مربو المواشي في الجزيرة بين شح المراعي وغلاء الأعلاف
4 سبتمبر 2025
يقف مربّو الثروة الحيوانية في الجزيرة السورية حائرين أمام خيارات صعبة. فبعد شتاءٍ قاسٍ وشحٍّ في الأمطار وانعدام المراعي والغطاء النباتي، باتوا كالقابضين على الجمر، لا سيما في ظل الارتفاع الجنوني في أسعار الأعلاف والانخفاض الحاد في أسعار القطيع، ما جعلهم قليلي الحيلة أمام واقعهم الصعب.
يسير محمد جمعة بما تبقّى من قطيعه كل صباح إلى مراعٍ ضعيفة من مخلفات الحصاد، لا تُغني ولا تُسمن. يرمق قطيعه الهزيل بغصّة وحسرة، ويتنهد بحيرة، ثم يتحدث لـ"الترا سوريا" عن ضيق حاله قائلًا: "كنت أملك مئة وخمسين رأسًا من الأغنام والماعز. قبل عام، كانت ظروفنا جيدة؛ المراعي وفيرة والأسعار مقبولة. لكن مع موسم الزراعة الكارثي خلال هذا العام وندرة المرعى، بِتنا نعيش ظروفًا لا نُحسَد عليها".
يضيف: "لم نتوقف عن تقديم العلف للقطيع، إلا أن الظروف أجبرتني على بيع أكثر من نصفه لشراء العلف للنصف الآخر، وسأبيع المزيد لتأمين ما يلزم لما تبقّى. يحتاج الرأس الواحد إلى 2 كغ من العلف يوميًا كحد أدنى، أي ما يعادل 7000 ليرة سورية، في حين لا يتجاوز ثمن الرأس الواحد من الأغنام اليوم مليون ليرة سورية، بعدما كان سعره في العام الفائت خمسة أو ستة ملايين. لقد أتعبتنا قطعاننا، وأنا أفكّر اليوم في بيع ما تبقّى لدي ولو بأبخس الأسعار".
موسم الأمطار يزيد المعاناة
في سوق المواشي المجاور لحي العزيزية بمدينة الحسكة، يجلب محمد الخلف عددًا من مواشي قطيعه للبيع بشكل شبه يومي، بعدما ضاقت به السبل وأصبح عاجزًا عن تربيتها. يقول محمد لـ"الترا سوريا": "كان هذا الموسم قاسيًا علينا؛ فلا مراعي، وموسم القمح معدوم".
وتابع: "في السنوات السابقة كنا نرعى قطعاننا في الأراضي الزراعية بعد الانتهاء من الحصاد، وكان القش يكفيها حتى شهر تشرين ويغنينا عن شراء العلف، بالإضافة إلى درس القش وتحويله إلى تبن نُعلف به مواشينا خلال الشتاء. أمّا اليوم، فلا فرق بين الشتاء والصيف، إذ نعلف القطيع على مدار العام".
يصف حمود الأحمد، أحد المربين في ريف القامشلي، معاناته التي تتشابه في تفاصيلها مع حال جميع المربين في المنطقة، قائلًا: "كان تعداد قطيعي من المواشي قبل عام يزيد على مئتي رأس من الأغنام والماعز، وكانت ظروف تربيتها مريحة وتدرّ علينا أرباحًا جيدة من بيع صوفها وخرافها وألبانها وسمنها. لكنّي اليوم لا أملك سوى خمسة عشر رأسًا".
في مجتمع زراعي يعتمد على قطاعي النبات والحيوان معًا، لم يعد أحدهما يسند الآخر؛ فبعد موسم زراعي صفري، يواجه القطاع الحيواني أسوأ أزماته، وتتلاشى أمام الأهالي خيارات البقاء
ويتابع حمود بحسرة: "بعتُ أغلب قطيعي لعجزي عن تربيته وتوفير العلف الكافي له على مدار العام. نحن نعلف القطيع بشكل مستمر، فلا مراعي ولا بدائل لدينا. كما أن توقف دعم المربين بالأعلاف نتيجة الظروف التي نعيشها في سوريا منذ عام 2011 أثّر علينا بشكل كبير، وأجبرنا على شراء المادة العلفية بأسعار فلكية لا تتناسب مع واقع المربي".
أسعار بخسة أمام كثرة العرض وقلة الطلب
تتعالى أصوات الوسطاء "الدلالة" في سوق بيع المواشي بقرية عكاظ شرق الحسكة، لعرض ما جلبه المربّون من بقايا قطعانهم لبيعها، أصوات تصف سوء الحال عند المربين، فالعرض كثير والطلب يكاد يكون معدومًا. يقول محمد علي: منذ خمسة أيام اصطحب بعض الأغنام إلى السوق بقصد البيع، لكن لم يشترِ أحد ولو رأسًا واحدًا. يضيف: حالنا لا يسر، فنحن كبالع الموس على الحدين، وخياراتنا ضيقة؛ إما أن نبيع قطيعنا بثمن بخس، أو نحتفظ به ونشتري العلف بمبالغ كبيرة قد تزيد على ثمن الرأس الواحد خلال العام.
تشير إحصائيات مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي إلى أن إجمالي أعداد الثروة الحيوانية في محافظة الحسكة نهاية عام 2022 بلغ مليونًا و618 ألفًا و148 رأسًا من مختلف قطعان المواشي، لكن هذا العدد تراجع بشكل كبير هذا العام.
أما عبد الغفور العايد، تاجر في سوق عكاظ للأغنام، فيقول: يُباع اليوم الرأس الواحد من الأغنام أو الماعز بأقل من مليون، بينما لا يزيد ثمن البقرة الواحدة على 10 ملايين. فالشح وقلة المراعي وغياب الدعم للثروة الحيوانية هي الأسباب الحقيقية وراء هذا الانخفاض، كما أن إيقاف تصدير الأغنام له دور كبير في هذا التراجع.
أمراض موسمية تفتك بالمواشي
تسببت الأمراض السارية والموسمية بنفوق أعداد كبيرة من الماشية، وزادت من معاناة المربين. يقول المربي علي المحمد: "تسببت الأمراض بهلاك عدد لا يُستهان به من المواشي (أبقار وأغنام وماعز)، وهو ما زاد مخاوف المربين ودفعهم للاستغناء عنها".
ويوضح الطبيب البيطري عبد الرحمن المحمد أن أمراض الصيف الالتهابية كالحمى القلاعية وأبو صفار (اليرقان) والباستريلا (التهاب الرئة) على وجه الخصوص، تسببت هذا العام بنفوق أعداد كبيرة من المواشي، بسبب ضعف مناعة الحيوان الناتج عن قلة العلف المقدَّم له، إضافة إلى انخفاض كفاءة الأدوية البيطرية وارتفاع أسعارها.
في مجتمع زراعي يعتمد في اقتصاد حياته على ما يدره هذا القطاع من أرباح بشقّيه الحيواني والنباتي، لا تبدو الحياة مريحة هذا العام لأهالي الجزيرة السورية؛ فبعد موسم زراعي صفري خلال الشتاء الفائت، ليس القطاع الحيواني بحال أفضل... حالٌ تصفه ملامح الوجوه الحائرة التي ضاقت بها السبل وتلاشت أمامها الخيارات.
الكلمات المفتاحية
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
بين قدم أسطول الشحن السوري وارتفاع التكاليف.. جدل حول قرار منع الشاحنات الأجنبية
بين قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وأسطول الشحن السوري القديم تتصاعد أزمة المناقلة على الحدود، مع مطالب بإلغاء القرار وتحديث الشاحنات، وسط تحذيرات من ارتفاع الأسعار
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026