ultracheck
قول

مجلس الشعب.. بين ثقل الظل وخفة الفعل السياسي

15 يوليو 2026
لقطة من الجلسة الأولى لمجلس الشعب
لقطة من الجلسة الأولى لمجلس الشعب (رئاسة الجمهورية/ الترا سوريا))
رامي العاشق
رامي العاشق شاعر وكاتب وصحفي من فلسطين/ سوريا

لم يحتج "مجلس الشعب" الانتقاليّ لأكثر من دقائق قليلة على انطلاقته لترافق هذه الانطلاقة التاريخية الباهتة مجموعة ليست قليلة من النكات السمجة والحضور ثقيل الظلّ لمحاولات تهريجية في غير مكانها ولا توقيتها. 

لست في صدد الحديث عن آلية تشكيل هذا المجلس، وماذا يمثل، وما هو متوقع منه، ولا حتى عن سيطرة الشرع على السلطات الثلاث بعد تعيين أعضاء المحكمة الدستورية، ولا عما سبق عملية انتخاب رئيس المجلس الذي دخل بقائمة الشرع وكتب له الإعلان الدستوريّ، ولا عن صلاحيات مجلس الشعب الهزيلة أمام الرئيس والوزراء. لا لأنني أترفّع عن الحديث عن هذه القضايا، إنما لأن الكثير قيل فيها.

استحضار الأسد من جديد

في سباق مع الزمن، لم يمضِ الكثير على انطلاقة أولى جلسات المجلس، حين ترأّس المجلسَ العضو الأكبر سنَّا، حتى خرج عضو آخر، وبطريقة غير مسؤولة، وبهزلٍ في غير مكانه، ليقول لرئيس المجلس: "العالم قليل عليك يا سيادة الرئيس" في استحضار مقيت لمجلس الشعب الأسدي، وذاك العضو الذي وقف أمام الديكتاتور وقال: "الوطن العربي قليل عليك يا سيادة الرئيس، أنت لازم تحكم العالم". استحضار الأسديّة في أولى الجلسات، في لحظة يفترض أنها تاريخية، وأنها إعلان قطيعة مع الأسديّة، هذا الاستحضار بوصفها حدثًا سابقًا موضع تندّر، لا تاريخًا مليئًا بالألم والظلم يجب التعامل معه بمسؤولية، يكشف غيابًا للحساسية تجاه رمزية اللحظة، ويظهر ثقل ظلّ وسطحية.

من قال إن السياسي يجب أن يكون كوميديانًا؟ وحتى إن أراد أن يكون، فعلى الأقل يجب أن يتحلى بخفة ظل لتوظيفها سياسيًا، لا لمجرد الهزل.

تصفيق لعدم التصفيق

ويبدو أن منظور الأسدية واعتمادها معيارًا هو السائد، وفي هذه العقلية، كلّ ما يقارن بالأسدية خير منها، فنكاد نجمع اليوم كما لم نجمع قبل مجرد سنتين، أن الأسدية هي الشر الأعظم، لكن أن يتحوّل عدم التصفيق لكلمة رئيس الجمهورية أمرًا يستحق الاحتفال والإشادة، فهذا ينمّ عن قصر نظر وقلة معرفة.

استحضار الأسديّة في أولى الجلسات، في لحظة يفترض أنها تاريخية، وأنها إعلان قطيعة مع الأسديّة، يكشف غيابًا للحساسية تجاه رمزية اللحظة، ويظهر ثقل ظلّ وسطحية

بصراحة لا يبدو هذا الفعل عفويًا على الإطلاق، وأعتقد أن أوامر واضحة أعطيت بعدم التصفيق. التصفيق هنا أو الامتناع عنه، يبقى قرارًا سياسيًا من الأعلى إلى الأسفل، وليس فعلًا سياسيًا بالمعنى السياسيّ للكلمة، أي ليس امتناعًا أو رفضًا أو إضرابًا من قبل من لم يصفّقوا. لذلك، لا أرى أن عدم التصفيق يستحق الإشادة هنا.

من جهة أخرى، المشكلة مع التصفيق هي التطبيل والتأييد الأعمى للسلطة المطلقة، أما التصفيق بوصفه موافقة مجموعة من النواب على كلام شخص ما، فهو يحدث في كل برلمانات العالم، وهو فعل سياسي بوصفه إعلان تضامن وتطابق مواقف سياسية. إذن، ليس التصفيق ما يجب نبذه، إنّما الامتثال لقرار التصفيق أو عدمه لأجل تلميع صورة ما.

سجن مجلس الشعب

بالعودة إلى النكات السمجة، يبدو أن رقمًا قياسيًا تم تسجيله في الجلسة الأولى، ولكنّ بعضها لا يمكن المرور عنه هكذا. رئيس المجلس الأكبر سنًا طلب بشكل واضح إغلاق الباب لعدم خروج الأعضاء، واستعمل أسلوبًا أبويًا لمدرّس مرحلة ابتدائيّة (وهي وظيفة عمل بها سابقًا)، فبرأيه أننا "ما بنمشي غير هيك" أي بالصرامة والإرغام، وقد يقول المرء إنها زلة لسان من رجل كبير نزق، لكنه استمرّ وأضاف أنه يجب تحويله إلى سجن! 

كيف يمكن أن تقال جملة كهذه تحت قبّة برلمان؟ بأيّ قاموس أو عرف أو تقليد؟ ما هذا الذوق الرديء في تقبل هزل من هذا النوع؟ وكيف يمكن لمكان الاعتقال واحتجاز الحريّة وما يأتي مع هذه المفردة من ذاكرة محمّلة بالألم والقهر، أن يشبّه بمكان يجب أن يمثل الحرية والتشريع والقانون وسيادة الشعب؟

وداعًا للصور النمطية لمجلس الشعب، وأهلًا بالتأييد والدعم

إلّا أن أجمل النكات حقيقة في هذا المجلس، جاءت في كلمة رئيسه "المنتخب"، إذ قال بشكل واضح أن هدف  البرلمان هو إلغاء الصورة النمطية للبرلمان التي كانت أيام الأسد، وفي جملة بعدها يوجه كلامه إلى السلطة التنفيذية والرئيس بأن المجلس سيدعم السلطة، وسيسهّل تشريع القوانين لها، ولا يريد أن تتصادم السلطتان. إذن، يعلنها رئيس المجلس منذ البداية -وهو الذي كتب الإعلان الدستوري الذي يمنح سلطة مطلقة للرئيس الانتقالي، ومنع البرلمان من مساءلة الحكومة والرئيس- أن البرلمان ليس له دور رقابيّ، إنما هو ذراع تشريعيّة للسلطة التنفيذية.

موسى العمر: الغائب الحاضر

ولا تتوقف خفة الظلّ عند هذا الحد، ففي انتخابات منصب نائب رئيس المجلس، يضع أحد الأعضاء في ورقة التصويت اسم الإعلامي ورجل الأعمال المقرب من السلطة موسى العمر، الذي ليس عضوًا في المجلس بالأصل، ولكنّه حاضر في كلّ مكان، صاحب مقولة "عمك وعم الجميع" الشهيرة.

مستوى غير معقول من التهريج منذ البداية، فماذا ينتظرنا في الحلقات القادمة؟  ليست المشكلة في النكتة بحد ذاتها، فأحيانًا تكون النكتة فعلًا سياسيًا، ووسيلة اعتراض، وإبداعًا في التمرد على السائد، لكن الحال لم يكن هكذا. خاصّة مع مجموع ما دار حول تأسيس هذا البرلمان ودوره وكيف تأسس وإلامَ يسعى.

تهريج موازٍ

ولا يمكن أن يكتمل حفل الستاتداب كوميدي من دون المؤثرين، ليظهر علينا مؤثر القصر الجمهوري جميل الحسن، بفيديو وصفه بأنه "توعوي للشعب السوري"، ورسالة واضحة لأعضاء البرلمان بعدم الدفع باتجاه الأحزاب، والأحزاب تفكيك لمجلس الشعب، مع موسيقى حزينة على آلة الكمان في الخلفية، ولغة تهديدية: "إياكم الدفع باتجاه أحزاب وتيارات".

وهذا في الحقيقة ليس رأي جميل الحسن، إنما توجه سلطة أحمد الشرع منذ اليوم الأول، وترجمها حلّ الأحزاب والتعامل مع التيارات السياسية كأفراد، وتشكيل أعضاء مجلس الشعب بناء على تمثيل مناطقي وطائفي وقومي وكل ما هو دون سياسي.

في النهاية، ليست القضية في أن يكون السياسي خفيف الظل أو جادًا، ولا في أن يصفق أو لا يصفق. القضية في أن يعود البرلمان إلى لعب دور العرض المسرحي بدل ممارسة المساءلة والرقابة. فالنكات قد تنتهي سريعًا، لكن ما تكشفه عن طبيعة النظام السياسي قد يبقى طويلًا. 

الكلمات المفتاحية

السلم الأهلي

ما لا يصنع وطنًا

ما من حاجة إلى خطاب جديد عن السلم الأهلي بقدر حاجتنا إلى إجراءات تجعله قابلًا للتصديق


وقفة

موسم الهجوم على اليسار وشركائه

ظالم وغير منصف هذا الهجوم الذي يشنه البعض اليوم على كل النخب السورية التي عاشت في ظل الاستبداد الأسدي


فداء الحوراني

فداء الحوراني.. بين إرث الأب "الاشتراكي" وتعقيدات الراهن السوري

تتعرض الدكتورة فداء الحوراني لحملة تشهيرية ظالمة ذات طابع غوغائي مشين، حيث يجري اتهامها بأنها تسعى لإحياء نهج سياسي يرتبط باسم والدها الراحل


مجلس الشعب

منعًا لالتقاء الساكنين

لقد أحدث هذا الشطب وهذا الاستبدال جدلًا واسعًا في أوساط السوريين الذين اعتبروا أن الأمر لا يمكن إلا أن يعني شيئًا واحدًا وهو جعل وزارة الخارجية والمغتربين فوق المساءلة البرلمانية

حسام لوقا
عدالة انتقالية

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا

النفط العراقي
مجتمع واقتصاد

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الأمن الداخلي
أخبار

الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق

ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت

العنف الأسري
عدالة انتقالية

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره

الأكثر قراءة

1
أخبار

قتيلان و17 مصابًا.. خلاف عائلي يتحول إلى اشتباك مسلح في حمص


2
أخبار

بعد موجة من الجدل والانتقادات.. مديرية الآثار توضح حقيقة ما يجري في مهرجان "صيف دمشق"


3
أخبار

هيئة العدالة الانتقالية تدعو لتوثيق الانتهاكات المرتبطة بمحمد الشعار


4
أخبار

بعد مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية.. هيئة المنافذ والجمارك تتسلم مواقع تجارية في مرفأ طرطوس


5
أخبار

الهيئة العامة للطيران المدني تتسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي


advert