مشهد سوري جديد: التحول نحو المعسكر الغربي.. الإمكانيات والحدود
8 ديسمبر 2025
بينما يتابع السوريون كثافة الحديث الدولي عن "سوريا الجديدة"، تظهر داخل الأوساط السياسية قراءات متباينة حول الطريق الذي يجب أن تسلكه البلاد لتحقيق انتقال فعلي، فهناك من يرى أولوية الإصلاح الداخلي وبناء دولة مؤسسات قبل أي إعادة تموضع خارجي، في مقابل من يعتبر أن كسر العزلة الدولية والتحوّل في السياسة الخارجية هو المدخل الضروري لإنقاذ الاقتصاد وإطلاق الإصلاح الداخلي. في هذا السياق، تبرز رؤيتان لافتتان لمسار سوريا المقبل يقدّمهما الناشطان السياسيان حسين الشبلي وأدهم جمال، تعكسان اختلافًا عميقًا في فهم طبيعة المرحلة وشروط تغيّرها.
يرى الناشط السياسي حسين الشبلي أن التحديات التي تواجه سوريا لا تبدأ من التموضع السياسي الدولي، بل من الأساس الداخلي للدولة نفسها. فبرأيه، لا معنى للانتقال من المعسكر الشرقي إلى الغربي ما لم يكن ذلك جزءًا من عملية تحول بنيوي نحو دولة ديمقراطية حديثة، تستمد شرعيتها من الشعب باعتباره مصدر السلطات.
ويذهب الشبلي إلى أن مجرد التقارب مع القوى الغربية لا يجلب الازدهار تلقائيًا، مستشهدًا بالفوارق بين تجارب ناجحة مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، وأخرى متعثرة كأفغانستان والعراق. فالنجاح ـ كما يقول ــ مرهون بوجود مؤسسات حقيقية لا تخضع لسلطة الفرد أو للعصبيات التقليدية. ومن هنا يدعو إلى الانتقال من "عقل الشرق"، الذي يقوم على الحكم الشخصي، إلى "عقل الغرب" القائم على القانون والمؤسسات.
هناك من يرى أولوية الإصلاح الداخلي وبناء دولة مؤسسات قبل أي إعادة تموضع خارجي، في مقابل من يعتبر أن كسر العزلة الدولية والتحوّل في السياسة الخارجية هو المدخل الضروري لإنقاذ الاقتصاد وإطلاق الإصلاح الداخلي
أما في ما يتعلق بالموقف الدولي، فيشير الشبلي إلى أن الغرب لم يبلور مشروعًا متكاملًا لسوريا، بل ركّز على هدف واحد: إخراج إيران من المعادلة السورية وقطع الطريق بين طهران وبيروت. وكل ما عدا ذلك، وفق رؤيته، لا يزال غير واضح. بل إن الدور السياسي والعسكري لسوريا الجديدة يبدو ــ حتى الآن ــ مرتبطًا بالصراع الأميركي الإسرائيلي مع طهران، وهو ما تؤكده تصريحات شخصيات غربية تحدثت عن دور محتمل للقوات السورية في مواجهة نفوذ الحرس الثوري.
ويضيف الشبلي أن السوريين لم يلمسوا أي تحسّن ملموس في معيشتهم رغم الحديث عن تقارب مع الغرب، كما أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، مما يجعل الشارع السوري يشعر بأنه يسمع الكثير عن التحوّل الجيوسياسي، لكنه لا يرى نتائجه.
في المقابل، يقدم الناشط السياسي أدهم جمال رؤية مختلفة، إذ يرى أن التحوّل السياسي الخارجي هو المدخل الأساسي لأي عملية إصلاح داخلية. فبرأيه، لا يمكن لسوريا بناء مؤسسات قوية أو تحقيق انتعاش اقتصادي ما لم تخرج من حالة العزلة الدولية وما لم تُعد تموضعها ضمن تحالفات تسمح بإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
ويعتبر جمال أن الارتباط الوثيق بمحور الشرق (وخصوصا إيران) أدى إلى انغلاق سياسي واقتصادي خانق، جعل سوريا غير قادرة على الوصول إلى موارد التمويل العالمية ولا إلى منظومات التنمية الدولية، ولذلك فإن الانتقال نحو المعسكر الغربي، أو على الأقل تبني سياسة خارجية أكثر توازنًا، هو خطوة لا بدّ منها لفتح الأبواب المغلقة.
ويخالف جمال الشبلي في نقطة غياب المشروع الغربي، مؤكدًا أن الدول الغربية وإن لم تعلن خطة كاملة، إلا أنها تمتلك رغبة واضحة في إعادة الاستقرار إلى سوريا بشرط قيام السلطة الجديدة بضبط السلاح غير الشرعي، وتبنّي سياسات إقليمية لا تشكل تهديدًا لجيرانها، ومن هذا المنطلق، يرى جمال أن التغيير الخارجي هو الشرط الضروري، وإن لم يكن كافيًا وحده، لبدء إصلاح داخلي فعلي.
تكشف تصريحات الشبلي وجمال عن جوهر الانقسام في تقييم مسار التحوّل الذي يُطرح اليوم حول توجّه سوريا نحو المعسكر الغربي. فالأول يربط أي تغيير خارجي بوجود بنية مؤسساتية حديثة قادرة على ضمان انتقال ديمقراطي حقيقي، بينما يرى الثاني أن الإصلاح الداخلي سيظل معطّلًا ما لم تُكسر العزلة الدولية ويُعاد فتح بوابات الاستثمار والإعمار، وبين هاتين الرؤيتين، يبقى المشهد السوري معلّقًا بين وعود سياسية واقتصادية لم تُختبر بعد، وانتظارات شعبية تبحث عن مؤشرات ملموسة على الأرض. ومع استمرار الغموض حول حدود هذا التحوّل ونتائجه، يبدو أن مستقبل "سوريا الجديدة" سيُرسم عند نقطة التوازن بين الداخل والخارج، حيث تُصبح قدرة الدولة على بناء مؤسسات فاعلة بقدر أهمّية تموضعها في النظام الدولي.
الكلمات المفتاحية

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟
عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية

"خارطة الطريق" وخيارات السويداء بعد طي ملف "قسد"
أسهمت العمليات العسكرية في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


