مخاطر صحية وبيئية.. تكرير النفط الخام قنبلة موقوتة تهدد حياة أبناء دير الزور
19 نوفمبر 2025
ما يزال تكرير النفط الخام بطرق بدائية يهيمن على المشهد في أرياف دير الزور، حيث يهدد الدخان الكثيف والروائح السامة المتصاعدة في الهواء حياة الأهالي والنظام البيئي في المنطقة. ويغطي السواد المنبعث من عمليات الحرق سماء الريف بكثافة، لتبدو كما لو أن حرائق واسعة اجتاحت المكان.
ورغم مناشدات الأهالي المتكررة، إلا أن هذه النداءات لم تُجدِ نفعًا، في الوقت الذي تسيطر قوات سوريا الديمقراطية "قسد" على جميع حقول النفط، وتقوم بعملية تكرير بدائي للنفط في في ريف المحافظة، والتي تبعد نحو اثنين كم عن منازل المدنيين.
يقول نصر الخيط، وهو أحد أبناء بلدة الحصان، لموقع "الترا سوريا" إنهم طالبوا الجهات المعنية بنقل الحراقات النفطية لمسافة لا تقل عن 40 إلى 50 كم عن القرى السكنية، وذلك للحفاظ على صحة الناس، لكن "لا حياة لمن تنادي".
وأكد الخيط أن المعاناة اليومية التي يعيشها الأهالي هنا هي نتيجة انتشار الدخان الكثيف المنبعث من الحراقات، لا سيما خلال ساعات الليل، مشيرًا إلى أن هذا المناخ البيئي السيء تسبّب بمشاكل في صحية لدى الكثيرين، من بينهم أفراد من عائلته، كما أدى إلى ظهور أمراض متعددة في الجهاز التنفسي.
من جانبه، يصف حمود السلامة، وهو من سكان الريف الغربي، الوضع لـ"الترا سوريا" بأنه "مأساوي"، مضيفًا أنها "كارثة بيئية وصحية حقيقية". وأشار إلى أن "انتشار الدخان والروائح السامة خطر بات يهدد حياة السكان، ويؤثر بشكل كبير على الأطفال وكبار السن الذين يعانون من أمراض متزايدة بسبب التلوث المستمر".
ولا يختلف الحال كثيرًا بين الريفين الشرقي والغربي في المحافظة، إذ إن المعاناة واحدة، كما يقول خلف الحسين، وهو من سكان بلدة الدحلة. وأضاف لـ"الترا سوريا": "لم يتوقف تكرير النفط منذ عام 2013، ما أدى إلى انتشار الأمراض، فضلًا عن التلوث البيئي و المخاطر الصحية التي تواجه أبناء الريف، خاصة من يعملون في التكرير، نظرًا لغياب جميع أنواع السلامة الصحية".
وقد أسهمت الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها المنطقة في انتشار هذه الظاهرة، والتي وفرت فرص عمل للكثيرين على حساب ظروفهم الصحية، فطريقة التكرير البدائية للنفط الخام تجعل من الحراق قنبلة موقوتة تنبعث منها المواد البتروكيماوية ناشرة الأمراض معها.
يقول محمد، وهو عامل في إحدى الحراقات النفطية المنتشرة في بلدة الحصان، لـ"الترا سوريا" إن "المال الذي يكسبه العامل من حرق النفط بطرق البدائية يجعله يخاطر بنفسه، ويتحمل كل المصاعب التي تواجه في ظل انعدام فرص العمل في المنطقة". وأضاف: "نقوم بتكرير النفط بطرق بدائية فالحراق عبارة عن خزان معدني يشبه البرميل، وتختلف الأحجام وفقًا لسعته حيث تصل سعة البعض منها إلى 70 برميل خام".
وأوضح محمد أن "النفط الخام يوضع في خزان يشبه البرميل، ومن ثم نبدأ بتشغيل النار مستخدمين مخلفات نفطية تسمى الجير، حيثُ يكون هناك بركة ماء تتسع لـ100 برميل لتبريد خطوط الإنتاج قبل فرزه في الخزانات". وأشار إلى أن البنزين والمازوت المكرر "يتم بيعه في الأسواق ويكون سعره أقل من البنزين والمازوت النظامي، حيث يباع ليتر المازوت بـ5 ألاف ليتر والبنزين بـ8 ألاف ليرة، بحسب سعر صرف الدولار".
يؤكد المسؤول الطبي في مركز محيميدة الصحي، صالح الفتحي، لـ"الترا سوريا" أن المركز يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد المرضى المصابين بضيق التنفس، والربو، والحساسية الجلدية، وأن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا نتيجة الانبعثات السامة من الحراقات البدائية .
وتابع الفتحي أن استمرار عمل هذه الحراقات بالقرب من المناطق السكنية قد يؤدي إلى نتائج صحية خطيرة، مرجّحًا أن تصل في بعض الحالات إلى الإصابة بأمراض مزمنة أو سرطانية.
وطالب الفتحي الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية بالتدخل السريع للحد من انتشار الحراقات، ونقلها إلى مناطق بعيدة عن التجمعات السكنية، مؤكدًا أن الوضع الحالي لم يعد يحتمل التأجيل بسبب تزايد الأضرار على الأهالي والبيئة في ريف دير الزور الغربي.
ولم يقتصر خطر الحراقات البدائية المنتشرة في المنطقة على السكان، بل أثّر بشكل كبير على الأراضي الزراعية، بحسب المهندس مخلف الحسن، مشيرًَا في حديثه لـ"الترا سوريا" إلى تأثّر الإنتاج الزراعي بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وذلك نتيجة التلوث البيئي الكبير الذي طال الأراضي والمحاصيل، وحتى المياه.
وقد أدى ذلك إلى تراجع الزراعة بشكل كبير في المنطقة، إضافة إلى اتجاه الكثير من الأهالي إلى العمل في تكرير النفط، بعدما تخلوا عن أراضيهم الزراعية على حساب العمل بتكرير النفط الخام.
وسجلت محافظة دير الزور خلال السنوات الماضية النسبة الأكبر في عدد المصابين بالأمراض السرطانية، كما لوحظ انتشار كبير لأمراض التهابات الكبد في المحافظة والأمراض الجلدية المختلفة. ويرى الأهالي أن هذه الأمراض بدأت تنتشر نتيجة تأثر المنطقة بـ"التلوث الكبير المنبعث من تكرير النفط الخام".
الجدير بالذكر أن "قسد" تسيطر على معظم الحقول النفطية في محافظة دير الزور منذ منتصف عام 2017 بعد طرد "داعش" من المنطقة، وعملت على توزيع جزء من الإنتاج على حراقات النفط للاستهلاك المحلي؛ كما تقوم بتصدير القسم الأكبر إلى العراق أو بيعه في السوق السوداء، في الوقت الذي لا توجد إحصائيات دقيقة حول إنتاج النفط في الحقول الواقعة تحت سيطرة "قسد" في المحافظة.
الكلمات المفتاحية
سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي
يكشف واقع الاقتصاد السوري بعد الحرب اتساع الفقر واعتماد ملايين السكان على المساعدات، وسط تعافٍ بطيء وعقبات تعرقل الاستثمار وإعادة الإعمار
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026