مجلس الأمن في دمشق: خطوة رمزية أم بداية تحوّل؟
19 ديسمبر 2025
شكّلت الزيارة غير المسبوقة لوفد ممثلي أعضاء مجلس الأمن الدولي إلى سوريا في الرابع من كانون الأول الجاري تحوّلًا هامًا على مستوى التعاطي مع سوريا، بعد أن كان هذا الملف، لأكثر من عقد ونصف، أسير الاستقطابات وتبادل التجاذبات الدولية. وأثارت الزيارة موجة واسعة من التساؤلات حول أبعادها ودلالاتها في مرحلة سياسية معقدة، تجتمع فيها الأزمات الاقتصادية والإنسانية مع تصلّب المسارات السياسية وعودة الاهتمام العالمي بالملف السوري، وبرغم أن الزيارات الأممية إلى مناطق النزاع ليست حدثًا استثنائيًا، إلا أن هذه الجولة تحمل طابعًا مختلفًا، لأنها تأتي في ظل تحولات إقليمية وتبدلات في جدول اهتمامات القوى الدولية، ما يجعلها محطّ أنظار مختلف الأطراف السورية والإقليمية والدولية.
تحوّل في المقاربة الدولية
يرى الكاتب السياسي، أحمد شيخو، أن هذه الزيارة تهدف بالدرجة الأولى إلى إعادة تقييم التطورات التي حصلت في سوريا والتي بقيت مهملة لسنوات عديدة، إذ إن وجود وفد رفيع من ممثلي أعضاء مجلس الأمن يعني أن الملف السوري يشهد تحولًا جوهريًا في آلية التعاطي معه من حيث الشكل والمضمون، ومهما بدا في وقت سابق بأنه مجمد أو متراجع، إلّا أنه شكّل نقطة تحوّل مهمة بعد سقوط النظام السوري، من خلال الانفتاح الدولي على سوريا، وهذا مؤشر على رغبة بعض العواصم في إعادة هندسة مقاربتها تجاه الوضع السياسي والإنساني داخل سوريا، خاصة بعد ما شهدته البلاد من تراكمات لإرث ثقيل وتوالي الأزمات نتيجة ما يشبه الانعزال الدولي في عهد النظام السابق، وتغيّر طبيعة الاتجاهات السياسية وازدياد مستويات التهجير الداخلي، والتحديات الكبيرة التي تواجه الشعب السوري بعد نزاع استمر 14 عاماً.
من جهته يذهب الكاتب والناشط السياسي، سامر أسعد، إلى قراءة الزيارة باعتبارها محاولة لفهم الواقع السوري بشكل مباشر، وهو ما يظهر في لقاءات الوفد مع شخصيات تمثل طيفًا واسعًا من المجتمع السوري، دينيًا وسياسيًا ومناطقيًا، إذ أن هذه اللقاءات تشكّل اختبارًا لمدى التزام الإدارة السورية بإحداث تغيّرات ملموسة في العملية السياسية وتحسين الواقع الأمني، خاصة في ظل الانفتاح الدولي الحذر تجاه دمشق ورغبة بعض الدول في ضبط هذا الانفتاح ومراقبة مآلاته.
اختبارات الواقع والشرعية
في ظل هذه الزيارة ومدى ما يمكن أن تعكسه على أرض الواقع، تتباين الرؤى حول التوقعات من الأبعاد المباشرة وغير المباشرة، إذ يشير الكاتب شيخو، أن الحكومة السورية تسعى لأن تعكس هذه الزيارة دعمًا لشرعيتها يما يمنحها هوامش أكبر في التعامل مع العديد من الملفات، في ظل وجود أطراف وفاعلين داخليين من مناطق وتيارات مختلفة تتباين وتختلف بشكل جزئي أو كلي مع الحكومة السورية، وفي ظل سعي بعض القوى المعارضة والفعاليات المدنية إلى إحداث اختراق في المسار السياسي من خلال الأطراف الدولية، كما يتصل هذا أيضًا بالجانب الاقتصادي للسعي بأن يكون هناك تسهيلات من خلال برامج دعم تخفف من تأثير العقوبات وتداعياتها، أو تفتح مجالًا للمشاريع الصغيرة المرتبطة بالتعافي المبكر، كما يتم النظر إلى أيّ انفتاح سياسي كفرصة لأن يترجم في قطاعات أخرى ودفع الدول نحو خطط دعم أكثر دقة تستند إلى الاحتياجات الفعلية للشعب السوري.
يعتقد أسعد، أن الحكومة السورية ترى في الزيارة فرصة لتعميق الثقة والشفافية مع المجتمع الدولي وتقديم صورة التزام من جانبها، كما تأمل دمشق بدفع بعض الدول نحو مقاربة أكثر مرونة على صعيد الدعم السياسي وفتح المجالات للاسثتمارات الاقتصادية، إضافة إلى أن لقاء الوفد بممثلين عن المجتمع المدني وبعض الشخصيات السياسية والدينية التي قد تمثّل المجتمعات المحلية تعكس صورة تنوع الاتجاهات والمقاربات، لا سيما بعد الخروج من نزاع امتد 14 عاماً، في ظل تصوّر أنه يمكن للدول أن تساعد في حل تعقيدات اجتماعية وسياسية مختلفة، وأن تتضمن التقارير الأممية توصيات لضمان الاستقرار المحلي وعدم تسييس الخدمات الأساسية.
انطباعات جديدة دون تحول حاسم
تثير الزيارة الأممية نقاشًا واسعًا حول حدود تأثيرها الفعلي في مشهد معقّد ومفتوح على أزمات متراكمة، فبين اعتبارها كخطوة رمزية تحمل انطباعًا محدودًا والنظر إليها كمحاولة لإعادة ترتيب الانطباعات الدولية، يبقى السؤال عن قدرتها على خلق تحول حقيقي حاضرًا بقوة، في ظل تشابك مصالح القوى الكبرى.
ينوّه شيخو، أنه من الصعب الجزم بأن الزيارة قادرة وحدها على تحويل الانطباعات الأممية إلى خطوات عملية ملموسة، لكن من الخطأ أيضًا اختزالها في أنها "جولة بروتوكولية بلا أثر" فالمعادلة أكثر تعقيدًا، على المستوى الإجرائي تمتلك الوفود الأممية القدرة على رفع تقارير تفصيلية، وتقييم الاحتياجات، ودفع بعض الملفات الإنسانية نحو الأولوية، كما تمنح الوفود فرصة للاحتكاك المباشر مع الواقع، إذ يمتلك مجلس الأمن القدرة على خلق انطباعات جديدة وتقديم الذين يمكّن من أن تعود سوريا للانخراط ضمن المجتمع الدولي، لكنها لا تملك وحدها القدرة على قلب المشهد أو صناعة تحول جذري يرتبط بالقدرة على الوصول إلى توافقات أوسع تدعم العملية السياسية في سوريا.
بينما يختم أسعد، أنه لا يمكن الجزم بما يمكن أن تعكسه هذه الزيارة على المستوى القريب، إذ أن الذهاب إلى توقعات حول قدرة الوفد على دفع العملية السياسية أو التأثير في شكل التعاطي الدولي مع سوريا يفتقر للواقعية، فأعضاء مجلس الأمن ومصالح الدول الكبرى متشابكة، وكل ما يمكن أن تحققه الزيارة لن يتجاوز حدود ما يمكن وصفه "بالدبلوماسية الناعمة" حتى الآن، كما أن الحديث عن "فرصة للاحتكاك المباشر بالواقع" ليس إلا صيغة مقننة لزيارة ميدانية فالمشهد السوري مكشوف بالكامل أمام الأمم المتحدة منذ سنوات، ولا يحتاج إلى جولات ميدانية إضافية لإثبات ما هو معروف سلفًا: كارثة إنسانية، انهيار اقتصادي، غياب مسار سياسي، وانقسام جيوسياسي حاد، وهذا يعود لمدى تغيّر بنية المصالح الدولية نفسها.
الكلمات المفتاحية

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟
عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية

"خارطة الطريق" وخيارات السويداء بعد طي ملف "قسد"
أسهمت العمليات العسكرية في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


