مصابو الحرب وصناعة الأمل
23 سبتمبر 2025
كان يجلس خلف بسطته الصغيرة تلك التي يعتاش منها. طارق السلمان، البائع ذو الساق المبتورة والعصا الخشبية التي يتكئ عليها، كما يتكئ الجريحُ على جرحه:
ـ "إنها قدمي"، قال طارق مشيرًا للعصا الخشبية، وأردف بصوتٍ يشوبه ألم الفقد: "قدمي التي فقدتها إبان القصف الأسدي على مدينة حلب". يضيف طارق: "كنت أمام خيارين، إما أن أستسلم لليأس والتسول، أو أن أبدأ من جديد. جمع أصدقائي لي مبلغًا لا بأس به من المال ساعدني على الوقوف مرةً أخرى في وجه الموت.
لم أفكر كثيرًا. اشتريت هذا "الكشك وشرعت في العمل بائعًا للأدوات المستعملة".
ابتسم بصفاءٍ وأردف: "الحياة دائمًا تمنحنا فرصًا أخرى للنجاة. أنا لم أفقد قدمي فقط، بل فقدت مقعدي في الجامعة وبيتي وها أنا ذا أحارب من جديد".
لم يكن طارق وحيدًا في فقده. كثير من السوريين كانت الحرب قد نالت شيئًا من أجسادهم، فمنهم من فقد عينيه ومنهم من فقد يدًا أو قدمًا ومنهم من يعيش تحت رحمة عجزٍ مستديم منتظرًا الأمل.
ليست الحرب حدثًا عابرًا في الذاكرة السورية؛ إنها جرح ممتدّ في الجسد والروح، تفتّق في البيوت والشوارع، وتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
لكنّ أكثر من تجرّع مرارتها هم أولئك الذين حملوا بصمت أجسادهم المثخنة بالكسور والبتر، العائدون من ميادين الموت بعجز جسدي يرافقهم ما تبقّى من أعمارهم.
جرحى الحرب، ممن فقدوا أطرافهم أو تضررت حواسهم، يقفون اليوم في مواجهة امتحان آخر، أشد قسوة من المعارك: امتحان العيش بكرامة وسط وطن يرزح تحت الفقر والبطالة وضيق الحال.
أن يقفد الإنسان طرفًا من أطرافه هو ليس مجرد خسارة عضو، بل هو اقتلاع جزء من الذات، واجتثاث قطعة من الروح، فالإصابات الجسدية تحمل معها صدمات نفسية موازية لذلك الفقد، قد تكون أشد وطأة من الألم الجسدي نفسه. فالجسد المبتور قد يُستبدل بطرف صناعي، أما الروح الجريحة فلا يُرمّمها إلا الإحساس بالانتماء والجدوى، والإيمان بأن للحياة بعد الحرب معنى آخر غير البقاء فقط.
لكن كيف يمكن ترميم هذه النفوس؟ كيف يمكن لسوريٍّ فقد ساقه أو ذراعه أن ينهض مجددًا في وطنٍ تكدّست فيه الجراح؟
أول الطريق يبدأ بالاعتراف. الاعتراف بأن هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير، ولا صورًا عابرة على شاشات التلفاز، بل بشر لهم أحلامهم التي باتت مهددة أو شبه معدومة، لهم الحق في أن يعيشوا كغيرهم، كغيرهم تمامًا غير منقوصين أو مهددين بالعجز والإشفاق. وهنا يكمن دور الدولة، والمجتمع، والمؤسسات الأهلية إذ يقع على عاتقهم أن يتعاملوا مع قضية الجرحى بوصفها قضية حياة لا إحسان. فالدعم النفسي ضرورة لا تقل عن الدعم الجسدي. جلسات العلاج، مراكز إعادة التأهيل، برامج مرافقة لإعادة دمج المصابين في الحياة الاجتماعية والعملية، كلها وسائل تُعيد بناء الإنسان من الداخل قبل أن توفر له عكازًا أو طرفًا صناعيًا يتكئ عليه فيما تبقى له من مشوار حياته.
وفي موازاة العلاج، ثمّة دور حيوي وأولوي للمشاريع الصغيرة. يقول الناشط في حقوق الإنسان فراس المتني: "إن تمكين الجرحى من إطلاق مبادرات عمل فردية أو جماعية، هو في حد ذاته صناعة أمل. رجل فقد ساقه يمكن أن يصبح صاحب متجر صغير، أو ورشة إصلاح، أو مشروع زراعي بسيط. امرأة أصابتها شظية قد تُحوّل مهارتها في الخياطة أو الطهو إلى مصدر رزق. هنا تكمن القيمة الحقيقية؛ أن يتحوّل الجرح إلى طاقة عمل، والخذلان إلى دافع للإنجاز".
لكن التحدي كبير. فإذا كان الجميع يعجز اليوم عن تأمين قوت يومه في ظل البطالة المستفحلة والغلاء المتصاعد، فكيف بإنسان يقيّده العجز الجسدي؟ لهذا، لابد من تدخل منظم ومدروس.
لا يكفي أن يُمنح الجريح طرفًا صناعيًا، بل يجب أن يُمنح فرصة، تدريبًا مكثفًا ومجانيًا، ورشةً صغيرة أو قرضًا ميسّرًا ليؤسس مشروعه. تلك ليست منّة، بل استثمار في الإنسان نفسه.
إن المجتمع السوري، المنهك اقتصاديًا ونفسيًا، بحاجة إلى أن يتذكّر أن الجرحى ليسوا عبئًا، بل يمكن أن يكونوا طاقة إذا لاقوا الدعم الذي يؤهلهم، ليكونوا فاعلين في المجتمع لا مجرد ضحايا.
ويكون ذلك عن طريق دمجهم في برامج تدريبية عبر الجمعيات المدنية، بحيث يتعلمون مهنًا متلائمة مع ظروفهم. كالبرمجة أو التصميم، أو بعض الحرف اليدوية التي لا تتطلب جهدًا جسديًا شاقًا. ومع وجود الإنترنت اليوم، يمكن للكثير منهم أن يعملوا عن بُعد ويحققوا دخلًا يقيهم فخ العوز.
وفي الريف، يمكن أن تتحول مساحات صغيرة من الأرض إلى مصدر عيش كريم، إذا ما زُوّد الجرحى بالمعدات والبذور والقروض. بل إن مشاريع تعاونية بين مجموعة من المصابين قد تُنتج مردودًا أكبر وتخفف عنهم شعورهم بالعزلة.
غير أن ما يعزز الأمل أكثر من أي شيء آخر، هو التضامن المجتمعي. حين يتضامن الناس معهم ويشترون منتجاتهم، حين يرفعون أصواتهم من أجل أن ينالوا حقوقهم ليس كجرحى حرب بل كأناسٍ طبيعيين قادرين على البناء والمساهمة في التنمية.
هذا البعد الإنساني يوازي أي دعم مادي. فالمصاب الذي يشعر أنه منسيّ سيغرق في هوة الإحباط، أما الذي يرى المجتمع من حوله يؤمن به، فإنه يستمد قوة عظيمة لمواجهة عجزه.
إن صناعة الأمل ليست شعارًا عاطفيًا، بل مشروع حياة. قد تكون الخطوات بطيئة، لكنها ممكنة. البداية من إصغاء صادق إلى آلام الجرحى، ثم تحويل هذا الإصغاء إلى خطط عملية: (ورش عمل، قروض صغيرة، مراكز دعم نفسي، مبادرات أهلية). والأهم: الإيمان بأن الحرب مهما أخذت، فإنها لن تنتصر على إرادة الإنسان.
لقد تعلّم السوريون في سنوات الحرب أن البقاء نفسه معجزة. أما الآن، فإن التحدي الحقيقي هو أن يتحول البقاء إلى حياة تستحق أن تُعاش. والجرحى هم الشاهد الأكثر وضوحًا على قسوة الحرب، لكنهم أيضًا يمكن أن يكونوا رمزًا لصمودٍ جديد، إذا ما أُتيح لهم أن يصنعوا أملهم بأيديهم.
يقول فراس المتني: "من حق كل جريح أن يحلم، أن يخطط، أن يعيل أسرته، أن ينظر إلى المستقبل دون أن يستجدي الشفقة. ومن واجب المجتمع أن يسانده في هذه الرحلة، لأن كرامة الإنسان لا تتجزأ فإما أن نحيا جميعًا بكرامة، أو نغرق جميعًا في مرارة الفقد".
وهكذا، فإن جرحى الحرب ليسوا فقط أبناء خسارة، بل أبناء رجاء أيضًا. الجسد قد يخون، لكن الروح قادرة على اختراع طرق جديدة للحياة. وبين الركام، يولد الأمل، لا كترفٍ أو وهم، بل كضرورة للبقاء. وفي النهاية، ربما تكون أعمق هزائم الحرب هي تلك التي لا تُرى في نفوس العاجزين والمنسيين. وإذا استطعنا أن نعيد لهم الثقة والقدرة على العمل، فإننا نعلن انتصارًا صغيرًا، لكنه انتصار بحجم وطنٍ بأكمله.
الكلمات المفتاحية

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية
أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية
انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها

"هيومن رايتس ووتش": الحكومة السورية تجعل العدالة أولوية لكن جهودها انتقائية وتفتقر للشفافية
أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في "التقرير العالمي 2026" بأن الحكومة السورية اتخذت خطوات أولية في عام 2025 لتعزيز العدالة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


