من ارتفاع الأسعار
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026