معارضة غائبة وسلطة حاضرة
20 يوليو 2026
بعد أعوام طويلة من انهيار السياسة في سوريا، لا تبدو المشكلة اليوم في صعود سلطة جديدة بقدر ما تبدو في غياب معارضة جديدة، أي بخلق بنية وبيئة سياسية، لا بالاكتفاء بالتنظير لغيابها. فالنظام الذي يتكرّس حول أحمد الشرع لا يواجه، في ما يظهر حتى الآن، خصمًا سياسيًا حقيقيًا، بل يواجه بقايا صيغ قديمة، وجماعات تتكلم لغة استهلكها الخراب، وتعيد تقديم نفسها بوصفها بديلًا، فيما هي مجرد ظواهر صوتية تمثل استمرارًا من نوع آخر لما تدّعي مناهضته.
ليس المقصود هنا إنكار ما في السلطة الجديدة من نزعات إقصاء وتفرد ومصادرة، ولا تجاهل ما يحيط بها من شخصنة وتمركز، بل يمكن القول إن نظام الشرع اغتال الحياة السياسية في سوريا بعد سقوط النظام، وذلك عبر حلّ الأحزاب والتجمعات والكيانات الثورية والسياسية بقرار عموديّ من الأعلى إلى الأسفل. بالإضافة إلى استناد شرعيته جزئيًا إلى تمثيل مفترض لأكثرية مذهبية، وبقدر أكبر إلى صورة "المحرِّر".
هذه مسائل جديرة بالنقد الجدي. لكن المعضلة أن كثيرًا من خصوم السلطة لا ينتقدون هذا المنطق من خارجه، بل من داخله. يعترضون على تسييس الأكثرية المذهبية، ثم يردّون عليها بتسييس الأقليات المذهبية. وبذلك لا تنكسر الحلقة، بل تدور على نفسها، مع تبديل المواقع فقط. ثمة ردّة إلى ما هو قبل وطني، وعودة إلى اصطفافات باسم الدين والقبيلة والطائفة والمنطقة.
ما لم تتشكل في سوريا معارضة تتكلم لغة هذا الزمن، وقريبة ومقنعة للناس، فقد يجد السوريون أنفسهم بعد عشرين سنة أمام المشهد نفسه، مع أسماء جديدة فقط
كان يفترض، بعد كل ما جرى، أن يكون الدرس السوري قاسيًا بما يكفي لإنتاج لغة أخرى: لغة مواطنين لا طوائف، حقوق لا حصص، دولة لا غلبة. لكن ما يظهر في كثير من الأحيان هو عودة إلى القاموس ذاته الذي ساهم في تمزيق البلاد. الأكثرية في جهة، والأقليات في جهة مقابلة، كأن السوريين محكومون أبدًا بأن يُعرّفوا أنفسهم بوصفهم جماعات خائفة، لا أفرادًا أحرارًا وشركاء في المجال العام.
في هذا السياق، يجري بناء سياسة كاملة على المظلومية. ومظلومية السوريين، بمختلف جهاتهم وانتماءاتهم، حقيقية وعميقة ولا تحتاج إلى إثبات. جرائم الأسد، ثم مجازر الساحل والسويداء، كلها جراح مفتوحة، لكن المظلومية، مهما بلغت عدالتها الأخلاقية، ليست مشروعًا سياسيًا بذاتها. الألم يطالب بالإنصاف، لكنه لا يقدّم برنامج حكم. والذاكرة الجريحة قد تصنع احتجاجًا أو اعتراضًا مشروعًا، لكنها لا تبني دولة، ولا تصنع معارضة.
يغيب الفعل السياسي بوصفه ممارسة لا خطابًا، فكثير مما يُقدَّم اليوم كمعارضة لا يتجاوز إنتاج مواقف، أو إعادة تدوير سرديات، أو تسجيل اعتراضات أخلاقية أو حتى كيديّة لا تتحول إلى أشكال تنظيم أو ضغط أو تمثيل. كأن السياسة تُختزل في قول ما يجب أن يكون، لا في بناء ما يمكن أن يكون. وبين القول والفعل، تتسع فجوة تُملأ بالكلام لا بالعمل.
كأننا أمام فراغ سياسي لا تعود فيه السلطة بحاجة إلى إقصاء خصومها بقدر ما يكفي أن يظلوا على هذا النحو: أفرادًا بلا أطر، أصواتًا بلا تنظيم، ومواقف بلا أدوات. فالمشكلة لا تعود فقط في ضيق المجال السياسي، بل في غياب من يحاول توسيعه فعليًا. وهكذا تتحول المعارضة، من حيث لا تقصد، إلى جزء من استقرار الوضع القائم، لا إلى قوة تزعزعه.
وإلى جانب هذا كله يظهر عجز ديمقراطي فادح. فإلى الآن، لم تستطع القوى المدنية والديمقراطية، على ضعف مواردها وصعوبة شروطها، أن تنتج إطارًا واسعًا واحدًا، متماسكًا بما يكفي، يضع هدف الدولة المدنية الديمقراطية في المقدمة، ثم يترك ما عداه لخلاف السياسة الطبيعي. بقيت هذه القوى موزعة بين حساسيات شخصية وطائفية، وخلافات نخب، وميراث انقسامات لا ينتهي. والأشد قسوة أن الأكثر أهلية أخلاقيًا، إن صح التعبير، قد يكونون الأقل أهلية تنظيميًا.
المظلومية، مهما بلغت عدالتها الأخلاقية، ليست مشروعًا سياسيًا بذاتها. والذاكرة الجريحة قد تصنع احتجاجًا أو اعتراضًا مشروعًا، لكنها لا تبني دولة، ولا تصنع معارضة
ويظهر وجه آخر لهذا العجز في تصور السياسة نفسها. فكثير مما يُقدَّم اليوم بوصفه معارضة لا يتجاوز صخبًا متقطعًا على وسائل التواصل، أو شكوى دائمة من احتكار السلطة للمجال العام. وهي شكوى صحيحة في أصلها، لكنها تتحول إلى ذريعة حين تُستعمل تفسيرًا كافيًا للعجز، والحال أن العمل السياسي، في معناه الأعمق، يبدأ حين تُنتزع المساحات ولا تُوهب، وحين يُبنى المجتمع السياسي داخل الشروط المعاكسة لا بعد زوالها. كأن بعضهم ينتظر من أحمد الشرع أن يفتح باب السياسة، ليبدأوا هم معارضته من الداخل.
في المقابل، تقف السلطة الجديدة مستفيدةً من عناصر قوة يصعب تجاهلها: خطاب ديني وسياسي قادر على التعبئة، بنية تنظيمية أكثر صلابة، قوة عسكرية راكمتها السنوات، صورة المنتصر على طاغية لا شيء يشبه إجرامه في عقول السوريين، الاستقرار بعد زمن الفوضى، وقبول إقليمي ودولي واسع نسبيًا، أو على الأقل استعداد للتعامل معها بوصفها واقعًا قائمًا. وفي السياسة، كثيرًا ما يكفي أن تكون الأمر الواقع كي تربح وقتًا طويلًا.
ليست السلطة وحدها من يصنع المستقبل، بل خصومها أيضًا. وإذا كان خصومها بهذا القدر من التشتت، وبمثل هذا الفقر السياسي، فلا غرابة أن يطول عمرها. فالأنظمة لا تعيش بقوتها فقط، بل بعجز البدائل عن أن تصبح بدائل. وما لم تتشكل في سوريا معارضة تتكلم لغة هذا الزمن، وقريبة ومقنعة للناس، فقد يجد السوريون أنفسهم بعد عشرين سنة أمام المشهد نفسه، مع أسماء جديدة فقط.
الكلمات المفتاحية
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره