مخيم الهول.. بين حقيقة وجود "داعش" ومغامرة التفكيك العشوائي
17 نوفمبر 2025
نفذت قوات سوريا الديمقراطية، قبل أيام، حملة أمنية داخل مخيم الهول الواقع بريف الحسكة الشرقي، أسفرت حسب البيان الرسمي عن اعتقال أحد قيادات تنظيم داعش، وهو "بهاء مسيري"، والذي يعرف بـلقب "أبي عبد الرحمن"، ويتحدر من الجنسية العراقية، وهو المسؤول عن إحياء بنية التنظيم داخل المخيم الذي يقع تحت سيطرة "قسد"، وبإشراف مستمر من قبل القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، وعلى الفور انبرت مجموعة من وسائل الإعلام المعارضة لـ "قسد" لتقول أن المعتقل ليس من عناصر التنظيم وإنما مرتبط به بشكل غير مباشر نتيجة لوجود أربعة من أبنائه في صفوف "داعش"، وقد وصف "مسيري"، من قبل هذه الوسائل، بأنه "معتقل منذ العام 2019" في مخيم الهول.
إحصاء جديد
حصل "الترا سوريا"، على معلومات من مصادر صحفية كردية تؤكد بأن تعداد سكان المخيم، الذي يقع على بعد 45 كم إلى الشرق من مدينة الحسكة، انخفض بشكل كبير منذ سقوط نظام بشار الأسد، ويبلغ عدد قاطنيه حاليًا "25241"، شخصًا، ويشكل السوريون أكثر من نصف سكان المخيم بتعداد يصل لـ 14955 شخصًا، فيما يصل عدد من تبقى من حملة الجنسية العراقية إلى 4007 أشخاص، والبقية وهم 6279 شخصًا هم من حملة الجنسيات الأجنبية المتعددة والذين يقيمون حاليًا في "جناح الأجنبيات"، وتشير المصادر إلى أن سبب انخفاض تعداد قاطني المخيم يعود إلى إطلاق "قسد" لما أسمته بـ "برنامج العودة الطوعية" للسوريين، فمكنتهم من العودة إلى المناطق الأصلية التي يتحدرون منها بعد أن سهلت الإجراءات اللازمة بهذا الخصوص، إذ كانت قد أطلقت الأمر في بداية العام 2022، لكن بشكل بطيء جدًا ومن خلال برنامج يخضع لرقابة مشددة من قبل "الاستخبارات العسكرية" التابعة لها، وبشرط حصول كل عائلة تتقدم بطلب الخروج على "كفالة عشائرية" من قبل شخصيات بارزة في المناطق التي ترغب بالتوجه إليها، وكان الأمر يستغرق عدة أشهر قبل أن تحصل العائلة على الموافقات الأمنية اللازمة، وبإجراءات أمنية مشددة يتم نقل القوافل التي تخرج من المخيم إلى المنطقة المستهدفة، لكن الأمر تغير وباتت إجراءات "الاستخبارات العسكرية" أسرع بعد سقوط النظام، ومرد الأمر، بحسب المصادر، هو التوجيهات المباشرة التي تلقتها "قسد" من قبل التحالف بخصوص تفكيك المخيم.
أما تعداد العراقيين فقد انخفض بسبب الرغبة الجدية من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد بنقل كامل مواطنيها من "مخيم الهول" إلى "مخيم الجدعة"، الذي يقع جنوب محافظة نينوى وهو مخصص للعائدين من سوريا، وتشير المعلومات التي تصدر رسميًا عن الحكومة العراقية إلى أن من يتم استعادتهم من الأراضي السورية يخضعون لبرامج إعادة تأهيل مجتمعي قبل دمجهم مجددًا في مجتمعاتهم الأصلية، وتشير المعلومات التي حصل عليها "الترا سوريا" إلى أن العوائل السورية عادت لمناطقها دون الخضوع لمثل هذه البرامج، أي إن إيديولوجيا التنظيم المتشدد ما تزال هي العقيدة الدينية التي يحملها هؤلاء، ما يشير إلى وجود مخاطر كبيرة من الإعادة التي يمكن وصفها بـ "العشوائية" حتى الآن.
وكان يسكن "جناح الأجنبيات" حوالي 11 ألف شخص يحملون 55 جنسية مختلفة، إلا أن إجراءات اتخذت من قبل "قسد"، كنقل عدد من حملة الجنسيات الأجنبية إلى مخيم يقع بالقرب من قرية "تل أسود" بريف الحسكة الشمالي الشرقي، ويعرف إعلاميًا بـ "مخيم روج آفا"، إضافة إلى استعادة عدد من الدول لبعض من رعاياها المقيمين في مخيم الهول، أدت إلى خفض تعداد الجناح الذي كان يشهد جولات علنية لنساء ينتمين لما يسمى بـ "جهاز الحسبة"، الذي يعد بمثابة "الشرطة الدينية" في صفوف تنظيم داعش، ليفرضن نوعًا من العقوبة المباشرة على النساء اللواتي يخالفن القواعد الشرعية للتنظيم، تمثلت غالبية هذه العقوبات بـ "الاعتداء المباشر".
الحكاية بالأرقام
حنى بداية شهر آذار/ مارس من عام 2019، كان تعداد سكان المخيم يصل لـ 13 ألف كلهم من المدنيين السوريين، إضافة إلى عراقيين نزحوا هربًا من العمليات العسكرية التي شهدتها محافظة الموصل قبل أن ينسحب منها تنظيم داعش، إلا أن تطبيق اتفاق "باغوز فوقاني"، في 17 آذار/ مارس من ذاك العام، أفضى إلى استقبال العوائل المرتبطة بالتنظيم وعناصره المصابين بعجز كامل نتيجة لفقدان أطرافهم السفلية في العمليات الحربية التي شهدها ريف دير الزور الشرقي قبل أن تسيطر "قسد" على كامل "شرق الفرات"، ما أدى لارتفاع تعداد سكان المخيم إلى 73 ألف شخص، وكان العراقيون يشكلون أكثر من نصف التعداد في المخيم، ليعيش سكانه ضمن فوضى أمنية بسبب نشاط خلايا تابعة لتنظيم داعش حتى نهاية العام 2023. وشنت القوات الأمنية حملة كبيرة لتفريغ المخيم من الأسلحة والذخائر التي كانت تحصل عليها خلايا التنظيم المتشدد نتيجة لوجود "فاسدين" ضمن حرس المخيم من عناصر قسد، وتشير المعلومات، التي حصل عليها "الترا سوريا"، إلى أن تمويل هذه الخلايا كان يصل عبر الحوالات الخارجية التي سمحت "قسد" بوصولها إلى سكان المخيم من أقاربهم. ومن خلال مكاتب الصرافة والتحويلات المالية، التي رُخص لها بالعمل داخل أجنحة المخيم، كانت هذه الحوالات تصل بـ "الدولار الأميركي" من أقارب مفترضين لسكانه.
شهدت الفترة الممتدة بين العام 2019-2023 عددًا كبيرًا من جرائم القتل، وعملية إحراق الخيام، والاعتداء على السكان بسبب مخالفتهم قواعد التنظيم، والمعلومات تؤكد وقوع 103 جرائم قتل خلال العام 2022 لوحده، إضافة إلى تسجيل عدد كبير من حالات الوفاة للسكان بسبب سوء الرعاية الصحية. وللمخيم مقبرة تقع في طرفه الغربي تحتوي على ما يزيد عن 1000 قبر لمن قضوا خلال السنوات الست الماضية، ونتيجة لوجود عدد كبير من الأطفال الذين انتقلوا مع عوائلهم بعمر يتراوح بين 9-12 عامًا خلال المرحلة الأولى، فإن إمكانية إعادة إنتاج التنظيم لقدراته العسكرية من داخل المخيم كانت واردة – ولا تزال – بسبب خضوع الأطفال لدروس شرعية من قبل عناصر التنظيم.
على الرغم من وجود عدد كبير من الأطراف المطالبة بـ "تفكيك مخيم الهول"، لدواع إنسانية، إلا أن عملية التفكيك العشوائية ودون إخضاع القاطنين فيه لبرامج إعادة تأهيل مجتمعي قد تفضي إلى إمكانية إعادة إنتاج التنظيم لنفسه، أو لتنظيم جديد ضمن المناطق التي يمكن أن ينتقل إليها سكانه، كما إن عملية نقل العوائل الأجنبية لأي منطقة، خارج المخيم وداخل الأراضي السورية، ستكون عملية خطرة جدًا على الدولة في بنيتها الجديدة، خاصة وأن الدول المعنية تبدي إهمالًا في عملية نقل مواطنيها من الأراضي السورية.
وفي ملف خطر مثل "مخيم الهول"، لابد من التعامل مع القضايا الأكثر إلحاحًا والمتمثلة بـ "أمن الأراضي السورية"، بعيدًا عن الخصومات السياسية، وعن استخدام الملف كورقة للضغط المتبادل بين الحكومة و"قسد".
الكلمات المفتاحية

قتلى أميركيون في تدمر: هجوم يفتح أسئلة أمنية وسياسية في لحظة مفصلية
تُعدّ هذه الحادثة، التي سقط فيها قتلى أميركيون، الأولى من نوعها منذ تدخل التحالف الدولي في سوريا، وتطرح جملة من الأسئلة حول الأسباب والتداعيات وهوية منفذ الهجوم

استعصاء في تنفيذ اتفاق آذار.. هل يتجه ملف "قسد" نحو الحل العسكري؟
شهدت الأيام الأخيرة تصريحات كثيرة، من أطراف متعددة، بخصوص ملف شرقي الفرات. وتؤشر جميع التصريحات على حالة الاستعصاء في تطبيق اتفاق آذار/مارس

اللامركزية في دائرة الجدل مجددًا.. قراءة في تصريحات المبعوث توم براك
يعيش المشهد السوري تحولات سياسية عميقة منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ومن بينها صعود قضية اللامركزية إلى صدارة النقاش في البلاد

ما بعد قانون قيصر: هل يفتح رفع العقوبات باب التعافي المعيشي أم يؤجل الأزمة؟
يفتح رفع قانون قيصر نافذة اقتصادية مشروطة، ويجعل تحسّن معيشة السوريين رهين إصلاحات داخلية وقدرة مؤسسية فعالة مستدامة حقيقية

وصف بـ"الخطير".. قتلى وجرحى أميركيين جراء تعرض قوة مشتركة لهجوم في تدمر وسط سوريا
تعرض أفراد من قوات الأمن السورية والقوات الأميركية لإطلاق نار قرب تدمر، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وتعطيل مؤقت للطريق الدولي

عام على تحرير سوق السيارات: استنزاف للنقد الأجنبي وازدحام مروري ومخاطر بيئية متزايدة
يرصد هذا التقرير مرور عام على تحرير سوق السيارات، وسط تحذيرات من استنزاف النقد الأجنبي وتفاقم الازدحام المروري وارتفاع المخاطر البيئية

"أسوشيتد برس": تأسيس أول منظمة سورية يهودية لإعادة تأهيل الكُنس المتضررة في البلاد
سجّل يهود سوريون أميركيون أول منظمة يهودية مرخّصة في سوريا لإحياء التراث بعد سقوط نظام الأسد والكنس المتضررة


