"ملف دمشق".. الأدلة موجودة فهل ستبقى العدالة غائبة؟
14 ديسمبر 2025
في تطوّر غير مسبوق في توثيق الانتهاكات داخل سوريا، وصلت إلى مؤسسات صحافية دولية مجموعة ضخمة تضم أكثر من 33 ألف صورة عالية الدقّة، تكشف – بوضوح صادم – مصير آلاف المعتقلين الذين قضوا في الأقبية الأمنية التابعة لنظام بشار الأسد. وتمثّل هذه المواد، المُسربة ضمن تحقيق “ملفات دمشق”، الامتداد الأوسع لما عُرف سابقًا بصور “قيصر”، إلا أنها تفتح نطاقًا أكبر بكثير من حيث حجم عمليات القتل والتعذيب، وتوثّق استمرارها حتى السنوات الأخيرة من حكم الأسد.
وتُظهر الصور جثث معتقلين جرى تجريدهم من هوياتهم وتحويلهم إلى أرقام مثبتة على بطاقات أو مكتوبة مباشرة على أجسادهم، في مشهد يختزل منهجية باردة وخالية من الإنسانية. وهذا التوثيق يكشف بدقّة ما كان يدور داخل المعتقلات السورية: أجساد هزيلة تحمل آثار التجويع، كدمات على الرأس والرقبة والصدر، علامات واضحة لأدوات التقييد، وجثث مكدّسة داخل غرف ضيقة أو موضوعة فوق أسطح معدنية في مستشفيات عسكرية تتبع للأجهزة الأمنية.
وتستند المواد المسربة إلى أكثر من 134 ألف وثيقة حصلت عليها هيئة البث الألمانية NDR، وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) وعدد من المؤسسات الإعلامية حول العالم. أمّا الضابط الذي سرّب هذه الملفات، وهو رئيس وحدة “حفظ الأدلة” في الشرطة العسكرية بدمشق بين عامي 2020 و2024، فقد أوضح أن الدافع وراء تسريبه لهذه المواد هو شعوره بأن “ثمة عائلات تحتاج أن تعرف أين اختفى أبناؤها”.
منظومة قتل مؤسسية
يكشف التحقيق أن عملية التوثيق لم تكن عملاً فرديًا أو طارئًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من البنية الإدارية للأجهزة الأمنية. فبعد وفاة المعتقل، كان يُنقل إلى غرفة تصوير داخل مستشفى عسكري، حيث يُسجَّل رقمه وتُلتقط له صور من عدّة زوايا، ثم تُرسل الملفات إلى المحاكم العسكرية التي تصدر شهادة وفاة بعبارات فضفاضة مثل “توقف قلب تنفسي”، بما يمنح منظومة الأمن حصانة كاملة.
يكشف التحقيق أن عملية التوثيق لم تكن عملاً فرديًا أو طارئًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من البنية الإدارية للأجهزة الأمنية
وأظهر تحليل عيّنة من 540 صورة أن نحو ثلاثة أرباع الضحايا بدت عليهم علامات التجويع، وأن أكثر من نصفهم تعرّضوا لإصابات مباشرة في الرأس والوجه. كما تضمّنت بعض الصور أسماء، وتمكّن الصحافيون من استخراج 320 اسمًا على الأقل، بينما بقيت الأغلبية مجهولة.
ومن “قيصر” إلى “ملفات دمشق”، تكشف الفجوة الزمنية الممتدة لأحد عشر عامًا حجم القتل الصامت. فهذه الصور الجديدة تأتي لتغطّي الفترة التي لم تشملها صور “قيصر” السابقة (2011–2013)، إذ يمتد التوثيق الجديد حتى عام 2024، ما يعني أن آلة القتل لم تتوقف طوال أحد عشر عامًا، بل واصلت عملها بإجراءات موحّدة وبنية بيروقراطية ثابتة.
وقد أسهمت صور “قيصر” السابقة في أول محاكمة دولية لضباط من النظام السوري في ألمانيا عام 2020، وأدت إلى إصدار قانون قيصر في الولايات المتحدة. أما الدفعة الجديدة من الصور، فستكون – وفق التحقيق – جزءًا من الملفات التي تدرسها جهات قضائية أوروبية وسورية مستقلة، تمهيدًا لإجراءات محاسبة جديدة.
تعاون أمني خارجي.. الصين وإيران داخل غرف المراقبة
يكشف جزء آخر من “ملفات دمشق” عن جانب غير مرئي في منظومة القمع، وهو البنية التقنية التي مكّنت الأجهزة الأمنية من تعقّب المعارضين ورصد تحركاتهم بدقّة. وتُظهر الوثائق أن أجهزة الأمن تلقّت تدريبات متقدمة من الصين وإيران على تقنيات تتبع الاتصالات، من بينها أجهزة الـIMSI Catcher المعروفة باسم “الراشدة”. وتعمل هذه الأجهزة على انتحال صفة برج اتصالات، ما يسمح بالتقاط بيانات الهاتف، وتحديد موقع صاحبه، واعتراض مكالماته ورسائله. ورغم أن هذه التقنيات تُستخدم عالميًا لمكافحة الجريمة المنظمة أو الإرهاب، إلا أنها استُخدمت في سوريا لملاحقة الصحافيين والنشطاء ورصد شبكاتهم.
وتبرز قصة اعتقال الصحافية الشابة حنين عمران مثالًا واضحًا على هذا الاستخدام، فقد جرى تعقّب هاتفها بدقة داخل دمشق، وتم تحديد موقعها لحظة بلحظة، قبل أن تُعتقل من داخل مركز للنت، وتُنقل مباشرة إلى فرع المخابرات الجوية. وهناك، جرى تعذيبها، قبل أن تُنقل في أوضاع صحية متدهورة إلى أحد المستشفيات، في مسار يعكس كيف اندمجت التكنولوجيا مع العمل الأمني لتضييق الخناق على الأصوات المستقلة.
بنية أمنية معقّدة.. وشبكات تعاون تمتد لعقود
التسريب لا يقتصر على الصور، بل يشمل مئات آلاف الوثائق التي تغطي الفترة بين 1994 و2024، وتتضمن مذكرات أمنية وتقارير مراقبة ومراسلات داخلية بين الفروع الاستخباراتية، إضافة إلى تنسيق مباشر مع روسيا وإيران، واتصالات مع منظمات دولية تعمل داخل سوريا.
الأهالي في مواجهة صمت المؤسسات
إن معاناة الأهالي الذين ما زالوا يبحثون عن مصير أبنائهم تُعدّ إحدى أكثر الجوانب المظلمة التي تكشفها هذه القضية، ليس فقط لأنها تُعيد فتح جروح شخصية عميقة، بل لأنها تُظهر الفجوة الواسعة بين ما يُعلن رسميًا وما يحدث فعليًا على الأرض. فآلاف الأسر تبحث عن إجابة واحدة: أين أبناؤنا؟ ومع ذلك، يواجه هؤلاء الأهالي الرد ذاته في كل مرة: "لا يوجد شيء جديد"، في تجاهل كامل للحقيقة التي باتت موثقة بالصور والملفات والتقارير.
المحامي أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، أعلن بشكل صريح أنه "تم تسليم الوثائق من قبل الضابط السوري المنشق إلى السلطات السورية منذ نحو 6 أشهر، وحصلوا على الصور وقوائم الأسماء، وكان بإمكانهم حسم مصير الكثيرين من الذين ما زالت مصائرهم معلقة". وفي المقابل، تظهر تصريحات مسؤولين في هيئة التعافي أو المؤسسات ذات الصلة وهي تنفي امتلاكها لأي بيانات، أو تدّعي أن ما وصلها «غير مستكمل» أو «قيد المراجعة»، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين هذه المؤسسات ومعايير التنسيق والشفافية بينها، ولماذا تتضارب مواقفها إلى هذا الحد بينما تتعلق القضية بأرواح آلاف البشر.
إن هذا التخبط في التعامل الرسمي مع ملف بالغ الحساسية لا يعني فقط غياب الشفافية، بل يشير إلى خلل بنيوي أعمق: غياب آلية مؤسسية واضحة للبحث، والتحقق، والإعلان عن نتائج مؤكدة. والضحايا الحقيقيون لهذا الغياب هم الأهالي الذين يعيشون في فراغ كامل، معلّقون بين أمل لا يموت ويأس يتجدد، يطرقون كل باب، يدفعون كل ما يملكون، ويسمعون في كل مرة الجواب ذاته: "لا نعرف".
هؤلاء الأهالي ما كان يجب أن يقعوا في هذا المأزق أصلًا. فالدولة التي تمتلك ملفات وصور وبيانات كان يفترض بها، بمجرّد حصولها على هذه المعلومات، أن تعلن آلية واضحة ومتدرجة: مطابقة الأسماء، التواصل المباشر مع العائلات، نشر القوائم الرسمية، وتقديم تفسير قانوني وأمني لما جرى. لكن ما يحدث اليوم هو العكس تمامًا؛ إذ تُترك العائلات في دائرة من الإنكار المتبادل بين المؤسسات، بلا جهة مسؤولة، وبلا مسار معلن، وبلا حدّ أدنى من الاحترام الإنساني الذي يقتضيه هذا النوع من الملفات.
في النهاية، السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس فقط: أين المعتقلون؟ بل أيضًا: أين الشفافية؟ ومن يتحمل مسؤولية ترك الآلاف من الأسر على الهامش، تتخبط بين تصريحات رسمية متناقضة، بينما الأدلة موجودة.
سؤال العدالة.. ومصير الصور
توجد الملفات الآن لدى السلطات الألمانية والسلطات السورية وعدد من المنظمات السورية المعنية بتوثيق جرائم الحرب. وتمت مشاركة الأسماء المتاحة مع أربع جهات: المؤسسة الأممية المعنية بالمفقودين في سوريا، الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مبادرة تعافي، والمركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية.
يبقى السؤال الأساسي: هل ستنجح هذه الوثائق في تحويل الألم إلى محاسبة حقيقية؟ أم ستبقى مجرد أرشيف يوثّق واحدة من أبشع الجرائم التي أدارتها دولة بحق مواطنيها في القرن الحادي والعشرين؟
بالنسبة لكثير من العائلات، مجرد ظهور هذه الصور يمثّل خطوة باتجاه الحقيقة، حتى لو طال الطريق نحو العدالة. فبعد سقوط النظام في نهاية 2024، دخل الأهالي السجون والمشارح بحثًا عن أثر، عن قطعة قماش، عن كتابة على جدار، لكن آلاف الأسر لم تجد شيئًا. واليوم، تعود “ملفات دمشق” لتقول إن الغائبين لم يختفوا تمامًا… وإن صورهم قد تكون الخطوة الأولى نحو استعادة كرامتهم أمام العالم.
الكلمات المفتاحية

كيف تعود "الرموز الوطنية" أداة لبناء الهوية الجامعة
تشكل الرموز الوطنية، مثل العلم والنشيد والعملة، أكثر من مجرد علامات سيادية أو أدوات رسمية؛ فهي تعبير مكثف عن هوية الدولة وذاكرتها

حوار| المعتصم الكيلاني: العدالة الانتقالية تعاني من حالة تأخير ممنهجة
يتحدث الكيلاني لـ"ألترا سوريا" في هذا الحوار حول ملفات عديدة تحوز على اهتمام السوريين، وأهمها ملف العدالة الانتقالية

النشيد الوطني وإعادة بناء الهوية السورية الجامعة
يمثل "النشيد الوطني" أحد أهم الرموز قدرة على اختزال معاني الدولة والهوية والانتماء

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


