معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
13 يناير 2026
من غير المجدي أن يبحث المرء عن الأخيار والأشرار بين الفاعلين السياسيين على الساحة السورية. ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، ضبط بوصلة الصواب السياسي على "تردد" فريق محدد دون آخر. وسيكون ضربًا من الهبل أو الاستهبال أن ينخرط أحدنا في التصفيق لمشروع سياسي زاعمًا أنه هو الذي سيوصلنا إلى بر الأمان.
والواقع، وللأسف الشديد، فإن المشاريع "السياسية" المطروحة في سوريا اليوم تتنافس في طرد السياسة من حياتنا العامة، وإذا كان الإغريق قد عرّفوا السياسة على زمنهم (وهو تعريف يصلح لكل الأزمان) بأنها "فن إخراج الحرب من المدينة"، فإن ما يفعله السوريون الفاعلون هو عكس ذلك تمامًا: "فن إخراج السياسة من المدينة". وعندما ينجح البشر في إخراج الحرب من "مدينتهم" فإنهم يفتحون أبوابها للسياسة بكل معانيها: التفاوض، الأخذ والعطاء، التنازلات المتبادلة، اعتماد الممكن والمتاح والأسلم والأقل ضررًا، النظر إلى المستقبل لا إلى الماضي، تغليب إمكانية العيش المشترك المستدام على ثارات الأمس ومظلومياتيه وجراحه التي لا تنتهي.
أما إذا فعلوا خلاف ذلك، فطردوا السياسة خارجًا، فما الذي يحل في "المدينة" سوى حرب الجميع ضد الجميع التي نشهد نسختنا السورية منها الآن؟
خاضت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية مفاوضات متقطعة ومتعددة الجولات، منذ توقيع اتفاق العاشر من آذار/ مارس. وقد أمل كثير من السوريين أن يكون هذا هو نموذج سوريا الجديدة: حل المشكلات المزمنة العالقة منذ عقود بالتفاوض والحوار والتفاهمات المتدرجة. غير أن ما تكشف أخيرًا أن المفاوضات كانت عند الطرفين أقرب إلى سد الذرائع وكسب الوقت، وأنهما كانا يفعلان كل شيء لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم: تجدد الحرب.
وسوف يُتهم بالإغراق في التنظير من يلجأ إلى تفسير هذا الإخفاق بـ "الأسباب الكبرى"، غير أن الجري، بالمقابل، وراء تفاصيل الاتهامات الجزئية المتبادلة بين فريقي التفاوض، سوف يقود إلى نتيجة عبثية.
لقد طرد نظام الأسد السياسة من البلاد برمتها، وأعدم العقل السياسي، مقيمًا دولته على منطق الغلبة وسحق الخصوم وإلى الأبد، وكان متوقعًا أن يكون هذا أول الدروس المستفادة بعد سقوطه: أن نعيد الاعتبار للعقل السياسي، أن نعود جميعًا إلى السياسة في إدارة حياتنا الجديدة. غير أن ما حدث هو أن الحكومة وخصومها الأساسيين تسابقوا إلى التشبث بمنطق الغلبة والطلبات القصوى، وبمعادلة كل شيء أو لا شيء. وبالتالي فإذا كان من فريق رابح أصلًا بعد كل هذه النيران والدماء، فإن الخاسر الأكبر هو المشروع الوطني السوري.
في الأمس اندلعت مواجهات دامية في مدينة حلب، ولقد استطاعت الحكومة بسط السيطرة على الأحياء الكردية على حساب "قسد" التي صارت خارج المدينة. ربحت الحكومة أرضًا جديدة، ولكن قلة من السوريين يعتقدون أنها تقدمت خطوة واحدة نحو مشروع بناء الدولة الوطنية الذي تنسبه إلى نفسها. على العكس يرى كثيرون أن القطيعة مع المكون الكردي تعمقت، وأن "قسد"، التي خسرت مواقع جغرافية، كسبت بالمقابل مزيدًا من الشعبية داخل هذا المكون السوري، ما يرجح توجهها إلى مزيد من التشدد مستقبلًا.
واليوم تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، وقد تنتصر الحكومة، وقد تنتصر قوات سوريا الديمقراطية، غير أن المؤكد أن هذا النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون من ذلك النوع الجلاب لسلام دائم ومستدام في البلاد، كما لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة، ذلك أن مشروع الدولة الوطنية يحتاج إلى خلاف ما تفضي إليه هذه المعارك تمامًا. يحتاج إيمانًا بوجود المصلحة المشتركة وبأن الجميع رابح، لا غالب ولا مغلوب، وبأن تضميد جراح الماضي ممكن والخروج من أسر المظلوميات متاح ولو بعد حين. والأهم: أن الجميع مدعوون للانخراط طوعًا في هذا المشروع.
في سياق تقرير صحفي، رأى باحث سياسي في حديثه لـ "الترا سوريا" وجود تشابه في الأثر بين هجوم الحكومة على أحياء حلب الكردية، وهجومها السابق على بلدتي جرمانا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق. فقد نجمت عن كلتا المعركتين قطيعة بين الحكومة ومكون من مكونات المجتمع السوري.
وكلنا يعرف كيف تشارك الهجري وحكومة دمشق في إبعاد السويداء عن الدولة السورية حتى إشعار آخر، وكيف تشارك "الفلول" وحكومة دمشق في جر الساحل إلى أحداث دموية تبدو بلا نهاية قريبة.
وكان الأجدر بالحكومة وأنصارها أن يستفيدوا من هذين الدرسين في التعامل مع مشكلة أحياء حلب الكردية، لا بتقليل عدد الانتهاكات ولا بمنع تصويرها، بل بالعزوف عن الخيار العسكري برمته.
واليوم نقف أمام الاختبار من جديد، ويبدو أن الإجابة سوف تكون نفسها: الحرب.
الكلمات المفتاحية

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية
التعميم الصادر عن المديرية العامة للمصالح العقارية في 14/1/2026 قُرئ سريعًا بوصفه خلافًا تقنيًا حول نوع الوكالة المقبولة أمام السجل العقاري

ملف "قسد": الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة
ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن "اندماج تدريجي" إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة

"السياحة المسؤولة".. وحراس الأخلاق والفضيلة
فتح قرار البلدية الباب أمام كثير من الأسئلة من قبيل من هي الجهة التي تملك حق تحديد وتعريف "التصرف المخل بالآداب"؟

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


