ما أسباب تصاعد التوترات في الساحل السوري؟
2 يناير 2026
شهد الساحل السوري، بعد سقوط النظام، توترات متزايدة، بما في ذلك هجمات على مواقع واشتباكات أسفرت عن مقتل حوالي 1400 شخص من الأمن العام وأبناء الطائفة العلوية، وفقًا لتحقيقات حكومية.
وبدأت الجولة الأحدث من التوترات في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، عندما وقع تفجير في مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حمص، مما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 18 آخرين أثناء صلاة الجمعة.
وأعلنت جماعة "سرایا أنصار السنة" مسؤوليتها عن الهجوم. وأثار هذا الحادث احتجاجات واسعة في المناطق الساحلية، حيث خرج الآلاف من أبناء الطائفة العلوية إلى الشوارع في اللاذقية وطرطوس مطالبين بضمانات أمنية، وإطلاق سراح آلاف السجناء، ونظام فيدرالي يمنح المناطق الساحلية استقلالية سياسية أكبر.
وتحولت الاحتجاجات في اللاذقية، يوم الأحد الماضي، إلى اشتباكات عنيفة في ساحة الأزهري، حيث اشتبك المتظاهرون مع قوات الأمن ومتظاهرين مضادين مؤيدين للحكومة، وشملت الاشتباكات إطلاق نار، رمي حجارة، واعتداءات بالأسلحة البيضاء، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص (بما في ذلك عنصر أمني واحد) وإصابة أكثر من 100 آخرين، بينهم مدنيون وأفراد أمن.
وفي طرطوس، ألقى مجهولون قنبلة يدوية على مركز شرطة في بانياس، مما أسفر عن إصابة اثنين من رجال الأمن.
وردت الحكومة السورية بنشر وحدات من الجيش في مراكز اللاذقية وطرطوس لاستعادة الاستقرار، مع إدانة التفجير كمحاولة لزرع الفوضى.
وكانت مصادر خاصة قد أشارت، في حديثها مع "الترا سوريا"، إلى دور أفراد سابقين في ميليشيات موالية للأسد في تأجيج التوتر. موضحة: "ذُكر وجود شخص وإخوته داخل الاعتصامات التي دعا لها الشيخ غزال غزال، قبل يومين، يتفاخرون بقطع رؤوس ثوار وإهانتهم في ريف دمشق، وكانوا جزءًا من مهربي المخدرات".
وتابعت: "بالإضافة إلى ذلك، أدى إفراج الحكومة يوم الجمعة 26 ديسمبر عن عدد من الموقوفين الذين ثبتت براءتهم قضائيًا إلى تصعيد التوتر. رغم ذلك، يتداول ناشطون صورًا وفضائح يدعون أنها تثبت تورط بعض المفرج عنهم في انتهاكات سابقة كشبيحة للنظام السابق".
وعزا مراقبون الاحتقان الطائفي إلى غياب العدالة الانتقالية، محملين الحكومة المسؤولية عن ذلك.
وقال العقيد المنشق مصطفى فرحات، في حديث لموقع "الترا سوريا"، إن الأسباب العسكرية والاستراتيجية الرئيسية التي أسهمت في تصاعد الاحتقان في الساحل السوري، بعد سقوط النظام، تعود إلى أن منظومة السيطرة السابقة تفككت من دون تفكيك أدواتها. مشيرًا إلى عملية عسكرة بعض البيئات في عهد النظام الأب والابن من آل الأسد، حيث "لا يزال هناك نقص واضح في حصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما السلاح المنفلت والمنتشر في الساحل، ما شجّع على استمرار الاحتقان الطائفي".
وتابع فرحات: "لا ننسى أيضًا أن النظام السابق رسّخ، على مدار عقود، في أذهان الموالين له حالة من الشك والخوف والريبة، من خلال الترويج الدائم لفكرة مفادها أنه إذا وصل الآخرون إلى الحكم، فسيكون مصير الموالين كارثيًا. كانت هناك عملية تخويف وأدلجة مستمرة".
وأشار إلى أن "معالجة هذا الملف تتطلب الإسراع في تحقيق العدالة الانتقالية، ووضع آليات واضحة لتطويق هذه الإشكالية".
وأكد أن مدّ الجسور وتعزيز السلم الأهلي والمجتمعي أمران ضروريان، حتى تتضح الصورة بشكل جلي، ويصبح معلومًا أن المحاسبة تستهدف المجرم فقط، وأن بقية المواطنين في أمان. وأضاف: "هذا ملف يجب العمل عليه بجدية، فهناك الكثير من القضايا التي لا يمكن اختزالها في سبب واحد".
وأوضح فرحات أن "المستفيدين الأساسيين من هذا الواقع هم بقايا النظام السابق، إلى جانب قوى إقليمية مثل إيران، فضلًا عن عصابات الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة، التي تنشط بين السعودية والساحل السوري ومناطق شرق سوريا. لقد كانت سوريا دولة مصدّرة للكبتاغون، وللفوضى، وللسلاح، وحتى للاتجار بالأعضاء البشرية. جميع هؤلاء يستفيدون من حالة الفوضى واستمرار الخلل المجتمعي، ما يستدعي وضع خطة واضحة لمواجهتهم. وأعتقد أن الدولة السورية تعمل حاليًا على هذا المسار، وما تقوم به ليس من فراغ".
وفي المقابل، شدد فرحات على أهمية إشراك أبناء جميع المكوّنات ضمن قوى الأمن والجيش، وإشراكهم في عمليات التفتيش وحفظ الأمن، لما لذلك من أثر في تعزيز الثقة، وإيصال رسالة مفادها أن الجيش يمثل جميع السوريين، لا فئة بعينها.
وفي تصريح لموقع "الترا سوريا"، قال الباحث في الشأن السياسي عبد الله الخير إن تصاعد الاحتقان في الساحل السوري بعد سقوط النظام لا يمكن فهمه من زاوية واحدة، بل هو نتيجة تداخل عوامل أمنية واجتماعية وسياسية تراكمت على مدى سنوات طويلة.
وأوضح أن تفكك منظومة السيطرة السابقة جرى من دون تفكيك كامل لأدواتها، وفي مقدمتها الانتشار الواسع للسلاح، ما أبقى الأرضية مهيّأة للتوتر والاشتباكات.
وأشار الخير إلى أن النظام السابق غذّى، لعقود، خطاب الخوف المتبادل بين المكوّنات، ما جعل بعض البيئات أكثر هشاشة أمام الشائعات والاستفزازات. وفي المقابل، شدد على أن مطالب شريحة واسعة من السوريين بالمحاسبة عن الجرائم السابقة تبقى مشروعة، لكنها تحتاج إلى مسار واضح للعدالة الانتقالية يميّز بين المجرم وبقية المجتمع.
وأكد أن غياب هذا المسار، إلى جانب نشاط مجموعات إجرامية وشبكات تهريب، أسهم في تعميق الانقسام. وختم بالتأكيد على أن تعزيز السلم الأهلي يتطلب إجراءات أمنية عادلة، وإشراك مختلف المكوّنات الوطنية في مؤسسات الدولة، بما يرسّخ الثقة ويحول دون الانزلاق نحو صراع أوسع.
الكلمات المفتاحية

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟
عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية

"خارطة الطريق" وخيارات السويداء بعد طي ملف "قسد"
أسهمت العمليات العسكرية في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


