ultracheck
منوعات

مشروع جر مياه نهر دجلة إلى الحسكة: بين إرث التهميش وأفق النهضة

13 ديسمبر 2025
مشروع دجلة
مشروع جرّ مياه دجلة إلى الحسكة (مواقع التواصل/الترا سوريا)
محمد جفال
محمد جفالصحافي سوري

شهدت سوريا بعد سقوط النظام منعطفًا تاريخيًا بتحريرها من نظام حكم استمر لعقود، جسّد حالة من الإهمال والتهميش المتعمد للعديد من المناطق.

وها هي الذكرى الأولى لهذا الحدث لا تُختزل في كونه مجرد نهاية لعصر الاستبداد، بل تأتي أيضًا متزامنة مع استئناف العمل في مشروع جر مياه نهر دجلة إلى محافظة الحسكة، الذي يصفه أهالي المنطقة بـ"المشروع الحلم". فبعد سنوات طويلة من التوقف والإهمال، يرى السكان في إحياء هذا المشروع علامةً على الانتقال من واقع الظلم والتهميش إلى أفق التنمية والعدالة.

الخلفية التاريخية للمشروع

تبلورت فكرة مشروع جر مياه نهر دجلة إلى أراضي محافظة الحسكة كأحد المشاريع التنموية الاستراتيجية في سوريا. حيث وُضع حجر الأساس له في آذار/مارس 2011 في منطقة عين ديوار التابعة للمالكية. وهدف المشروع إلى التخفيف من آثار الجفاف الذي ضرب المحافظة، وإرواء القرى والأراضي الزراعية، وإعادة إحياء نهر الخابور. وكان من المقرر أن يبدأ الاستثمار فيه عام 2015، لكن الأعمال توقفت بسبب ما أسمته السلطات آنذاك "الحرب الإرهابية على سوريا".

ويتألف المشروع من عدة مكونات رئيسية: محطة الضخ الرئيسية في عين ديوار على نهر دجلة، وتشمل مبنى رئيسيًا يحوي خمس كتل تفصل بينها فواصل تمدد، ويبلغ ارتفاعه الإجمالي 43 مترًا فوق الأساس (27 مترًا تحت منسوب الأرض الطبيعية). وتضم المحطة عشرين مضخة تبلغ غزارة كل منها 100 متر مكعب في الثانية، مع خمسة أنابيب دفع بقطر ثلاثة أمتار.

وتقدر الكلفة الإجمالية للمشروع بـ100 مليار ليرة. كما يشمل المشروع قناة عين ديوار المفتوحة بطول 29.8 كم وغزارة تتراوح بين 10 و100 متر مكعب في الثانية، ومحطة ضخ سد السفان بغزارة أربعة أمتار مكعب في الثانية. ثم يأتي نفق كراتشوك الذي يخترق جبل كراتشوك بطول 19.9 كم، يليه قناة صندوقية "أم" بطول 31.5 كم، وتليها قناتان مفتوحتان: "أم1" بطول 132.3 كم وتدفق 40 متر مكعب في الثانية، و"أم2" بطول 124 كم يبدأ تدفقها بـ65 متر مكعب في الثانية وينتهي بـ26 متر مكعب في الثانية. ويشمل المشروع أيضًا محطات ضخ على سدود الحسكة الغربي والجنوبي لإرواء أراضي مشروع الخابور القائم.

وشملت الإجراءات التحضيرية تنفيذ جدار مانع للرشح بطول 942 مترًا وعمق 16 مترًا، إضافة إلى المأخذ الرئيسي وحوض الترسيب. وكان المشروع يتبع الهيئة العامة للموارد المائية، وأُعدت دراساته من قبل الشركة العامة للدراسات المائية، وتم تدقيقها من قبل مكتب العبد الهادي الكويتي الذي أعد دراسة الجدوى بدعم من الصندوق الكويتي للإنماء الاقتصادي بقيمة 300 ألف دينار كويتي. وكانت الجهة المنفذة هي الشركة العامة للمشاريع المائية – فرع الحسكة، تحت إشراف مديرية الموارد المائية في الحسكة.

أما الأسباب الرسمية المعلنة للتوقف، فتم إرجاعها إلى الحرب التي اندلعت عام 2011، ما أدى إلى تعطيل الأعمال الإنشائية وتدمير أجزاء من البنية التحتية. بيد أن التحقيقات والتقارير تشير إلى أسباب أعمق تتعلق بالفساد المستشري في عهد النظام السابق، حيث سرقت اعتمادات المشروع وأبرمت صفقات مشبوهة مع شركات إيرانية وروسية، وحُوّلت أولويات التمويل نحو المجهود الحربي على حساب التنمية. وقد سلطت تقارير الضوء على تورط شبكات عابرة للحدود في غسيل الأموال، ما أثر سلبًا على تمويل المشاريع المائية. كما أسهم الفساد في قطاع المياه في إهدار موارد كبيرة لصالح المقربين من النظام.

ويؤكد مختصون هذا المنحى. فخبير الموارد المائية محمد الخالد يرى أن "التوقف لم يكن بسبب الحرب فقط، بل بسبب سوء الإدارة والفساد الذي أدى إلى سرقة الاعتمادات وإبرام صفقات غير شفافة مع دول مثل إيران وروسيا". ويضيف المهندس أحمد الجزيري أن "المشروع كان من الممكن إكماله لو لم تُحول الأموال إلى الجهد الحربي، ما يعكس سياسة التهميش المتعمد للمناطق الشرقية".

التهميش الخدمي المزمن للجزيرة 

لم يكن توقف مشروع جر مياه دجلة حادثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من التهميش الخدمي المزمن الذي طال الجزيرة السورية (محافظات الحسكة والرقة ودير الزور) على مدى عقود. فقد انتهج النظام منذ عهد حافظ الأسد سياسة مركزية حصرت الاستثمارات الكبرى في دمشق وحلب، تاركةً مناطق الشرق تعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والرعاية الصحية. ولم يكن هذا التهميش اقتصاديًا فحسب، بل سياسيًا أيضًا، نظرًا للتنوع العرقي للمنطقة (عرب، كرد، آشوريون) الذي اعتبره النظام مصدر تهديد محتمل.

وتكشف الإحصائيات حجم المعاناة. فبينما يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، ترتفع هذه النسبة في الجزيرة إلى 95%، مع بطالة تصل إلى 60%  بين الشباب. أما نقص المياه، فقد بلغ مستويات تنقص 40%  عما كان عليه قبل عام 2011، ما ساهم في تفشي أمراض مثل الكوليرا التي أصابت أكثر من 20 ألف شخص عام 2022. وفي الحسكة تحديدًا، وصل الجفاف إلى أسوأ مستوياته منذ عقود، ما أدى إلى انخفاض إنتاج القمح بنسبة 40% ، وأجبر آلاف الفلاحين على النزوح. كما أن الملايين في سوريا والعراق المجاور يواجهون نقصًا حادًا في المياه، مع تدمير ما يقارب 60% من البنية التحتية نتيجة الحرب والإهمال.

وتعكس شهادات الأهالي هذا الواقع بألم إنساني صريح. يقول ياسين، مزارع في ريف الحسكة (55 عامًا): "أكبر مشكلتنا هي المياه. الزراعة والماشية مصدر رزقنا الرئيسي، لكن الجفاف دمر كل شيء". ويذكر زكريا، الذي كان مراهقًا أثناء الجفاف الأول: "حوّل الجفاف الفلاحين الأثرياء إلى فقراء، ودفع الكثيرين للهجرة إلى المدن أو خارج البلاد". وتضيف أم محمد من الحسكة: "نضطر لتخزين المياه لأيام، والقطع المتكرر يجعل الحياة مستحيلة، خاصة في فصل الصيف". هذه الشهادات ليست مجرد قصص فردية، بل دليل ملموس على كيف أدى التهميش الممنهج إلى تفكك النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وزيادة معدلات الهجرة والبطالة.

اللحظة الراهنة: سقوط النظام وانبعاث الأمل

مع سقوط النظام انبعث الأمل من جديد في ربوع الجزيرة السورية. فقد مثل إسقاط النظام، الذي قادته قوى المعارضة بسرعة لافتة، نهاية لعصر الاستبداد وبداية لمرحلة إعادة البناء. وفي الحسكة، يربط الأهالي بين الذكرى الأولى لهذا اليوم وبين استئناف مشروع جر مياه دجلة، الذي يمثل في نظرهم رمزًا للعدالة والتعويض عن سنوات الإهمال. وقد أعلنت الحكومة الجديدة عن خطوات جادة لمكافحة الفساد الموروث، مع تركيز خاص على إصلاح قطاع المياه.

وتعبر آمال الأهالي عن تفاؤل حذر. يقول أبو علي، فلاح من المنطقة: "مع سقوط النظام، نأمل في عودة المياه لأراضينا، ما سيخلق فرص عمل ويثبتنا في أرضنا". أما آمنة، ربة أسرة، فترى أن "المشروع سيؤمن مياه الشرب والري لمائتي ألف هكتار جديدة، ما يعزز الإنتاج الزراعي ويحسن الاقتصاد". ووفقًا للمعطيات الفنية، يهدف المشروع إلى ضخ 1.25 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، الأمر الذي يدعم التنمية الشاملة ويزيد إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح، ويخلق فرص عمل جديدة تسهم في خفض معدلات البطالة.

لكن التحديات قائمة لا محالة. فمرحلة التعافي من آثار الحرب تحتاج إلى تمويل دولي ضخم، كما أن التوترات الإقليمية مع تركيا والعراق حول تقاسم حصص المياه تلوح في الأفق كعقبة محتملة. ويبقى خطر الفساد الموروث قائمًا، كما تحذر التقارير. رغم ذلك، يظل المشروع أكثر من مجرد بنية تحتية هيدروليكية؛ إنه رمز لسوريا جديدة تتطلع إلى تجاوز ماضي التهميش وبناء مستقبل أكثر إنصافًا وازدهارًا.

الكلمات المفتاحية

نادي بردى

نادي بردى يحل وصيفًا في بطولة الأندية العربية للشطرنج بعُمان ويتوج بثلاث ميداليات

احتلت بعثة نادي بردى المركز الثاني في منافسات الفرق ضمن بطولة الأندية العربية للشطرنج، التي استضافتها سلطنة عُمان مؤخرًا


سوريا الأولمبي

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا

ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله


وليد مارسيل أبي راشد

الاتحاد السوري لكرة السلة يوقع مع الخبير اللبناني وليد أبي راشد لقيادة تطوير الحكام

أعلن الاتحاد السوري لكرة السلة عن التعاقد مع الخبير الدولي اللبناني في التحكيم، وليد مارسيل أبي راشد، ليتولى منصب رئيس مكتب تطوير الحكام


محمد الفارس

من المتحف إلى الشارع.. لغز اختفاء بدلة أول رائد فضاء سوري

أثار اختفاء البدلة الفضائية التاريخية موجة من الاستياء والمطالبات الشعبية والرسمية بضرورة استعادتها وحماية الإرث الوطني

تعزيزات
أخبار

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد

لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تعزيزات
أخبار

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن

أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية


سوريا الأولمبي
منوعات

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا

ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

استنفار
قول

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية

تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة

الأكثر قراءة

1
أخبار

مظلوم عبدي يصل إلى دمشق للقاء الشرع وسط تصاعد المواجهات غرب الفرات وشرقه


2
أخبار

وسط تصاعد رقعة الاشتباكات بين الجيش و"قسد".. الإدارة الذاتية تدعو إلى النفير العام


3
أخبار

الجيش يسيطر على الطبقة ويتقدّم نحو الرقة وسط تصاعد الاشتباكات في دير الزور


4
أخبار

الرقة ودير الزور: تطورات ميدانية متسارعة وتغيّر في خرائط السيطرة


5
أخبار

السلطات الألمانية توقف شابين "مُتطرفين" قبل سفرهما إلى سوريا


advert