ما بعد قانون قيصر: هل يفتح رفع العقوبات باب التعافي المعيشي أم يؤجل الأزمة؟
13 ديسمبر 2025
مع موافقة الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون قيصر بعد ستة أعوام من تطبيقه، والذي يُعدّ أحد أشد أنظمة العقوبات المفروضة على سوريا، يُطرح تساؤل حول الانعكاسات المحتملة لهذا القرار على الحياة اليومية للسوريين، وما إذا كان رفع العقوبات كفيلًا بإحداث تحسّن ملموس في الواقع المعيشي، أم سيبقى خطوة سياسية واقتصادية مرهونة بقدرة الداخل على استيعابها.
نافذة فرص حقيقية
يرى الخبير الاقتصادي، علي محمود محمد، في حديثه لـ"الترا سوريا" أن أي خطوة باتجاه إزالة قانون قيصر ستؤدي، في حال تهيئة الأسس المناسبة، إلى فتح المجال أمام استثمارات حقيقية في قطاعات حيوية، على رأسها الطاقة والبنى التحتية والقطاع الزراعي، مشيرًا إلى أن مذكرات التفاهم الموقعة حاليًا في هذه المجالات تعكس توجّهًا أوليًا نحو هذا المسار. ويعتبر أن توفّر هذه المواد داخل السوق المحلية وزيادة إنتاجها سيشكّل عاملًا إيجابيًا على المستوى المعيشي، من خلال خفض الاعتماد على الاستيراد لبعض السلع التي يمكن إنتاجها محليًا.
في المقابل، قال الباحث الاقتصادي، شادي أحمد، إن إلغاء قانون قيصر لا يعني تلقائيًا تحسّنًا في المستوى المعيشي، لكنه يفتح، وفق تعبيره لـ"الترا سوريا": "نافذة فرص حقيقية يمكن أن تُحدث فرقًا في حياة الناس إذا أحسنت الحكومة السورية استثمارها". وأوضح أن هذه الفرصة قد تنعكس في تحسّن توافر السلع في الأسواق، واستقرار نسبي في سعر الصرف، وانخفاض محدود في تكاليف النقل والطاقة، إضافة إلى انتعاش تدريجي للأنشطة الصغيرة والمتوسطة.
أما رئيس مجلس النهضة السوري، عامر ديب، فاعتبر أن إلغاء قانون قيصر، في حال تم، لن ينعكس بشكل سريع على حياة المواطنين ما لم يُرافق باستراتيجية واضحة وإصلاحات جذرية على المستويين الإداري والاقتصادي. وأوضح أن آثار رفع العقوبات ستكون محدودة في غياب بنية تحتية مؤسسية قادرة على استيعاب المرحلة الجديدة، مرجّحًا أن يحتاج المواطن من عام إلى ثلاثة أعوام لملامسة نتائج ملموسة.
يجمع المحللون على أن أي خطوة باتجاه رفع العقوبات، بما فيها إلغاء قانون قيصر، لن تكون كافية بذاتها لإحداث تحوّل ملموس في الواقع المعيشي، ما لم تترافق مع إجراءات حكومية واضحة وإصلاحات اقتصادية وإدارية جدّية. فالأثر الإيجابي المحتمل يظلّ مشروطًا بقدرة الدولة على استثمار الفرصة المتاحة، وتحويلها إلى سياسات عملية تنعكس تدريجيًا على حياة المواطنين.
الاستثمار والإنتاج
وعلى مستوى الاستثمار والإنتاج، أوضح علي محمد أن الأثر الإيجابي لا يقتصر على جانب الاستثمار الداخلي، بل يشمل أيضًا زيادة الإنتاج المحلي، معتبرًا أن خفض الاستيراد لبعض المواد التي يمكن إنتاجها داخل سوريا سيشكّل عاملًا إيجابيًا على الاقتصاد والمعيشة معًا.
وفي السياق نفسه، شدد شادي أحمد على أن هذه التحولات، وإن كانت قادرة على تخفيف الضغط اليومي على المواطنين، فإنها "لن تتحول إلى تغيير ملموس ما لم تتوافر إدارة فعالة وقدرة حكومية على تحويل الانفتاح الخارجي إلى قيمة مضافة داخل السوق المحلية". وأشار إلى أن ضبط السياسة النقدية لمواجهة المضاربات، وفتح السوق أمام استيراد تنافسي يحد من الاحتكار، وتبسيط بيئة الأعمال، وهي شروط أساسية لتنشيط الأثر المعيشي.
بدوره، أكد عامر ديب أن العمل في بيئة ما بعد العقوبات يتطلب "فكرًا اقتصاديًا مختلفًا" عن ذلك الذي كان سائدًا في ظلها، معتبرًا أن الاستمرار بعقلية إدارة الأزمة والعقوبات لن يفضي إلى نتائج حقيقية، بل يستدعي تبنّي مقاربات جديدة أو التأقلم الجدي مع الواقع الاقتصادي المستجد. وأضاف أنه لا يتوقع تسجيل معدلات نمو لافتة في المدى القريب، مرجّحًا أن تقتصر المرحلة الأولى على بعض المشاريع الاستثمارية المحدودة جغرافيًا وقطاعيًا.
انفتاح الاستيراد
طال قانون قيصر قطاعات الطاقة، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي، إضافةً إلى قطع غيار الطائرات وقطاعات البناء والهندسة، كما فرض عقوبات على أي جهة يمكن أن تساهم بأي شكل في عملية إعادة إعمار سوريا أو في تطوير العلاقات الاقتصادية معها، ما أدّى إلى توقف شبه كامل لعمليات الاستيراد. وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي علي محمود محمد أن رفع العقوبات من شأنه توسيع دائرة الموردين المتاحين أمام التجار السوريين، وإتاحة الاستيراد من عدد أكبر من دول العالم، مع تنوّع في الجودة والأسعار، الأمر الذي يمنح السوق مرونة أوسع في تلبية الحاجات المعيشية للمواطنين.
وعلى صعيد الخدمات اللوجستية، أشار محمد إلى أن إزالة قانون قيصر ستسمح بعودة شركات الشحن العالمية للتعامل المباشر مع سوريا من دون القيود التي كانت مفروضة سابقًا، والتي دفعت التجار إلى اللجوء إلى شركات بديلة بتكاليف مرتفعة. وأضاف أن ذلك سينعكس على انخفاض تكاليف الشحن بمختلف أنواعه، سواء البحري أو البري أو الجوي، نتيجة خروج سوريا من تصنيف الدول عالية المخاطر.
وفيما يتصل بسعر الصرف، شدد محمد على ضرورة عدم المبالغة في التعويل على أي تحسّن آني في قيمة الليرة الوطنية، معتبرًا أن العامل الأهم ليس الانخفاض أو الارتفاع المؤقت، بل تحقيق استقرار مستدام في سعر الصرف. وأوضح أن هذا الاستقرار يتطلب تمكين المصرف المركزي من تكوين احتياطيات كافية للدفاع عن العملة الوطنية، مؤكدًا أن استقرار الليرة على مدى زمني ثابت سيكون أكثر انعكاسًا على معيشة المواطنين من أي تحسّن مؤقت أو سريع.
من جهته، أضاف شادي أحمد أن تسهيل التحويلات المالية للأسر، وتحسنًا نسبيًا في الخدمات العامة، قد يكونان من بين النتائج الممكنة لرفع العقوبات، لكنه أكد أن هذه النتائج تبقى مشروطة بإدارة فعالة وسياسات حكومية واضحة قادرة على ضبط السوق ومنع امتصاص الفوائد من قبل حلقات الاحتكار.
كما لفت أحمد إلى أن تكاليف النقل والطاقة قد تشهد انخفاضًا محدودًا، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة وضع سياسة أسعار شفافة ومراقبة حلقات الوساطة، لضمان أن ينعكس أي انخفاض في التكاليف فعليًا على المستهلك النهائي، لا أن يُحتجز داخل حلقات التجارة والاحتكار.
وختم أحمد بالتأكيد على أن "التحسّن ممكن لكنه مرهون بالإدارة"، معتبرًا أن رفع العقوبات يوفّر فرصة حقيقية لإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع معيشي أفضل يبقى مرتبطًا بقدرة المؤسسات السورية على العمل بكفاءة وشفافية، وتنفيذ خطة اقتصادية عملية تمنع تكرار الفوضى أو استحواذ قلة متنفذة على المكاسب.
وفي السياق ذاته، شدد عامر ديب على أن البلاد، وبعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الثورة، باتت بحاجة إلى إعادة هيكلة مؤسساتية شاملة تقوم على حوكمة واضحة، وخارطة اقتصادية، وخارطة استثمارية محددة المعالم، معتبرًا أن غياب هذه الأسس سيحول دون تحقيق أي نهضة اقتصادية حقيقية، حتى في حال رفع العقوبات.
واعتبر ديب أن رفع العقوبات، حتى لو تحقق، لا يعني تلقائيًا تحسّنًا اقتصاديًا أو معيشة أفضل، ما لم يُقترن بإجراءات داخلية قائمة على رؤية استراتيجية، وإعادة تنظيم منظومة العمل، وضبط آليات الإدارة قبل الانتقال إلى معالجة التضخم.
واختتم ديب بالقول إن رفع العقوبات قد يساهم في خلق مناخ إيجابي، لكنه لا يشكّل حلًا شاملًا بحد ذاته، مؤكدًا أن تحقيق النتائج الإيجابية يبقى مرهونًا بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات حقيقية تتجاوز الشكل إلى جوهر الإدارة والحوكمة الاقتصادية.
تُظهر المداخلات المتقاطعة للخبراء أن إلغاء قانون قيصر يفتح بابًا واسعًا للفرص، لكنه في الوقت نفسه يضع سوريا أمام اختبار داخلي حاسم. فبين الاستثمار والإنتاج، والاستيراد والخدمات، واستقرار العملة والإصلاح المؤسسي، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة بقدرة الإدارة الاقتصادية على تحويل رفع العقوبات من حدث سياسي إلى تحوّل معيشي فعلي، وإلا فستبقى النتائج مؤجلة بانتظار إصلاح لم يبدأ بعد.
الكلمات المفتاحية

العملة الجديدة: خطوة نحو الاستقرار أم مصدر جديد للمخاوف؟
العملة التي يُفترض أن تكون أداة استقرار وثقة، تحوّلت في وجدان السوريين إلى مصدر هواجس مشروعة، تتراوح بين الخوف والشك

"شيفرون" ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي
يستعرض التقرير أبعاد دخول "شيفرون" إلى منطقة الساحل اقتصاديًا وسياسيًا، ودلالاته على الطاقة والاستقرار الإقليمي مستقبلًا المحتمل القادم

السوق السوداء للمحروقات.. اقتصاد ظلّ يستنزف خزينة الدولة ويثقل كاهل السوريين
يرصد التقرير انتشار تجارة المحروقات في السوق السوداء بعد سقوط النظام وتأثيرها المباشر في خزينة الدولة وجيوب السوريين

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


