ultracheck
قول

مذكرات التوقيف الفرنسية ومسار العدالة في سوريا

16 سبتمبر 2025
الرئيس المخلوع بشار الأسد
صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد عقب سقوط نظامه (Getty/ الترا سوريا)
ميسون محمد
ميسون محمد محامية وباحثة

القرار القضائي الفرنسي بإصدار مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وشخصيات بارزة من قيادته هو لحظة مفصلية في مسار المساءلة الدولية عن انتهاكات الحرب السورية، ليس لأنها تضمن تنفيذ العدالة فورًا، بل لأنها تعيد تعريف المشهد القانوني والسياسي عبر تحويل أسماء كانت محمية سياسيًا إلى مطلوبين جنائيًا على المستوى الدولي، وتحوّل مبدأ الحصانة من حاجز شكلي إلى مسألة واقعية قابلة للنقض متى زال منصب المتهم أو تبدّلت المعطيات الدولية.

خلفية هذه الخطوة واضحة،  فمذكرات التوقيف مرتبطة بقصف وقع في حي باب عمرو بحمص في 22 شباط/فبراير 2012، والذي أودى بحياة الصحفية الأميركية ماري كولفين والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، وحين تقرّ المحاكم أن استهداف مركز إعلامي كان متعمّدًا لتكميم صوت التغطية فإن ذلك يأخذ القضية من خانة الحرب إلى خانة الجرائم الدولية التي لا تندثر بالتقادم.

الآثار القانونية والسياسية 

من الناحية القانونية، تستند الإجراءات الفرنسية إلى ركائز متداخلة، أولها مبدأ «الشخصية السلبية» الوارد في المادة 113-7 من قانون العقوبات الفرنسي، التي تبيح تطبيق القانون الجنائي الفرنسي على جرائم ارتكبت ضد مواطن فرنسي، وثانيها أحكام الفصول المتعلقة بالاختصاص الدولي (المواد 689 وما يليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية) التي تؤسس لمدخلٍ أوسع نفَذته المحاكم الفرنسية في قضايا الجرائم الدولية، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. بهذه الأدوات، تتحول المحاكم الوطنية إلى فضاءات تحقيق وأحيَانًا إلى محاكم عقاب عندما تغيب هيئات دولية قادرة على المحاكمة.

لكن بين القول والفعل فاصل عملي كبير: مذكرات التوقيف الوطنية تُفعّل إرادة جنائية وتنتج آثارًا رمزية وسياسية وإجرائية واضحة — إذ لا يجوز تنفيذها إلا إذا وُجد المطلوب على الأراضي الفرنسية أو في دولة متعاونة، كما تحتاج إلى آليات تعاون دولي (إنتربول، اتفاقيات تسليم/تسويق قضائي ثنائي) للتَحول من ظرفٍ رمزي إلى اعتقال فعلي ومحاكمة. لذلك، رغم قلّة احتمال القبض الفوري على شخصيات محصنة سياسيًا أو محتمية بحلفاء أقوياء، فإن القيمة القانونية والسياسية للمذكرات لا تقلّ، لأنها تضيق المجال أمام حركة المطلوبين وتُضعف شرعيتهم الدولية.

مذكرات التوقيف تحوّل الأسد وأعوانه إلى مطلوبين دوليًا وتؤكد أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم

لا ينبغي قراءة هذه الخطوة بمعزل عن تبدّل أوسع في ممارسات القضاء المقارن، فالتجربة الألمانية الأخيرة في محاكمة ضباط سوريين، وعلى رأسها محاكمة أنور رسلان وإدانته بتهم جرائم ضد الإنسانية، تشكّل سابقة عملية تُثبت أن المسارات الوطنية القادرة على تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية باتت أداة فعّالة لكسر الإفلات من العقاب، خصوصًا حين تتوافر إرادة سياسية وقاعدة أدلة موثقة ومرافعة منظمات حقوقية ومنصّات توثيق.

الطريق الطويل نحو المحاسبة 

في هذا الإطار تتقاطع المسارات الوطنية والدولية مع مسار العدالة الانتقالية الوطني المنشأ حديثًا — وهي الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي أُعلن عن تشكيلها بمقتضى مرسوم رئاسي (مرسوم رقم 20) في أيار/مايو 2025 — فوظيفة الهيئة لا تقتصر على التذكّر أو الترميم الاجتماعي فقط، بل يمكن أن تمتد لتصبح حلقة وصل ذات قيمةٍ عملية بين الشهادات والوثائق المحلية والمحاكم الأجنبية، وبالتالي تحويل المذكرات من أدوات رمزية إلى ملفات اتهام متينة تدعم إجراءات التوقيف والملاحقة.

ومع هذا التفاؤل القانوني المنطقي، يظل المشهد السياسي حاسمًا: وجود ملاذات وآليات حماية (دبلوماسية وقانونية) لبعض المتورطين، ووجود تباينات في مواقف دول كبرى تُعرقل إحالة تلقائية إلى منظومة العدالة الدولية (محكمة لاهاي) لأن ذلك يتطلب غالبًا قرار مجلس الأمن، يجعل من المسارات الوطنية المتعددة استراتيجية ملزمة وطويلة الأمد لكسب أرضية قانونية وسياسية تُعزّز احتمالات الإحالة لاحقًا. المذكرات، إذن، ليست نهاية طريق بل بداية مرحلة ضغط قانوني وسياسي متواصلة.

وعند سؤال المحامي زهير مارديني، المقيم في فرنسا، عن مدى قدرة تراكم المذكرات الوطنية الصادرة عن فرنسا وألمانيا ودول أخرى على إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية في غياب قرار من مجلس الأمن، أوضح أن هذه المذكرات تشكّل أداة ضغط متزايدة على المجتمع الدولي، لكنها بحد ذاتها لا تكفي لإحالة الملف إلى لاهاي، لأن الإحالة تحتاج قانونًا إلى قرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. وأضاف مارديني أن هذه المذكرات تبقى أقرب إلى وسيلة ضغط قضائية وسياسية تضيق من هامش حركة المطلوبين وتعزلهم دبلوماسيًا، لكنها لا تفتح تلقائيًا باب المحكمة الجنائية الدولية.

وشدّد على أن قيمتها ليست رمزية فحسب، فهي تُحوّل الأسد وأعوانه إلى مطلوبين دوليًا وتؤكد أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، مما يعزز سردية الضحايا ويدعم المسار الوطني للعدالة الانتقالية. أما عن الخطوات العملية لتحويل هذه المذكرات إلى محاكمات فعلية، فقد حددها مارديني بأربع نقاط أساسية: أولًا، تعزيز التعاون القضائي الدولي عبر الإنتربول والاتفاقيات الثنائية لتسهيل التوقيف في حال انتقال المتهمين إلى أراضٍ خاضعة للتعاون، ثانيًا، إشراك الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا لتكون حلقة الوصل بين المحاكم الأوروبية والضحايا، عبر تزويد القضاء الأوروبي بالأدلة والشهادات.

أما ثالثًا، توسيع دائرة الملاحقات الوطنية بحيث تنضم دول أوروبية أخرى إلى المسار الفرنسي والألماني، مما يضاعف الضغط ويجعل الحصانة أو الحماية السياسية أقل جدوى ورابعًا، التركيز على العدالة الوطنية السورية عبر دمج المذكرات الدولية مع آليات العدالة الانتقالية الوطنية، لأن القضاء الوطني هو الأقدر على إعادة الثقة للمجتمع وضمان عدم تكرار المأساة.

في النهاية، لا ينبغي الاكتفاء بالابتهاج بالبعد الرمزي لهذا القرار، فالعدالة هنا عملية طويلة المعالم تجمع بين القانون والسياسة والمجتمع المدني والشهود والمحامين. مذكرات التوقيف الفرنسية فتحت بابًا مهمًّا: لم تعد الجرائم الدولية حكرًا على الزمن أو الجغرافيا، والآن على المجتمع السوري ومؤسساته وشركائه الدوليّين أن يملأوا هذا الباب بإجراءات دقيقة وصارمة تحفظ كرامة الضحايا وتحوّل المبادئ إلى محاكمات قابلة للتنفيذ، بينما يبقى الهدف النهائي واضحًا: تحقيق عدالة تنصف الضحايا وتمنع تكرار المأساة، حتى لو تطلّب الوصول إليها سنوات من المثابرة القانونية والدبلوماسية.

الكلمات المفتاحية

نقابة المحامين

هل تستعيد نقابة المحامين السورية دورها المهني؟

النقابات المهنية ليست مجرد مؤسسات تنظيمية تعنى بشؤون أعضائها، بل هي أحد المؤشرات الأساسية على مستوى الحريات العامة في أي مجتمع


جنود سوريون

الحرب تمتد وأوارها يشتد.. ماذا عن سوريا؟

بات من الواضح، في هذا الصدد، أن الحرب الحالية تؤسس لاستقطاب سياسي حاد في المنطقة


قراءة

ماذا نقرأ في الحرب؟

إذا ما أجلنا قراءة الشعر والذهاب إلى السينما والاستماع إلى الموسيقا حتى تنتهي حروبنا، نكون قد حولنا أنفسنا إلى برابرة بلا أرواح


سوريا ولبنان

وباء التعميم وخطاب الكراهية بين السوريين واللبنانيين

اختزال العلاقة المعقّدة بين السوريين واللبنانيين إلى ثنائية "نحن وهم" يختزل التاريخ والجيرة والمصالح المشتركة

انفجار
أخبار

إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام

أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.

فرن حرنة
أخبار

فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"

أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان


الشعلة والشرطة
منوعات

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه

الأسواق السورية
مجتمع واقتصاد

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026

الأكثر قراءة

1
أخبار

لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا: الحاجة ملحّة لإصلاح قطاع الأمن والجهاز القضائي


2
سياسة

سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي


3
عدالة انتقالية

التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام


4
أخبار

الهلالي: الدولة السورية تفتح أبوابها للكوادر الكردية و"الإدارة الذاتية" إلى زوال


5
أخبار

اتفاق سوري–أردني على عبور مشروط للشاحنات وتعزيز التكامل اللوجستي


advert