ملف "قسد": الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة
13 فبراير 2026
منذ الإعلان عن اتفاق 30 كانون الثاني/ يناير بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بدا واضحًا أن الطرفين دخلا مسارًا جديدًا قائمًا على معادلة فرض الوقائع الجديدة. دمشق التي استعادت تدريجيًا السيطرة على معظم الجغرافيا السورية، كانت تنظر إلى الجزيرة السورية باعتبارها الحلقة الأخيرة في استعادة السيادة الكاملة، في المقابل، وجدت "قسد" نفسها أمام تحولات إقليمية ودولية قلّصت هامش المناورة، تحوّلات في أولويات واشنطن باتجاه اعتبار دمشق الشريك الأساسي، ضغوط ووساطات دولية وإقليمية تدفع باتجاه إيجاد صيغة تمنع الذهاب نحو مواجهة عسكرية.
ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن "اندماج تدريجي" إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة تركز على وقف إطلاق النار، نقل إدارة السجون والمنشآت الحيوية إلى دمشق، وتسليم الحقول النفطية والمعابر، إعادة الانتشار، إخضاع العناصر لتدقيق أمني، هذه الخطوات التي تمثل الجانب الأهم لإعادة تعريف وتوزيع السيادة.
أوجه التقدم: ما الذي تغيّر فعلًا؟
أول مؤشرات التقدم تمثلت في تثبيت مستوى مقبول من التهدئة الميدانية وتنفيذ الخطوات الأولى من الاتفاق بتعيين محافظ الحسكة نور الدين أحمد كشخصية تم ترشيحها من قبل قسد، والعميد مروان العلي مديرًا للأمن الداخلي من قبل دمشق، وما تبعها من زيارة لرئيس هيئة العمليات في الجيش السوري العميد حمزة الحميدي التي اقترنت بإجراءات انسحاب قوات الجيش السوري التي كانت تنتشر في الأطراف الشرقية والغربية من الحسكة إلى الشدادي وجبل عبد العزيز، في مقابل انسحاب قوات قسد إلى مواقع عسكرية في ريفي الحسكة الشمالي والغربي.
صحيح أن الهشاشة لا تزال قائمة، لكن تراجع وتيرة الاشتباكات الواسعة أتاح بدء اجتماعات اللجان المشتركة، والبحث في آليات تشكيل الألوية العسكرية الثلاث التي ستتشكل منها قوات "قسد" ضمن فرقة عسكرية وستنتشر في ( الحسكة، القامشلي، المالكية)، هذا التطور ليس تفصيلًا فالتجارب السابقة أثبتت أن أي احتكاك محدود قادر على نسف مسار تفاوضي بأكمله.
ثانيًا ــ بدأ يظهر تحول في مقاربة دمشق للملف الإداري، بدلًا من تفكيك كامل لهياكل الإدارة الذاتية، يجري العمل على استيعابها ضمن منظومة الدولة، مع إعادة تعريف الصلاحيات، هذا النهج البراغماتي يعكس إدراكًا بأن الفراغ الإداري أخطر من بقاء هياكل قائمة معاد تأطيرها.
ثالثًا ــ حمل الاتفاق بعدًا رمزيًا مهمًا في ما يتعلق بالحقوق الثقافية والمدنية، إدراج هذه المسألة في وثيقة رسمية يمنحها صفة تعاقدية، حتى وإن بقيت قابلة للتأويل، في بلد عانى طويلًا من مركزية صارمة، يمثل هذا التحول إشارة يمكن البناء عليها على الرغم من أن ترجمتها العملية ستخضع لاختبار الزمن.
أما الجدل حول تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من قبل "قسد" فيعكس بُعدًا رمزيًا يتجاوز الاستخدام العسكري المباشر، فالسلاح هنا يمثّل علامة احتكار العنف المشروع وليس أداة للقتال فقط، وعند انتقال هذه الأسلحة إلى عهدة الدولة، فإن الرسالة لا تتعلق بميزان قوة ميداني فحسب، بل بإعادة تثبيت مبدأ أن قرار السلم والحرب يعود إلى مركز واحد، في المقابل، تخضع عملية دمج القوات العسكرية و"الأسايش" لترتيبات تتجاوز المسار العملي لتشمل الطابع الإيديولوجي، إذ ارتبطت تلك التشكيلات بالعمليات العسكرية في مواجهة تنظيم "داعش"، الأمن الداخلي، وإدارة السجون لسنوات، وفق منظومة قانونية خاصة به، بالتالي فإن أي مقاربة تتجاهل هذه التعقيدات قد تنتج ازدواجية داخل الجهاز العسكري والأمني نفسه، لذلك تبدو عملية الدمج هنا اختبارًا لقدرة الدولة على استيعاب التنوع دون أن يتحول إلى جزر مغلقة داخل بنيتها.
المعابر والموارد: مفاتيح النفوذ
بالنسبة لتسلم المعابر الحدودية فهو ليس إجراءً إداريًا عاديًا، حيث تمثّل المعابر نقطة تماس بين السيادة والاقتصاد والسياسة الخارجية، إذ لعبت المعابر دورًا مركزيًا في تمويل الإدارة الذاتية وفي نسج علاقات غير مباشرة مع مجموعات إقليمية أهمها "حزب العمال الكردستاني" (PKK)، بالتالي فإنانتقال إدارتها إلى الدولة يعيد رسم حدود النفوذ وخريطة الموارد.
أما إعادة الانتشار على محاور التماس فتبدو للوهلة الأولى خطوة عسكرية، لكنها في الواقع إعادة رسم لخرائط النفوذ الاجتماعي والسياسي، فكل منطقة انتشار ترتبط بشبكات عشائرية، وفاعلين محليين، ومصالح اقتصادية، عندما تنتقل قوة من موقع إلى آخر، فإنها لا تنقل معها السلاح فقط، بل تترك فراغًا أو تخلق توازنًا جديدًا، لذلك فإن خرائط الانتشار الجديدة ستؤثر في معادلات السلطة المحلية بما يتعلق بضمانات الأمن المحلي وحل النزاعات كجزء من التفاصيل اليومية التي تحدد في النهاية صورة الدولة في أعين المواطنين.
مركزية معدّلة أم لامركزية مرنة؟
تدل المؤشرات على أن ما يتشكل ليس عودة كاملة إلى ما قبل 2011، ولا استمرارًا لنموذج الإدارة الذاتية كما كان، بل أقرب إلى صيغة وسط: مركز يحتكر القرار السيادي في الدفاع والحدود والموارد الاستراتيجية، مقابل صلاحيات إدارية وخدمية أوسع للمجالس المحلية ضمن إطار قانوني وطني، هذا بدوره يمهد لمسار يتراوح بين المركزية المعدّلة وفق صيغة تضمن دور دمشق المحوري مع مراعاة لخصوصيات الأطراف، ولامركزية مرنة تذهب باتجاه مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة المناطق والحكم وفق أطر واضحة، حيث ترى "قسد" أن هذا يجب أن يرتبط بضمانات من قوى إقليمية ودولية، بالتالي فإن نجاح هذه الصيغة يتوقف على القدرة على إدارة التنوع بكفاءة.
إن عملية الاندماج تمضي في اتجاه إعادة تثبيت دور الدولة الأساسي بصيغة تبتعد عن سيناريوهات سابقة كان قد تم طرحها سواء من خلال نماذج (التقسيم أو غيرها من الأنماط الأخرى)، لكن مع إدراك لضرورة ترتيبات خاصة في مرحلة انتقالية، غير أن استمرار هذه الخصوصية أو تحولها إلى نموذج دائم سيعتمد على مآلات التفاوض وعلى ميزان الثقة المتبادلة، فإذا أُديرت العملية بعقلية الغلبة، فقد تتحول الترتيبات الحالية إلى مجرد محطة انتقالية نحو مركزية مشددة، أما إذا جرى تثبيت آليات دستورية وقانونية واضحة لتوزيع الصلاحيات والموارد، فقد نشهد نشوء صيغة هجينة من السيادة: دولة واحدة بقرار سيادي موحد، لكن بإدارات محلية أكثر مرونة.
لا يُختزل اندماج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة في عدد أو نوع الأسلحة المسلمة، أو المواقع التي أُعيد الانتشار منها، وإنما بإعادة تعريف للعلاقة بين المركز والأطراف، بين احتكار العنف المشروع وإدارة التنوع الاجتماعي، بين السيادة كحدود مرسومة على الخريطة والسيادة كنظام حياة يومي، وسوريا في هذه المرحلة الدقيقة لا تختبر فقط قدرة طرفين على تنفيذ اتفاق، بل تختبر إمكانية صياغة عقد اجتماعي-سيادي جديد، يتسع لما فرضته سنوات الحرب من وقائع وما شهدته من تناقضات وانقسامات، دون أن يتخلى عن فكرة الدولة الواحدة، فمعيار النجاح لن يكون بعدد البنود المنفذة، بل بقدرة هذا المسار على إنتاج استقرار مستدام يشعر به سكان الحسكة والقامشلي والرقة قبل أن يظهر في بيانات رسمية.
الكلمات المفتاحية
هل تستعيد نقابة المحامين السورية دورها المهني؟
النقابات المهنية ليست مجرد مؤسسات تنظيمية تعنى بشؤون أعضائها، بل هي أحد المؤشرات الأساسية على مستوى الحريات العامة في أي مجتمع
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026