ملف "قسد".. الحل السياسي بديلًا من الاحتراب
4 فبراير 2026
كان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس براك، سخيًا جدًا في النعوت التي أغدقها على الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، إذ وصفه بأنه "تحولٌ مفصلي، ومحطة عميقة وتاريخية، في مسار سوريا نحو المصالحة الوطنية وبناء الدولة والوحدة والاستقرار الدائم بعد سنوات من الصراع"، قبل أن يضيف بأن الاتفاق "يشكل دليلًا على التزام الحكومة السورية بالشراكة الوطنية الحقيقية ونموذج الحكم الشامل"، بما يمهّد الطريق لـ"إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة، وجذب الاستثمارات الضرورية لإعادة الإعمار، وصولًا إلى تحقيق سلام دائم لجميع السوريين".
حماسُ براك للاتفاق قابله فتورٌ تركي إلى حدّ ما، إذ بدا وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، وكأنه ينتقي كلماته بعناية وهو يعلق عليه: "علمنا اليوم بالتوصل إلى اتفاق بشأن الدمج، ندرس هذا الاتفاق بدقة، الدمج الحقيقي يصب في مصلحة سوريا العليا، الأطراف على دراية تامة بشروط هذا الدمج، أنقرة تتابع عن كثب اتفاقية الاندماج.. الخ"، قبل أن يختم بالقول بأن "الاتفاق يشكل خطوة إيجابية نحو تعزيز الأمن والاستقرار، وإحلال السلام في البلاد".
انعطافة مفصلية
وفي الواقع، لقد أجمع أغلب المراقبين على وصف الاتفاق بأنه "خطوة مهمة، يمكن أن تشكل نقطة تحول مفصلية في مسار الحل السياسي بين دمشق و"قسد" أولًا، وتاليًا، في المشهد السياسي في شمال شرق سوريا عمومًا، تلك المناطق الغنية بالموارد المتنوعة من جهة، والتي تنطوي، في الوقت نفسه، على أوضاع أمنية وسياسية في غاية الحساسية والتعقيد، من جهة ثانية، آخذين بعين الاعتبار أنها شكّلت على مدار العشرية المنصرمة بيئة جيوسياسية مضطربة تداخلت فيها أسباب وعناصر النفوذ المحلية والإقليمية والدولية.
لكن، وعلى رغم الوعود (المبدئية) المبشّرة التي يَعِد بها الاتفاق، إلا أنه وبالمقارنة مع تجارب سابقة متعثرة، فقد كان مفهومًا، وربما ومبررًا، أن يتحفظ البعض عليه، أو يتردد ويبدي شكوكًا إزاءه. وقد تركزت التحفظات والشكوك ليس على البنود النظرية التي تضمنها، إنما على إمكانية ترجمتها وتنزيلها إلى أرض الواقع، وذلك انطلاقًا من أن النجاح الفعلي في النهاية يتمثل في القدرة على تنفيذ الاتفاق وتحويله إلى واقع عملي، وهو ما يتطلب تجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وكذلك الرهانات الخارجية، (التي وصلت إلى حد استجداء التدخل الإسرائيلي)، إضافة إلى توافر القدرة لدى الأطراف المعنية على الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه ومفاعيله على نحو فعلي ومستدام، وبما يفتح الباب أمام مرحلة من استتباب الأمن والاستقرار والسلام الدائم.
فالاتفاق تضمن وقفًا لإطلاق النار، ووضع إطارًا زمنيًا لعملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية التابعة لـ"لإدارة الذاتية" في مؤسسات وهياكل الدولة السورية، إضافة إلى استلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها لضمان عودة مواردها للدولة السورية، غير أنه، وفي ضوء ردود الفعل الأولية عليه، يمكن أن نلاحظ تباينًا في قراءة بعض بنوده، وخصوصًا تلك المتعلقة بدخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، وهل سيكون هذا الدخول دائمًا أم مؤقتًا؟ وكذلك البند المتصل بتشكيل فرقة عسكرية جديدة تضم ثلاثة ألوية من "قسد"، إضافة إلى تشكيل لواء خاص بقوات عين العرب/ كوباني، وهل سيكون هذا التشكيل على أساس فردي أم جماعي؟ فقد عبرت تصريحات بعض مسؤولي «قسد» عن رفضها لأن تتم عملية الدمج على أساس فردي. كما أنه من غير الواضح من سيعين قادة تلك الألوية، وهل سيناط ذلك بـ"قسد"، أم أنه يكفي أن يكونوا من الكورد السوريين فقط؟ هذا فضلًا عن مصير "قسد" ذاتها، وهل ستحافظ على وجودها وهيكليتها، أم سيكون عليها حلّ نفسها والذوبان في إطار الهياكل الجديدة المشكلة؟
وإلى ذلك، فصحيح أن الاتفاق حظي بترحيب ودعم إقليمي ودولي واسعين، (بما فيه دعم ومباركة المسؤولين في إقليم كردستان العراق الذين كان لهم دور ملموس في التوسط وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية)، إلا أنّ ذلك لا يرقى إلى مستوى وجود ضامنين؛ دوليين أو إقليميين، لمراقبة تنفيذ الاتفاق. ومثل هذا الأمر لا يشكل تدخلًا خارجيًا، أو دعوة لذلك، بقدر ما يعبر عن إدراك مسبق لحساسية المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، والمخاطر التي قد تنطوي عليها الاتفاقات المعقودة حين تؤول إلى التنفيذ العملي، وخاصة في ظل التعقيدات المحيطة بها، والحاجة أحيانًا إلى "جهات رقابية محايدة" تذلل العقبات وتحمي الاتفاقات من الانهيار.
قابلية الاتفاق للاستنساخ
وإذا قيض للاتفاق أن يشق طريقه نحو التنفيذ والنجاح، بما يمثله من إحلال للسياسة بديلًا من الحلول الأمنية والاحتراب، فإنه يمكن أن يتحول إلى نموذج قابل للاستنساخ في مناطق أخرى، وخصوصًا في محافظة السويداء، بما يساهم في انتقال سوريا من مرحلة الانقسام وتعدد الأعلام والرايات والصراعات العسكرية إلى مرحلة التوحيد الجغرافي والسياسي واحتكار الدولة (الشرعية) للعنف، وإنهاء فوضى القوى والميليشيا العسكرية المتعددة، وهي كلها شروط رئيسة لا بد من توفرها لإعادة بناء الدولة الوطنية، على أمل أن يترافق ذلك مع توجه نحو صوغ عقد اجتماعي وسياسي جديد يقوم على مبدأ الحلول السياسية، والبحث عن تسويات وطنية، لا غالب فيها ولا مغلوب، وبما يمهد لنقل جميع القوى الاجتماعية والسياسية، بما فيها السلطة القائمة، من النزوع إلى اعتماد الخيارات العسكرية والرهان على دعم القوى الخارجية، إلى فضاء التنافس السياسي وتشكيل قوى سياسية وازنة وفاعلة على أسس وطنية وليس على أساس الانتماءات والولاءات الطائفية أو العشائرية أو الأثنية، وما دون الوطنية.
وعلينا أن نتذكر جميعًا أن التطلع نحو بناء سوريا المُوحّدة، كدولة وطنية حديثة، لا بد أن يقوم على تكريس القانون واحترامه، وبناء المؤسسات الفاعلة والحقيقية، واعتماد الحوار واحترام الآخر والحلول السلمية، وانهاء التمييز والمظالم، والسعي نحو ترسيخ السلم الأهلي واستعادة الثقة بين جميع المكوّنات السورية، وذلك عبر إقرار دستور عادل، يضمن حقوقهم ويؤكد على مساواتهم وموقعهم كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، ومشاركتهم الكاملة في بناء مستقبل آمن ومزدهر وشامل لسوريا الجديدة.
الكلمات المفتاحية
هل تستعيد نقابة المحامين السورية دورها المهني؟
النقابات المهنية ليست مجرد مؤسسات تنظيمية تعنى بشؤون أعضائها، بل هي أحد المؤشرات الأساسية على مستوى الحريات العامة في أي مجتمع
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026