ultracheck
ثقافة وفنون

منمنمات على خشبة الحمراء.. ابن بطوطة يلتقي شباب دمشق

18 فبراير 2026
منمنمات
مشهد من العرض (الترا سوريا)
حسين روماني
حسين روماني صحافي سوري

على خشبة مسرح الحمراء بدمشق، قدّمت مجموعة من هواة التمثيل عرضها المسرحي "منمنمات"، الذي انبثق عن ورشة عمل استمرت عدة أشهر بإشراف المخرج المسرحي ساري مصطفى والممثلة فرح الدبيات، وبدعم من فريق "سيناريو" و"ملتقى نيسان الثقافي".

العرض الذي امتد زمنه ليبلغ الساعة والنصف، كان بمثابة مغامرة فنية جمعت أكثر من عشرين شابًا وفتاة على الخشبة، مستقبلة جمهورها في السادس والسابع من شباط/فبراير الجاري.

اتخذ العرض من شخصية "ابن بطوطة" ورحلاته فرضية أساسية ينطلق منها نحو استكشاف واقع الشباب في المجتمع السوري، وما يحيط بهم من هواجس وظروف تجعل من السفر حلًا أقرب إلى اقتلاع الجذور. حاولت خيوط العرض أن تتشابك عبر مزيج من الحوار والرقص والإيماء.

المسرح داخل المسرح

يقوم العرض على فكرة مخرج مسرحي يعود من الاغتراب ليصنع عملًا جديدًا مع فرقة محلية. يستلهم أعضاء الفرقة عملهم من أسفار ابن بطوطة، ليس فقط كوسيلة لتجاوز الحدود الجغرافية، بل كأداة لاستكشاف التجربة السورية المتأرجحة بين ماضٍ مدوّن وحاضر يموج بالتساؤلات.

ومع مواجهة الفرقة لذواتها وواقعها المشترك، يتحول فضاء العرض إلى منصة للكشف عن الذاكرة الجمعية، بهدف بناء مسارات جديدة للرحلة. يظل السؤال معلقًا: هل يمكن للرحلات أن تجد طريقها للاكتمال يومًا ما؟ يجسد هذا السؤال عشرون شابًا وفتاة تنوعت معاناتهم؛ فمنهم من تحكي عن التحرش، وآخر يحكي رفضه في المعهد العالي للفنون المسرحية بعد التحرير، وثالثة تعيش في دائرة الانتظار.

تسير كل هذه الحكايات وفق إشارات تمثلت بنصوص مقتطفة من رحلات ابن بطوطة، يلقيها المخرج على أعضاء فرقته كمقدمة للمنصة التي ستروي كل شخصية من خلالها حكايتها.

حقيبة واحدة

ينطلق الحوار بقياس المسافات بين دمشق والقاهرة وبيروت، لينتقل إلى ويلات الحرب ومخلفاتها، فجواز السفر، والملّيحي، ولم الشمل، والعديد من القضايا التي تمس جوهر حياة السوريين.

ثم يعرج العرض على الرحلة الداخلية، التي كانت الهدف الأسمى للفرقة، على لسان المخرج (هاني الأطرش): "ليس المهم أن نصل إلى العرض، المهم هي الرحلة التي نمشي خلالها في الاشتغال على هذا العرض".

تبدأ كل شخصية في سرد قصتها عبر مونولوجات وحوارات، ترافقها حقيبة سفر تحتوي أدواتها على كل الحكايات، وكأنها تتكيف مع السوريين وأشكال معاناتهم المتنوعة.

تطرقت الشخصيات لموضوعات عدة كالتحرش، والمرض النفسي، والخذلان، والاقتراب من اليأس مع كل معركة يخوضها الفرد. وحتى الرقص التعبيري، واستخدام أقنعة الكوميديا والتراجيديا المتجسدة في شخصيتي المهرج والبائس، اجتمعوا جميعًا لتحقيق التطهير الوجداني عبر مواجهة الألم والخوف والوجع الداخلي في إطار الفعل الفني. وينتهي العرض حيث بدأ، مؤكدًا أن الرحلة هي الأهم، مع تبادل الأقنعة بين الكوميديا والتراجيديا، تاركين وراءهم أثر الوجع.

تنوعت الأدوات الفنية في العرض؛ فالنصوص الفصحى التي ألقاها المخرج العائد من الاغتراب، والذي حمله معه في ملامحه وحركاته، قوبلت بلهجة عامية لشخصيات لم تبتعد ملابسها عن الواقع ومشاكله. وقد صاحب ذلك إضاءة خفيفة محددة ترمز إلى بقعة ضوء تخص كل شخصية، وموسيقى مفعمة بضجيج الوجع، إضافة إلى الرمزية العميقة للأقنعة التي أضفت لمسة من الكوميديا السوداء أمام حقيبة السفر ذات الحضور المتعدد الأدوار. كل هذه التفاصيل رافقت العرض في محاولة لحمل همومه أمام الجمهور.

مساحة للاكتشاف

في كواليس العمل، يصعب الفصل بين ما هو فني وما هو إنساني، وبين ما جرى في قاعة التدريب وما ظهر على الخشبة. إذ تتشكل التجربة كمسار واحد يبدأ من الداخل ليصعد نحو الفعل المسرحي. على مدى 25 جلسة موزعة على أربعة أشهر، اجتمع طلاب وشباب من خلفيات غير مسرحية ليخوضوا تجربة لا تقوم على التلقين الأكاديمي، بل على إفساح المجال للتعبير والكتابة وطرح الأسئلة الصعبة.

ماسة شرف، طالبة الاقتصاد التي خاضت التجربة مع رفاقها، تقول لـ"ألترا سوريا": "كانت المعاناة الإنسانية حاضرة كمادة خام. السوريون مجربون لأنواع مختلفة من الألم. ومن هنا جاءت فكرة ابن بطوطة ليس كشخصية تاريخية، بل كصورة مفتوحة يراها كل فرد من زاويته الخاصة؛ فهو مسافر، وقد يكون متحرشًا للبعض، أو كائنًا بلا تعريف ثابت. خضنا تجربة الكتابة إلى حد إدخال أسمائنا الحقيقية في نسيج العرض".

بدوره، أشار ضياء منذر، طالب الدكتوراه في إدارة الأعمال، إلى البعد الجسدي في العرض من خلال الرقص التعبيري الذي أداه مع شريكته ليال جبر، قائلًا: "انطلق الأداء الراقص من فرضية شعورية تتقاطع مع المونولوجات النصية، وتتمحور حول مفهوم الاغتراب الداخلي؛ أي أن تكون في وطنك دون أن تشعر بالانتماء. جرى تكثيف هذه الحالة عبر الجسد والحركة".

أما كندة ستوت، الحاصلة على ماجستير في الترجمة الفورية بالفرنسية، فقدمت حضورًا لافتًا كامرأة محجبة على المسرح، معتبرة ذلك فرصة لتسليط الضوء على فئة مهمشة. تخبرنا عن وقوفها على الخشبة: "كان وجودي إصرارًا على كسر الصورة النمطية للمرأة المحجبة، ويبقى المسرح المنصة الأصدق لإيصال أصوات لا تجد منبرًا لتحكي وجعها".

الرحلة

يرى المخرجان فرح الدبيات وساري مصطفى أن هذا العمل لم يكن مجرد إخراج مسرحي تقليدي، بل تجربة علاجية وفنية متكاملة، بدأت بمنح المشاركين مساحة للتعبير عن ذواتهم وألمهم بعيدًا عن القيود النصية أو الزمنية.

تقول الدبيات لـ"ألترا سوريا": "بدأنا بالاستماع للشباب، لنرى ماذا لديهم ليقولوه، قبل أن نفكر في الشكل النهائي للعرض". ويؤكد مصطفى أن العملية شكلت تمرينًا على الحرية والوعي الإبداعي: "فتحنا المساحة أمامهم ليكتبوا ويحذفوا ويعيدوا صياغة نصوصهم، وهو ما أربكهم في البداية، لكنه منحهم وعيًا وأوصلهم إلى صيرورة العمل المسرحي".

كانت التحديات كبيرة، بين قصص حساسة ووجوه جديدة على المسرح، حتى أصبح النص نتيجة رحلة المواجهة والتطهير الداخلي، وليس خطة جاهزة.

تشرح الدبيات: "أصر المشاركون على مواجهة تجاربهم وتحويلها إلى مشاهد حقيقية، لتصبح خشبة المسرح مساحة آمنة للتعبير". ويضيف مصطفى: "كل شيء كان يُكتب حدث معنا أو معهم، لم نكتب نصًا منفصلاً عن تجربتهم، حتى أن العرض الذي شاهدناه اليوم هو البروفة الختامية".

الممثل هاني الأطرش لم يكن مجرد مؤدٍ، بل كان شريكًا في الصياغة والإخراج، كما تشير الدبيات: "في الأسبوع الفائت أعدنا صياغة النص دراماتورجياً معه". وجاء العمل أيضًا كاختبار للشراكة الإخراجية بعيدًا عن المسميات، حيث يقول مصطفى: "اخترنا أن نكون معًا، مكملين لبعض، نضبط الإيقاع والمشاعر".

الكلمات المفتاحية

بروفا يوم القيامة

"بروفا يوم القيامة".. وثائقي يحول المأساة إلى ذاكرة سورية جامعة

لا يكتفي الفيلم باستعادة ذكرى زلزال السادس من شباط/فبراير في سوريا وتركيا عام 2023، بقدر ما يُحاول توثيق التفاصيل الصغيرة


فيلم الكومبارس

عرض جديد في حمص.. فيلم "الكومبارس" ومعاناة الإنسان المهمش

يُعتبر فيلم "الكومبارس" واحدًا من أبرز أفلام السينما السورية، محتفظًا بمكانة خاصة في ذاكرتها البصرية


المعهد العالي للفنون المسرحية

وزارة الثقافة تُحدث دورات تدريبية في التمثيل لكبار السن بالمعهد العالي للفنون المسرحية

تأتي هذه الدورات، التي تمتد لسنة دراسية واحدة، بهدف دعم واكتشاف المواهب التمثيلية التي لم تتمكن من الحصول على فرص التعليم الأكاديمي سابقًا


معرض الكتاب

"ذا إيكونوميست": معرض دمشق للكتاب يختبر حدود الانفتاح الثقافي في سوريا الجديدة

يعكس معرض الكتاب اختبارًا مبكرًا لحدود الانفتاح الثقافي في سوريا ما بعد الأسد، وسط آمال حذرة بأن تستمر مساحة التعبير في ظل المرحلة السياسية الجديدة

انفجار
أخبار

إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام

أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.

فرن حرنة
أخبار

فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"

أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان


الشعلة والشرطة
منوعات

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه

الأسواق السورية
مجتمع واقتصاد

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026

الأكثر قراءة

1
أخبار

الجيش السوري يتسلّم قاعدة رميلان بريف الحسكة بعد انسحاب التحالف الدولي منها


2
سياسة

في ظل التصعيد الإقليمي: هل تمتد الحرب إلى الساحة السورية؟


3
ثقافة وفنون

"بروفا يوم القيامة".. وثائقي يحول المأساة إلى ذاكرة سورية جامعة


4
أخبار

تعقيبًا على احتجاجات معبر "نصيب".. هيئة المنافذ: مصلحة السائق السوري أولوية


5
أخبار

وزارة الخارجية: تقرير لجنة التحقيق الدولية سجل خطوات إيجابية في المساءلة وإصلاح المؤسسات


advert